الأسم:

  ديربورن، الولايات المتحدة

بلد الإقامة:

الإثنين،   17 أيلول - سبتمبر 2001

تاريخ النشر:

سيناريوهات هوليوودية مرعبة

نيويورك - 11 أيلول / سبتمبر 2001
 

     يبدو المشهد الأميركي الواقعي هذه الأيام وقد اختلط إلى حدٍ مذهل بكل ما أنتجته هوليوود طوال القرن الماضي من أفلام الخيال العلمي والرعب و"الأكشن" مما حقق نجاحات مذهلة وأرباحاًٍ ببلايين الدولارات. فالناس، سواء أكانوا أميركيين أو أوروبيين أو عالمعاشريين، لديهم هوس "لذيذ" بكل ما يتخطى رتابة حيواتهم وروتينيتها ويقفز بهم إلى عوالم من الخيال لا يحدها حد ولا يقف في وجهها سلطان. والأميركيون معروفون بميلهم التاريخي إلى المغامرة والمقامرة، وقد بنوا إمبراطوريتهم الهائلة في عقول وقلوب الآخرين قبل وصول حاملات الطائرات والبوارج والأساطيل إلى الشطآن البعيدة، حتى غدا "الحلم الأميركي" حلماً يعشعش ويوسوس في صدور الناس، ممن اجتاحت بيوتهم وأكواخهم ثورة التلفزة، في كل بقاع الأرض وربما السماء!

وما شاهدناه صبيحة الحادي عشر من أيلول – سبتمبر في نيويورك خاصة، وما كنا سنشاهده في واشنطن لو لم يتم قطع المشهد فجأة، كان عرضاً مذهلاً لفيلم هوليوودي مدهشٍ، مدته ساعتان ونيـّف وجمهوره العالم بأسره الذي انشدّ بذهولٍ وصمت خرافيّ لتفاصيله لدرجة أنه لو أوقع أحدٌ ما إبرة على أرض المقهى القريب، حيث تجمهر المشاهدون، لكان السخط انصب علينا من كل أنحاء الكرة الأرضية!

ساعتين من الإدهاش الأميركي الذي "يسطل" بفرادته! لو قيـِّض للبلايين من البشر أن تدلي بأصواتها حول هذه التحفة الفنية الرائعة لحصدت دون أدنى شك كل الأوسكارات التي يمكن أن تقدمها أو تخترعها هوليوود، ولكان سبيلبرغ قد حقد إلى "يوم القيامة" على أسامة بن لادن أو المخرج المجهول الذي قام بهذا العمل الجبار!

لكن، ومع انتهاء الفيلم، وحين أضيئت المصابيح وتلاشت من المكان رائحة البوب كورن، طلع الرئيس على الشاشة ليعلن حالة الطوارئ وانتشر العسكر فجأة في الشوارع التي تحولت إلى كومة ركام وبدأت العيون تنظر إلينا بشراسة لم نعهدها من قبل، كأننا قد قفزنا فجأة من الشاشة بعد أن أنهينا أدوارنا في الفيلم، مطالبين بما نستحقه من الجوائز!!!

على أن الفيلم، على ما يبدو، لم ينته بعد، أو أنه، ولفرط النجاح الذي حققه، قد بدأ فوراً الإعداد إلى جزءٍ ثان وثالث وسابع عشرٍ له، وقد يتم تحويله إلى مسلسل من آلاف الحلقات تتنقل المشاهد فيه من نيويورك إلى كابول إلى بغداد ولوس أنجلوس وهونغ كونغ وكوالا لمبور وأحمد أباد وكل مدينة على سطح المعمورة فيها ما يشبع خيال المخرجين والمنفذين الكثر، الذين يتناطحون الآن للمشاركة فيه، من أسباب الإثارة والإبهار، حيث تتساقط ناطحات السحاب كبروج من ورق وتتهاوى الطائرات كأوراق الخريف وتتطاير الجسور والسدود كأحجار الدومينو ويتراكض البشر هروباً كقطعان الغزلان الهاربة من الأسود الجائعة في سهوب السافانا! 

ففي إحدى الحلقات التي شاهدتها في الحلم ليلة البارحة، لكنني لم أعد أذكر رقمها، جاء في الأخبار أن "الإرهابيين"، ورداً على القصف الوحشي الذي تعرضت له مناطقهم، قرروا تدمير لوس أنجلوس بقنبلة نووية تم زرعها في مكان ما وسط المدينة وأعلنوا أنها ستنفجر بعد ساعة واحدة! ثم إن الرئيس وجه خطاباً من مكتبه الجديد في عمق جبال الكولورادو طلب فيه من الناس أن يغادروا بانتظام وبدون هلع!! حتى أن عمدة المدينة بث رسالة إذاعية ومتلفزة من بيته الفاره الذي يقع على بعد 20 ميلاً من قلب المدينة، يدعو فيه المواطنين إلى المحافظة على الهدوء والنظام أثناء مغادرتهم وأضاف بأنه يعتقد بأن هذه الإخبارية كاذبة وأن الطلب بالمغادرة هو خطوة احترازية فحسب.

ولأن الإحتراز واجب في مشاهد كهذه، فقد تساقطت السيارات الهاربة عن الطرقات والجسور وانسدّت الأوتوسترادات بالسيارات التي تركها أصحابها وراحوا يركضون ليسابقوا الوقت وسحق الناس تحت الأقدام في المحطات والمواقف وسادت في المدينة حالة هيستيرية لا تشبه إلا "يوم القيامة"، وهو ما قرر المخرجون أن يتركوا أمره إلى الحلقة الأخيرة التي لا يعرفون بعد كيف ومن سيتولى إخراجها نظراً لأهميتها وضخامتها!

... ثم إن شيئاً لم ينفجر في لوس أنجلوس. فقد كانت القنبلة النووية مزروعة في سان فرنسيسكو!

لم أستطع أن أنتقل بسرعة إلى هناك لأرى بداية الإنفجار الذي يشبه نبتة الفطر تنمو بسرعة بين ناطحات السحاب فتبتلع القديس فرنسيسكو ومدينته الجميلة بسرعة خارقة، لكن الحظ حالفني بأن أرى على الشاشة عدداً من تلك الطحالب يتصاعد من جسد الكرة الأرضية في أماكن متعددة منه. لم يكن المشهد جميلاً أبداً ولا أعتقد بأن أحداً من العاملين عليه سوف يذكره "التاريخ" بأي خير!

 

 
 

    
Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic