الأسم:

الجولان السوري المحتل

بلد الإقامة:

الإثنين، 11 شباط / فبراير 2002

تاريخ النشر:

 
ذاكرة لا تموت
رسالة الى سمير القنطارعميد الاسرى اللبنانيين في سجون الاحتلال
 


سمير القنطار

عميد الأسرى في سجون العدو
سميــر القنطــار

   ونحن في أوج الترتيبات والتحضيرات ، لاحياء أسبوع التضامن مع الاسرى والمعتقلين العرب في سجون العدو، الذي يصادف من كل عام في 17/4-22/4 ، نتنقل عبر الهاتف ما بين بيروت والجولان ودمشق والقدس ، تقديرا واعتزازا وفخرا بإرث عملاق أنجبه شعبنا . تستحضرني الذاكرة ، وتعود بي الى زنازين معتقل نفحة الصحراوي، حيث جمعتنا صحراء النقب الفلسطينية ،دون موعد لقاء مسبق ، جمعتنا سياط الجلاد الصهيوني ،حين قدمت من لبنان لتحتضنك فلسطين شهيدا فوق ثرى ترابها النازف ، وقدمنا نحن ، مكبلين بالأغلال من الجولان الصامد ، تئن أجسادنا المدماة تحت ضربات السياط .

كنا معا هناك ، جمعتنا أحلامنا السجينة ، وامالنا الطليقة ، وأوجاع أجسادنا التي كانت تئن في معارك الإضراب عن الطعام ، ومعارك التصدي لقوة القمع المدججة بالغاز والعصي والكرباج ، حين تقتحم زنزانتنا لكسر الأيمان فينا ، وقتل الفرح فينا ، وتشويه الإنسان المقاوم المتأصل فينا.

اذكر جيدا حين التقينا كيف كانت عيونك تفيض بالدموع غضبا ووجعا ، من علامات القمع والضرب والتعذيب التي تركها الجلادون على أجسادنا الهزيلة ، وكيف علا صراخك وباقي المعتقلين في أرجاء المعتقل على الجلادين حين أقدموا متلذذين على ضربنا ثانية أمامكم دون رحمة.

أنت هناك في قلب فلسطين المكبلة بالأغلال ، وأنا هنا في قلب الجولان المحاط بالألغام والأسلاك من كل الاتجاهات ، أنت هناك ما زلت في قبضة الجلاد ، تكبلك القيود ، ورطوبة الزنزانة رقم 60 ، وكلاب الحراسة وبنادق الجنود المصوبة نحو صدور المعتقلين ، وأنا هنا تؤرقني الذاكرة الأليمة لرحلة عذاب والم وحرمان طيلة اثني عشر عاما متواصلة.

كان الجولان وفلسطين والجنوب غذائنا الروحي ، ومصدر صمود وتحدي وكبرياء بوجه الإرهاب الصهيوني اليومي الذي ما زال يحفر في جسدك المقيد خلف القضبان .

اذكر جيدا معارك الخبز ، والفراش ، والدفتر والكتاب ، والترانزيستور ، ومعركة ضوء الشمس ، والهواء الذي كنا نحصل عليه بالتقطير وحسب مزاج الضابط المسؤول ، كيف انتصرنا بقوة أمعاؤنا ، وكان شعارنا الجوع ولا الركوع ، وكانت سعادتنا وفرحنا مجبولة بدمائنا وعذاباتنا واحيانا حياة بعضا من رفاقنا الذين هوت أجسادهم ، ومضوا الى سجل الخالدين.

اذكر الشهيد عمر القاسم وحسين عبيدات ،كيف قالوا مودعين : نحن أمانة في أعناقكم فلا تتركوا الوطن فينا .بكينا وبكينا ، وشمت الجلاد وكانت قهقهاتهم القبيحة تزيدنا غضبا وحقدا ، كنت تقول لقد زرعوا الكراهية في نفسي لن أصالح ولن أساوم ولن اغفر . وكنت على حق يا رفيقي...

بين عالم السجن الأصغر في المعتقلات ، والسجن الأكبر في الجولان والأرض المحتلة ، مسافات قليلة ، لقد حول الجلادون الصهاينة كل أرضنا الى سجن صغير، فلم يعد فرق بين ان تكون محجوزا بين أربعة جدران ، تواجه الزمن البطيء ، وفعل الرطوبة التي تنهش في عظامك ، وهزال جسمك المخيف لسوء التغذية كما ونوعا ، ونقص العناية الطبية ، فتتحول الرصاصات التي غرسوها في رئتيك منذ إصابتك في نهاريا قبل اكثر من أربعة وعشرين عاما الى مرآة تشهد من خلالها كيف يقتلك الفاشست الإسرائيليين ببطء لا يطاق... لم يعد هناك فرقا بين ان تكون هناك في قبضتهم ، وان تكون هنا في قبضتهم أيضا داخل الأرض المحتلة ، مطاردا وملاحقا ، ومراقبا ، تعيش تحت طائلة الأعباء الناتجة عن المؤامرة السياسية لسلخك وتشويهك ، وتهويدك بأقذر الأشكال ، أنت لا تملك إلا قناعتك وارادتك ورفضك ، وصمت العرب وذلهم وعجزهم أمامك وأمام جلاديك، الذين تمرغت أنوفهم بهزيمتهم النكراء في جنوبنا المقاتل .وبقيت المعادلة ، معادلة الصمود في قلب الصراع .، في غرفة التحقيق ، في الزنزانة، في الشوارع والحارات، في الجنوب في الجولان في فلسطين، في الحرب ضد العملاء والمأجورين والمهرولين الجبناء، في الدفاع عن المقاومة ورموزها الأحياء منهم والشهداء ..

" ان الجزء الأطيب من شعبنا هم شهدائنا، واغلى واشرف فصل في رواية شعبنا هم الاسرى والمعتقلين"

فهل من الممكن ان ينسى شعبنا أبناؤه؟ بعد رحلة الاعتقال الطويلة والأليمة، كان السجن فيها رحلة شموخ وعظمة تجلت فيها قوة روحية ومعنوية ارتفع بها الأسير الإنسان الى السمو، حاملا وطنه وشعبه ببسالة في ساحة المعركة، رغم انه وتحت وطأة التعذيب سقط العشرات وانهاروا، في آتون الصراع اليومي الصبور ضد عوامل السجن، عوامل التآكل الثوري المدمرة، وصمد المناضلون الأشداء المتسلحين إيمانا راسخا بحتمية النصر، "وكافحوا اليأس الذي بدا يعشعش في خبايا نفوسهم، وادركوا أمر الضعف المغلف بالانتقادات والوشوشات ولم يتسرب الى نفوسهم ".

خلال مجزرة فيتنام حوّل الأمريكيون السجون الى مدارس، واما النازيون الجدد في الدولة العبرية فقد حولوا المعتقلات والسجون الى بؤر ثورية تتجدد فيها روح المقاومة، وتترسخ فيها الإرادة والقناعة والطاقات لإحراز النصر"

هذا ما كنت تقوله لنا على الدوام. لم تكسرك ضربات الجلاد، لم تثنيك طعناتهم، ولم يتمكنوا من انتزاع لبنان وسوريا والجولان والجنوب وفلسطين من أعماقك، فانتصرت عليهم وأنت قي قبضتهم، وما زلت شوكة في عيونهم، تدميهم كلما زادوا من بطشهم وتعذيبهم.

قبل أيام تحركت شظايا الرصاص في رئتيك، ولم يحملك الفاشيون الصهاينة الى أي مشفى. لم تكن والدتك قربك توسد ما تبقى من شعر رأسك. لم يكن بسام وسميرة ولميس وباقي أفراد أسرتك يأتون بالطعام والشراب الدافئ. لم يكن معك أحد، سوى لبنان واحراره ونشوة النصر تملأك طاقة ودواء ودفء لا يعرفه إلا من أصابه الحرمان الطويل، والعذاب اليومي المتواصل منذ أربعة وعشرين عاما.

استحضر الآن ما أحببته من الأقوال، كنت تردده لنا قبل ان نخلد الى النوم، وأنت مستلق على البرش الحديدي، كتهليلة أم لابنائها:
" السجن لي مرتبة والقيد لي خلخال ، والمشنقة يا اخوتي أرجوحة الأبطال "

بين معتقل نفحة في قلب صحراء النقب الفلسطينية المحتلة، وجنوب لبنان، وعبيه في الجبل الأشم، يسكنك الجولان، حلما دافئاً طالما اشتهيت تحقيقه لنا ولك خلال رحلة اعتقالنا الرهيبة. بكيت كثيرا حين زرت ذوينا ورايتهم بقامتهم الضخمة، وشوارب شيوخنا وعمامتهم البيضاء وصحت قائلا : كأنني أرى أهلي في الجبل، ولم تدرك حواسك مباشرة ان الأهل في الجبلين (جبل الشيخ ، وجبال الشوف) هم جذر واحد لاشجار منتشرة في عمق أرضنا العربية اعتادت ان تبقى واقفة رغم الموت والدمار والقتل والإرهاب والأسلاك الشائكة والمعتقلات، التي صنعها الفاشست الصهاينة في أرجاء وطننا المثخن بالجراح.

فتحية شوق إليك أيها العميد، وتحية حب الى كل رفاقنا في معتقلات العدو، وتحية فخر إليك، وأنت تكسر العام الخامس والعشرين من رحلة اعتقالك في سجون العدو. واعلم ان اهلك ورفاقك في الجولان السوري المحتل، سيبقون على العهد والأمل، والإيمان المطلق بحتمية التحرير والعودة والنصر.

ومع اقتراب "اليوبيل الفضي لاعتقالك" نرفع الى شعبنا آيات عز وافتخار مرصعة على جبين المقاومة اللبنانية الماجدة، ولاعدائنا وعملائهم الخزي والعار، والهزيمة الجديدة التي ستكون لهم في مزارع شبعا والجولان وفلسطين ،وكل بقعة طاهرة تدنسها أقدام الغزاة الفاشست. وسيبقى الجولان توام الفخر للجنوب، يحمي من قممه الشماء كل حدود فلسطين ....

* سجين سياسي محرر من معتقلات العدو

 

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic