عيناتا 
جنبات عيناتا تفيض بالوقفات العنيدة مع السلاطين

السفير (22 تموز 2000)

عيناتا

حسين أيوب

"حيف يا فنجان فضة يكسرك فنجان صيني
حيف يا بلدة عيناثا يطلع من أرضك صهيوني"
نداء محفور في ذاكرة د منذر جابر.

"أم تيسير" منهمكة كعادتها في رعاية "المبقلة" وسقايتها على وقع حبحبة المياه المتراكضة في الخط المتعرج المرسوم لها وصولا حتى الدوالي المزدانة بعناقيد الحصرم الصغيرة الحب او كما يقولون عنها "المقساسي".

يصرخ أحدهم في مطلع الدرب الحجري المؤدي الى منزلها: "العوافي يا حاجة ام تيسير". هي لا تحب تسمية "الحاجة" لكنها ترد عليهم: "الله يعافيكم يا شباب شو فيي اخدمكم؟"

طلبوا منها ان تقول لهم "تفضلوا" وأتبعتها بكلمة "يا حبايبي" ظنت للحظة انهم رفاق أحد ولديها تيسير وسالم اللذين بكرا بإغلاق باب الحياة على نفسيهما فتركاها مجلببة بثوب من السواد عمره عقد من الزمن.

عندما سألوها عما اذا كانت قد تعرفت اليهم اجابتهم: "يا حياتي والله مش عارفتكم". قال الشاب الملتحي: "نحن وعدناك في يوم من الايام بأننا اذا نجونا وعدنا الى عيناثا محررة سنأتيك مباركين لك العهد الذي حلفت به". لم تفهم الحكاية فقال محدثها نفسه: "هل تذكرين يا 'أم تيسير' تلك المجموعة التي التقيت بها اثناء عودتك من السهرة عند جارتك 'ام أديب'؟" كانت تلك الجملة كافية حتى تهب من مقعدها وتنهال قبلا على صدور الشباب الملتحين وكانوا هم يرددون: "بارك الله بأمثالك يا أم تيسير".

ثلاثة مقاومين كانوا في مهمة استطلاعية في منطقة "السدر" في عيناتا فإذا بـ "أم تيسير" تغافلهم بفضل الخف الكاتم للصوت في قدميها. ارتبكوا عندما أصبحت وجها لوجه معهم فقالوا لها: "لا تخافي نحن من المقاومة الاسلامية". فكرت برهة وناجت نفسها بأن في الامر سوءا وخديعة ربما يكون وراءها العملاء لتوريطها في موقف ما، ووجهت حديثها لطيفا اليهم: "الله يحميكم مين ما كنتو تكونو". لم يقبلوا دعاءها المجهول الذي لحنته بحذر وقال احدهم: "اذا لم تصدقينا تحدثي الآن مع فلان". فأجابته: "صدقتكم"، فتمنى عليها ان لا تخبر احدا بأنها شاهدتهم "بما في ذلك زوجك 'أبو تيسير' لأنه يلقي الكلام دائما على عواهنه". هذه العبارة وحدها جعلتها تنبسط في سرها لأن من كان يحدثها يعرف زوجها جيدا فقالت لهم: "الله يحميكم ويخليكم لأمهاتكم". وقبل ان تنعطف يسرة نحو منزلها سألتهم: "كيف سأطمئن بأنكم ستعودون سالمين". فأجابها قائد المجموعة: "عندما تتحرر عيناتا سنأتي لزيارتك يا 'أم تيسير' لنبارك لك بالنصر القريب إن شاء الله".

وفت المجموعة المقاومة بالعهد وزارت 'أم تيسير' في الموعد المقطوع سلفا. قال أحدهم ضاحكا: "لقد سهرنا في تلك الليلة الماطرة تحت شباك غرفة نومك مع زوجك أبي تيسير وألقينا اسماعنا اليكما"، ضحكت 'أم تيسير' وضحكوا معها عندما أخبرتهم عن عادات زوجها الذي يرمي كلامه كأنه دائما في ساحة القتال. 


عيناتا والمقاومة 
تفيض جنبات عيناتا بحكايات المقاومة والمقاومين وتفوح منها نسائم عنفوان عاملي. الحكاية المسندة بالتواريخ والاسماء والوقائع تبدأ في العهد التركي يومها اشتعلت الحرب الكونية الأولى وتعرضت البلدة للبلاء. سيق شبانها للتجنيد الاجباري في اطار التعبئة العامة التي أعلنها جمال باشا ايام سفر برلك. بعد انضمام العهد الاتحادي الى المحور بزعامة الالمان أثيرت التناقضات المحلية على انواعها "وعندما زحف الأتراك الى عيناتا في العام 1916 لإلقاء القبض على احد المطلوبين، فر من دربهم لكنهم أسروه واخذوه الى بنت جبيل. كان رجلا بدينا يدعى السيد جواد آل فضل الله. ركـّب الاتراك 'المورينات' الخشبية في وسط 'سوق الخميس'، 'سوق الطرش سابقا،. وجهزوا حبل المشنقة. أصعدوا السيد جواد مكتوف اليدين وما ان أفلتوا المزلاج من تحت قدميه حتى قطع الحبل وسط تكبير الاهالي المجتمعين. قيل يومها، والرواي هو الحاج المعمّر محمد حسن قعفراني 104 سنوات، "انه بات حراما على الاتراك ان يعدموه مرة ثانية وقد حاولنا جمع الاموال لاستبدال الشدة التركية باللين لكنهم عادوا ونصبوا المشنقة ثانية وأعدموه".

كاد الامر يتكرر مع السيد طاهر آل فضل الله، يتابع الراوي، "فقد جاء العساكر سائلين اخته جميلة عنه لحظة كان هو يغادر عتبة منزله متخفيا بالعباءة السوداء التشادور، التي ترتديها النساء، فنفت علمها بمكان اختبائه فقرروا اخذها رهينة، وعندما وصلت الى 'عين الحوزة'، استأذنتهم 'شربة ماي'، فأعطوها موافقتهم فرمت بنفسها في البئر. أثار الامر هلع العسكريين وخافوا من ردة فعل الاهالي فأدبروا هربا نحو بنت جبيل وسمع شبان البلدة صراخ جميلة فأخرجوها من العين، سليمة، ضاحكة"، تاركة الحكاية صفحة من صفحات عز بلدتها وهي 'السيدة' التي لها حكايات اخرى في العلم والثقافة تعرفها عيناتا وقرى الجوار.


أحداث العام 1920
عيناتا كما بنت جبيل وعيترون وكونين، وجدت نفسها في مواجهة أحداث العام 1920 الشهيرة مع "عين ابل" في ذروة الانقسام الطائفي العاملي بين الشرق والغرب.

فقد شارك العيناثيون بشخص مختار بلدتهم محمد وهبي وعدد من أشرافها "السياد" في مؤتمر وادي الحجير واختاروا الانضواء تحت علم العروبة المشرقية الذي رفعه "أدهم خنجر". وعندما وقعت الواقعة مع "عين ابل" التي رفعت العلم الفرنسي ودافعت عنه، تعرضت عيناتا لحملة سوداء قتلا وتنكيلا وحرقا وسرقة وخسرت ثلاث مكتبات شهيرات اولاها لآل فضل الله وثانيتها للشيخ موسى مغنية أحد أساتذة مدرسة عيناتا الدينية وثالثتها لآل خاتون الذين أقاموا فترة طويلة في عيناتا قبل ان يهجروها نحو جويا.

وتتحدث البيوتات العائلية في عيناتا عن "بطولات". في تلك المواجهة كان بطل إحداها رجل مغمور لاحقته الطائرات الفرنسية النقاثة مع جنود فرقته حتى مشارف بلدة محيبيب وهناك سقط حسين علي أيوب صريعا ولا يزال قبره شاهدا حتى الآن على دوره في مقبرة محيبيب.

ويروي احدهم ان الحاج محمد ضاهر عربيد وبدافع علاقة الزراعة والزيتون والتبغ التي كانت قائمة بينه وبين آل خريش النصارى في عين إبل، بادر الى المغامرة والدخول الى البلدة المسيحية حيث اخرج الطفل بطرس خريش وخبأه في منزله في عيناتا وصار هذا الطفل بطريركا مارونيا له وقفاته المشهودة في لبنان والجنوب.

وغداة انعقاد مؤتمر وادي الحجير، فجعت عيناتا بمقتل شابين من خيرة شبابها وقعوا ضحية مكمن فرنسي قام باعتقالهما وهما السيد محمد حسين فضل الله والسيد عبد المنعم فضل الله كان برفقتهما رجل اخرس من آل فضل الله يدعى "حسين الاخرس"، وقد نجا بأعجوبة. وسيق الاول الى تبنين حيث اعدم شنقا فيما شنق الثاني في "خلة الدراس" في عيناتا ونقل جثمانه الى تبنين حيث اقيم لهما مزار لا يزال اهل بلدتهما والجوار يؤمونه حتى الآن. 


عيناتا والاقطاع 
"عداوة كار" بين عيناتا والاقطاع المحلي. من المرويات التاريخية ما يفيد "ان بعض العائلات الممسكة بخيوط السياسة في جبل عامل ولا سيما آل الاسعد كانت تعامل عامة الناس على قاعدة ان ارض الجنوب مطوبة لها بالكامل والكل يعتبر شريكا لها. تصدى لهذا الواقع السيد نجيب فضل الله واستحكم الخلاف بينه وبين كامل الاسعد الجد. حرّض "السيد" الفلاحين على عدم دفع ما قيمته ربع محاصيلهم الى المرابين التابعين للاسعد، فما كان من هؤلاء الاخيرين إلا ان طاردوا الخارجين عن الاصول المتبعة وصادروا من منازلهم ما يفي بالمبلغ المطلوب".

كان جبل عامل قد خرج لتوه من "سفر برلك" والناس في ضائقة شديدة. احد الفلاحين تعرض لظلم شديد على يد رجال "البكوات" وجاء شاكيا الى السيد نجيب فكانت رسالته الشهيرة الموجهة الى كامل الأسعد وفيها يقول:
"بسم الله قاصم الجبارين الى فرعون البلاد وجرثومة الفساد لأهدمن مجدك ولاقوضن عزك وان لم تنته عن غيِّك لنهيناك"!

لجأ الاسعد في النبطية الى السيد الجليل علي محمود الامين في شقرا صاحب مؤسسة المحمودية سعيا وراء اللعب على وتر تناقضات العائلات والعلماء المجتهدين لكن الامين رفض استقباله في دارته "إذا لم يعتذر من السيد نجيب ويتفق معه اولا". ويقال ان الاسعد اتى عيناتا ولم يخرج السيد نجيب لاستقباله إلا على بعد 20 مترا من منزله وقد قدم له الاعتذار قائلا: "والله لو امرت بقطع يدي الآن لفعلت". صار السيد نجيب الناطق باسم المظلومين بوجه المستبدين واعفيت عيناتا من دفع ربع الانتاج الذي كان يدفع لزعيم الاقطاعيين.

هناك واقعة ثانية بين عيناتا والاسعديين بطلها السيد صدر الدين فضل الله، الرجل المتواضع والشجاع الذي اصدر فتوى شهيرة بتحريم بيع الاراضي لليهود. حصل ذلك في منتصف الاربعينيات وقد حاول أحمد الاسعد استدراج السيد صدر الدين الى قبول الخمس من ثمن "المنارة" التي بيعت لليهود باعتباره حقا شرعيا لكن فضل الله ابلغ الوفد الذي جاءه مرسلا من الاسعد بأنه يرفض استلام المبلغ على فقره ولن يتراجع عن فتواه بتحريم بيع الاراضي.

وينسب المناضل والشاعر العاملي الكبير "
موسى الزين شرارة" الى عيناتا دورا رئيسيا وحاسما في انتفاضة الـ 1936 الشهيرة للمطالبة برفع اسعار التبغ المحلي، الذي كانت تستلمه الشركة الفرنسية المحتكرة، وزيادة المساحات التبغية. فبعد اعتقال ما يقارب ثلاثين شخصا من شباب ووجهاء بنت جبيل وبينهم شرارة وعلي بزي وعلي بيضون، دبت "مسعودة" البنت جبيلية الصوت في عيناتا سائلة عن "اهل النخوة". يقال حينها ان عيناتيا عميدا في المواقف هو حسن بسام قاد رجال بلدته في تظاهرة كبيرة تولت تكسير ابواب السجن في سراي بنت جبيل لكن المساجين رفضوا المغادرة خوفا من انتقام الفرنسيين من الاهالي. في تلك الانتفاضة لعلع الرصاص وسقط ثلاثة شهداء هم محمد الجمَّال وعقيل الدعبول من عيناتا ومصطفى العشي من بنت جبيل.

"لم ينته الامر هنا"، يضيف الحاج محمد حسن قعفراني، "فقد اقتحم الفرنسيون عيناتا لتأديبها وحرموها من تشييع شهيديها وسمحوا فقط لثمانية اشخاص برفع التابوتين ودفنهما في مدفن خاص قرب جامع البلدة وكلفت أنا شخصيا بتشييد قبة فوق اعمدة اربعة لمدفنهما". هذا المدفن ازيل بقرار جائر وتستعد عيناتا لاعادة الاعتبار لشهيديها في القريب العاجل.

منع الفرنسيون حفر ابيات الشعر التي نظمها السيد صدر الدين فضل الله في رثاء الجمال والدعبول وقال فيها: 

إن الشجاعة والبسالة ضمتا
جدثا يضم محمداً وعقيلا
نذرا فما وجدا وقد حمى القضا
غير الشهادة للحياة سبيلا
رفعا لابناء العروبة راية
تنتابها الاجيال جيلاً جيلا
قد زرت رمسهما وكنت مؤرخاً
لله قبراً بالدماء غسيلا

أرض عيناتا 
تتمدد أراضي عيناتا في كل الاتجاهات ما عدا نقطة تماس عمرانها الجنوبية الغربية ببنت جبيل ويمكن الوصول اليها من مارون وعيترون وكونين ومن ثلاثة مسالك من بنت جبيل وحدها. تلتقي أراضيها بأراضي كونين والطيري وبيت ياحون وبرعشيت وعيترون وبليدا ومحيبيب وشقرا.

لأرضها حكاية تقول بأنه في القرن الثامن عشر، أنجبت عيناتا القبضاي "قاسم سمحات" وكان رجلا لا يرحم ولا يلين اتخذ من "تلة الشومر" في "النقعة" مقرا له لاعتراض القوافل المتنقلة بين سوريا وفلسطين وتدفيع اصحابها الأتاوات اللازمة. كان يذهب الى القرى المجاورة لبلدته ويطلب من أهلها تحديد خراج عيناتا فيأتيه الجواب قسريا: "حدو تحت رجلين حصانو". تدريجيا وسّع قاسم حدود بلدته التي انزلقت في كل الاتجاهات.

ذاع صيت قاسم فأتاه رجل من الجولان يدعى "المصري" وأخذ على عاتقه تحرير المنطقة من سلطانه واتفقا على المباطحة فتصارعا حتى صرعا. البعض لعن عيناتا "على قاسمها" والبعض الآخر مدحها كالشيخ ناصيف النصار بقوله: 

قاسم الند المفدى - نجل سمحات الكريم
قلت تاريخا عليه - رحمه المولى الرحيم 

والحكاية تقول أيضا ان رجال الدين تملكوا أرض عيناتا كلها وتوسعوا بطلب من أهالي قرى مجاورة هربا من ضريبة "الويركو" العثمانية وهي عبارة عن رسم مقطوع على الارض لم تكن تشمل الاراضي الوقفية المسجلة باسم العلماء. 


عيناتا البركة والعيون 
لا اتفاق بين المؤرخين حول أصل تسمية "عيناتا"، لكن بعضهم ينسبها استنادا الى اللغة السريانية الى كثرة العيون المتفجرة فيها تؤنث العين بالسريانية وتصبح عيناتا. وعند كل عين وبئر في البلدة اكثر من حكاية عشق ومبارزة. ويقول شاعر مجهول مرّ بالبلدة البيت الشهير:

على عين عيناتا عبرنا عشية - عليها عيون العاشقين عواكف

وكما في معظم القرى العاملية، ساعد الموقع الانحداري لعيناتا في ان تكون لها بركتها الخاصة. "في السابق كانت البركة القديمة في "وادي الجوز" وحولها أربع شجرات جوز ولنا فيها حكايات وحكايات اما البركة الجديدة فعمرها اكثر من نصف قرن وهي ولدت كمحافر ثم شيّد أهل البلدة جدرانا حجرية حولها. عندما كنا شبابا كانت لنا قصص كثيرة في البركة مع الصبايا اللواتي كن يأتين إليها بالصواني والطناجر والصحون النحاسية لغسلها بالرماد و"السيف" حتى تلمع ويرحن يتبادلن النظرات وأبيات الغزل مع الشباب الذين كانوا يقومون بسقي الطرش والجمال في البركة". يضيف الحاج محمد حسن قعفراني: "طار العمود الحجري من وسط البركة كما طار حجر الصلاة الكبير من جهة "القبلة". انتهت سهرات "الجراشة" للقمح والعدس في نيسان منذ عشرات السنين".

كانت بركة عيناتا رئة حقيقية لمن يريد ان يستحم او يجلي او يروي ظمأ طرشه او زرعه كان الهواء ينسّم من فوق رؤوس صبايا البلدة وزغاريدهن ودبكاتهن لكن أعمال "المقاولات الحديثة" دلّت البعض على كيفية سرقتها فحولوها حاليا الى ملعب كرة قدم وساحة ذكريات خاصة لمن خسروا أحبة لهم غرقا في طياتها يوم كانت سخية بمائها وطقوسها. 


عيناتا والسياسة 
لا شخصية عيناتية معاصرة تختزل تاريخ البلدة السياسي النضالي مثل ذيب وهبه الذي يعرفه أهل القرية بـ"ذيب سعدى". ذاكرة متواضعة وصادقة وحية ومثالية بكل ما للكلمة من معنى. قصته مع السياسة بدأت في مطلع الأربعينيات عندما بادر مع ثلة من الشباب المتوقدين حماسا على إنشاء جمعية اجتماعية خيرية. الهم كان تخليص الفلاحين من سطوة إقطاعيي البلدة المحليين، لكن وجهاء القرية "دفشوا أولادهم لتزعم الجمعية فخربوها وعطلوها بسبب التنافس على الوجاهة".

يقول ذيب: "استقل لبنان عام 43 فأنشأ رشيد بيضون "حزب الطلائع" في بيروت لمواجهة الاقطاع السياسي ولا سيما الأسعدي. تجمعنا جيلا يقدر بنحو خمسين شابا من عيناتا وانضوينا في الطلائع استعدادا للانتقام من الاستغلال الاقطاعي المحلي. كان زعيمنا في البلدة نجيب خنافر أبو حبيب، اما زعيم أخصامنا النهضويين "حزب النهضة" بزعامة آل الأسعد، فكان خليل ابراهيم المعروف بـ"خليل بوعبدو". انتخبنا في الطلائع محمود سمحات أبو سليمان أمينا للصندوق فألزم الملاكين اصحاب الاراضي بدفع مبلغ رمزي مسبق كبدل العمال الذين يتولون "حلاشة" حقولهم. تطورت أوضاع حزب الطلائع في عيناتا ووصل عددنا الى اكثر من ستين طلائعيا قسمونا الى طلائع. علمنا كان أسود اللون وارتدينا "الطواقي" السود. أيضا فرزوا لنا مدربا من بيروت يدعى محمد أيوب وألزمونا بشراء كتب للتعرف على قانون الدولة حول الحقوق والواجبات لئلا يقدم أحدنا على ارتكاب مخالفات قانونية. بعد انتهاء التدريب تم تعيين المختار القديم علي حسين وهبي ضابطا علينا يساعده نائبان، الاول هو إبراهيم نصر الله والثاني هو محمود سمحات، الذي استلم تدريبنا في وقت لاحق. دفّعونا ثمن اللباس الحزبي الرسمي وأتونا بالألقاب: شاويش، عريف، شرطي إلخ.. شعارنا كان "للبنان العروبة طلائع - لبيك". هذا الحزب أدى غرضه في مرحلة معينة على الأقل بالنسبة إلينا نحن الذين تحمسنا لمحاربة الاقطاع والاستغلال".

بعد الطلائع بدأت مرحلة جديدة من حياة ذيب وهبة مع البعث الذي ادخله أسد شرارة الى عيناتا في العام 1955 وكان قد سبقه من الحزبيين سليمان بدير الذي عاد من الارجنتين في العام 1928 شيوعياً بامتياز فأنشأ خلية حزبية ضمته وعبد عبد الله سمحات وعبد علي ايوب. لم يحمل بدير أفكار ماركس وانجلس ولينين فحسب بل "المته" الارجنتينية التي صارت تقليداً عيناتياً..

مع ولادة البعث، صارت اكثرية شبيبة عيناتا بعثية ويقال ان "ذيب سعدى" هو أول من شارك بالدورات العسكرية في سوريا واقتنى السلاح البعثي في مطلع الستينيات وفتح خطا مع الفلسطينيين قبل انكشاف أمرهم غداة اتفاق القاهرة. في العام 1956 كان على رأس من تظاهروا في بنت جبيل لنصرة جمال عبد الناصر عندما أمم قناة السويس وحمل ذيب العلم العربي وراح يهتف وهو مرفوع على الاكتاف في ساحة بنت جبيل "القنال ملكنا". ومع الثورة الجزائرية كان ذيب أول من تظاهر مناصراً لها وجامعاً التبرعات للثوار الجزائريين. لم تحصل تظاهرة دفاعاً عن لقمة الخبز وشتلة التبغ إلا وكان في طليعتها. يبرر هذا المناضل سلوكه بالقول: "تربيت على كره الظالمين والمستبدين والاقطاعيين ولن أبدل ما حييت".

يقال في ذيب الكثير ولكن اجمله ما قاله احد رفاقه: "له في ذمتنا جميعاً وليس لأحد في ذمته شيء... لقد ولد فقيراً وعاش فقيراً... لم يستفد بقرش واحد من الدولة والاحزاب والفدائيين... رأسماله دكانه وضميره.

يجلس ذيب اليوم على "طراحة" قماشية و"تكاية" في أرض دكانه يستقبل العائدين ويفرح لفرحهم. اعتقل وهدِّد مراراً في زمن الاحتلال بتهمة "انه يحمل أسرار المناضلين في بلدته الاحياء منهم والاموات" على حد سواء. قبل شهور من التحرير وجد العملاء شعار "كلنا مقاومة" مكتوباً على حائط بقرب دكانه. حققوا معه في الـ17 لكنهم كانوا يعرفون ان رجلاً مثله كان يدرك عندما قرر البقاء في بلدته بأنه محكوم اما بالابعاد او الاعتقال او ان يبقى مرفوع الراس... وهكذا كان. 


عيناتا والثقافة 
مع صفة المقاومة، هناك تلازم آخر بين عيناتا وبين الثقافة. في البدء كانت الأسرة الخاتونية وانتقلت الراية الى آل فضل الله وعائلات اخرى. مدرسة عيناتا المعاصرة انشأها العالِم الفقيه السيد نجيب ابن السيد محيي الدين فضل الله الحسني ثم أفل نجمها بوفاته. حدث ذلك عام 1900 ميلادية ومر بها متعلماً امثال عبد الكريم شرارة يوسف الفقيه الحاريصي، عبد الرضا الحانيني، محمود مغنية، محمد سعيد فضل الله، عبد الرسول ابراهيم وغيرهم.

الكبار في عيناتا يتفقون على "رواية جميلة". احد المعمرين مواليد 1895م. يقول: في "أواخر سنوات العهد العثماني، تلقيت القراءة وحفظت القرآن على يد السيدة الشريفة جميلة ابنة السيد جواد فضل الله في مدرستها التي كانت قائمة في "حارة السياد". كان الاجر آنذاك عبارة عن أقراص كبة في فترة الصحو وحطب وزبل في ايام البرد وخبز مرقوق في كل الاوقات".

كثرت المدارس الدينية في عيناتا في العشرينيات والثلاثينيات وولدت مدرستها الرسمية الاولى في نهاية الاربعينيات. المحطة الثقافية البارزة في تاريخ عيناتا الحديث هي ولادة النادي الثقافي الاجتماعي في العام 1971 في عز النهوض اليساري الذي شهدته المنطقة الحدودية. تتذكر عيناتا جيداً مشهد "السيد موسى الصدر" وهو يشارك شبان وشابات عيناتا الدبكة في ساحة بلدتهم احتفاء بتدشين مقر النادي وأصر على ان يتبرع بمبلغ مئة ليرة لاعماله اللاحقة.

باكورة أعمال النادي المميزة كانت مسرحية "القانون ختم وبرنيطة". وضع السيناريو من قبل اعضاء اللجنة الفنية في النادي. الفكرة اقترحها عبد اللطيف قطيش والهدف منها نقد سلوك وممارسات الدولة و"العملاء" لها، المختار، الشاويش، الوشاة وبعض الزعامات. لم يكن "روجيه عساف" قد أطل على الخشبة لكن نادي البلدة استنجد به للاطلاع على النص والشخصيات المختارة وهم طلاب وعمال عاديون من عيناتا اعجب روجيه بالنص واضاف لمساته إليه وتولى الاخراج وقدِّمت المسرحية على مسرح اقيم خصيصاً في مدرسة البلدة في صيف العام 1974 ولقيت نجاحاً كبيراً وتم عرضها في عدد من البلدات الجنوبية. كما يسرد رئيس نادي البلدة آنذاك علي ابراهيم هناك عبارة لا يزال بعضنا يتذكرها تقول "ما داموا شطوطِك يا ’عبَيدة’ البقرة هز الدولة كيف لو شي تاني". هذه الواقعة حصلت مع المزارع عبد الحسن جعفر وقام المختار بالشكوى عليه "لأنو طرشاتو عم بيوسخوا الضيعة". 


عيناتا الآن 
عيناتا الآن، كيفما تدخلها تقابلك صور شهدائها المقاومين الواحد تلو الآخر: أسعد يوسف ابراهيم، كمال محمد نعيم عبدالله، عبد الله موسى النمر، يوسف عبد الله نصر الله، عباس ديب نعمة، طارق محمد الصغير، سمير مطوط، محمد حسين سمحات، غسان علي غانم، وأحمد فضل الله. العمل جار لإقامة نصب للشهداء المقاومين بمحاذاة جامع البلدة.

أكثر من ألفين وخمسمئة نمسة يقيمون فيها حاليا، وهو رقم مضاعف بالمقارنة مع ما قبل التحرير، علما ان العدد الاجمالي للسكان هو 11,500 نسمة - 3752 ناخبا. التجمع الأساسي للمغادرين هو في الضاحية الجنوبية لبيروت - نحو 500 عائلة. وفي صيدا وصور والجنوب 250 عائلة تقريبا.

التيار الكهربائي مؤمن على مدار الساعة نسبيا ولكن لا إنارة عامة للطرقات المحفرة بالجملة. امور المياه غير مستقرة وتحتاج الى ضوابط لتنظيم وصولها الى حارات البلدة من البئر الارتوازي الموجود في محلة "فريز"، وخاصة أن جغرافيا البلدة غير السهلة - أربع هضاب هي السدر والمطيحنة والسلاسل وفريز العقبه، تتطلب وجود خريطة للقساطل المائية و"سكورات" لم تتوفر حتى الآن. لا بلدية في عيناتا والشأن البلدي يتولاه القائمقام ابراهيم درويش، هناك مختار هو رامز خنافر وحلت اللجنة التي كانت تتولى امور البلدة الخدماتية. حاليا يجري السعي لاحياء لجنة جديدة، لكن المسعى يصطدم بكثرة الطامحين وتعدد الهيئات: النادي، جمعية عيناتا الخيرية، الجمعية الاسلامية، التعاونية الزراعية، فضلا عن الثنائي الشيعي "امل. "حزب الله.. علما ان الحزب يطرح نفسه حاليا كمرجعية سياسية أمنية خدماتية إدارية وهي أطروحة تحظى بتحفظ نتيجة التنوع التاريخي القائم في البلدة: "حزب الله. أولا ثم ثلة "الشباب المؤمن" التي توالي السيد محمد حسين فضل الله قبل ان توالي غيره، اليسار بتنوعاته وتلاوينه "السابقة" مع نزوع جزء او بعض منه الى فتح قنوات مع أدوات أو رموز في السلطة طمعا بالمناصب او المكاسب. هناك إقصاء مباح من "الفاعلين" للرموز الاقطاعية التقليدية في البلدة. الفريق الذي كان يستفيد من حضور الاحتلال وأدواته سابقا يحاول إيجاد مراكز تحميه في مرحلة التحرير ولذلك يسارع الى المبايعة المحسوبة بدقة متناهية. "أمل" موجودة بحذر. والسؤال المطروح في خضم الصراع المفتوح على مصراعيه في البلدة حول من تكون المرجعية التي ستمسك بقرار عيناتا في المرحلة المقبلة الفاصلة عن انتخابات بلدية يرجح حصولها في أيار او حزيران 2001؟

الوضع التربوي في عيناتا يحتاج الى وقفة جريئة في ظل العدد القليل من التلاميذ المسجلين في المدرسة الرسمية ونزوع الاهالي ما عدا الفقراء منهم، نحو تسجيل اولادهم في المدارس الخاصة في عين ابل ويارون وعيترون وبنت جبيل. مقابل كل تلميذ في مدرسة عيناتا يوجد ثلاثة خارجها، بينما تسجل تخمة في عدد افراد الهيئة التعليمية استنادا لعدد التلاميذ الحالي وليس المرتجى. يوجد معلم لكل خمسة تلاميذ تقريبا.

ويقول الخبراء بشؤون البلدة ان أسبابا عدة تقف وراء توجه اغلبية الاهالي نحو المدرسة الخاصة ابرزها: ترهل وضعف الكادر التعليمي، غياب الرقابة، عدم ثقة الأهل بالمدرسة الرسمية، عامل الغيرة وتقليد الغير، عدم انتظام العلاقة بين الأهل والادارة، غالبية المتجهين نحو المدرسة الخاصة هم من الموظفين ولا سيما المدرسين وأصحاب المهن الحرة، ويشير الى أن المبنى الجديد للمدرسة في العقبة يحتاج الى كادر تعليمي جديد والى تجهيزه بالمعدات اللازمة بما في ذلك المكتبة والملعب والمختبرات فضلا عن اعتماد المناهج الجديدة.

عيناتا تحتاج الى وقفة عند القطاع الزراعي من خلال تشجيع قيام التعاونيات الزراعية ومنع احتكار الرخص والمساحات التبغية على اساس المحسوبيات واعادة الاعتبار للمشروع الاخضر وتقديم المساعدات والتوجيهات اللازمة للمزارعين كما يقول أحد مزارعي البلدة.

تواجه عيناتا هما بيئيا في غياب شبكات التصريف الصحي وأي مكب حديث للنفايات واحتراق العديد من حقولها ولا سيما في مدخلها الرئيسي من جهة "صف الهوا" الذي كان في يوم من الأيام محط إعجاب ريمون اده عندما زار عيناتا في نهاية الستينيات.

 

وصـلات:

 
 
 

 
 
     إبحث في موقع بنت جبيل

 

Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic