الأسم:

الجولان السوري المحتل

بلد الإقامة:

الأحد، 17 شباط / فبراير 2002

تاريخ النشر:


وقفة عز

     عشرون عاما مضت منذ انتفاضة الأهل في الجولان العربي السوري المحتل التي توجت بإعلان الاضراب العام والمفتوح، لكل مرافق الحياة طيلة سته اشهر متواصلة ، شكلت تجربة نضالية جماهيرية ،جسدتها ارادة العز والكبرياء الشعبي لجماهير شعبنا في الجولان السوري المحتل ، لم تكن الانتفاضة بقرار رسمي صادر عن أي هيئة أركان حرب عربية ، أو مفوضية حكومية ، أو رئاسية ، لم تكن الانتفاضة تملك أدنى أشكال النجاح أو النصر ، لم تكن تملك سلاح فتاك في المخازن ، أو جيوش مكدسة في المعسكرات ، لم تكن تملك سوى كبرياء وانتماء عربي طاهر، نفتقده كثيرا ونشتاق إليه في هذا الزمن العربي الذليل ، الذي اصبح نهجا رسميا عربيا في إطار ما يسمى " العولمة، وبؤر الشر ، والخير في العالم ، وقمع حق المقاومة " فكما قال أحد ابرز المفكرين السورين"لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ، ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف ، ويا لذل قوم لا يعرفون ما هو الشرف وما هو العار ."

ان الانتفاضة التي أعلنها" الثلاثة عشر ألف نسمة " مواطنو الجولان السوري آنذاك ، لكسر قرار الدولة العبرية في 14/12/1981 ، القاضي بضم مرتفعات الجولان السورية الى كيانه المزعوم، شكلت نقطة تحول هامة في مسيرة النضال الشعبي لجماهير الجولان السوري المحتل ضد المحتل الصهيوني ، حيث ابتدأت مرحلة جديدة من مراحل الصراع مع المحتل الفاشي الذي استدعى قواته العسكرية التي قدرت حسب مصادر العدو (حوالي 16 الف جندي ) من اجل فرض وتطبيق القوانين المدنية والإدارية الصهيونية على سكان تلك المنطقة، بما فيها التجنيد الإجباري في صفوف قوات الجيش والشرطة وحرس الحدود ، وفرض الجنسية الإسرائيلية على المواطنين العرب السورين وتدريز وتهويد المنهاج الدراسي لتسميم عقول الطلبة الناشئين ،واستبدال اسماء القرى والمزارع والنواحي التي دمرتها قوات الجيش بأسماء عبرية ، وتدنيس واقتلاع مقابر الاموات ، لمحو اي اثر للوجود البشري بهذة المناطق ، اضافة الى تدمير أحواض السمك والبرك المائية والمراعي واقتلاع الأشجار والأحجار وسرقتها ، لبناء المستعمرات على أنقاضها.

ان عملية الإبادة التي نفذتها الدولة العبرية فوق ثرى الجولان المحتل في تدمير 135 قرية ومزرعة ومدينة كانت مأهولة بالسكان (حوالي 150 ألف مواطن ) ، ومحاولة سلخ السكان العرب الذين صمدوا في قراهم (7 آلاف مواطن ) واستبدال انتمائهم ومحو جذورهم العربية الأصيلة ، من خلال قانون ضم الجولان الى الدولة العبرية ،في العام 1981 ،واعتبار الجولان أرضا تخضع للسيادة والسلطة الصهيونية لا يقبل التفاوض عليها مع أي جهة كانت ، شكلت أحد العوامل الأساسية للمقاومة الشعبية الجماهيرية في الجولان التي تجلت بأروع صورها في وحدة القول والفعل ،رفضا لقرار الضم المشؤوم .ورفضا للاحتلال الصهيوني.

ان اكتشاف مؤامرة الدويلة الطائفية ، التي روجت لها الدولة العبرية ، في بداية السبعينيات ،على أيدي شبكة الاستخبارات السورية العاملة في الجولان والتي ضمت خيرة الشباب الوطني المقاوم للاحتلال ، وإفشالها ، جعل قادة الدولة العبرية يعدون العدة لضم الجولان فعليا وقانونيا الى دولة الكيان الصهيوني ، غير آبهين للمواثيق والقوانين الدولية التي شرعت وجوده على ارض فلسطين التاريخية .وغير أبهين بالآمال والطموحات القومية والوطنية للسكان العرب السورين في الجولان الذين لقنوا الدولة العبرية ، كيف تكون إرادة الانتماء أقوى من مجنزرات ودبابات الجنرالات ، كيف يكون الشعب أقوى من كل الحكام وأدوات حكمهم ، كيف كان الجولان مقبرة للغزاة ، وكيف يكون محرقة لأحلام الفاشست الإسرائيليين .

ان الحديث عن انتفاضة الجولانيين يحتاج الى موسوعات لتحتضن المآثر اليومية البطولية التي تحول بها الأطفال الجولانيين الى أبطال صغار يجمعون الهويات الصهيونية الملقاة في الشوارع ، بالأكياس ، ويرسلونها الى مقر الكنيست لرميها في وجه أصحابها ،( وبعد الانتهاء من العمل يغسلون أياديهم خوفا من اتساخها بتلك الهويات الزرقاء) . وتحول فيها الشيوخ والنساء الى دوريات حراسة ليلية ، تنبه من دخول رجال المخابرات الى البلدة لتنفيذ الاعتقالات ، وكيف تحول الزاد البسيط الى عشاء جماعي للمحتاجين، وكيف هب الناس ليلاً لإطفاء الحريق في مزرعة البقر ، ليمنع المجرمين الصهاينة الحليب عن الأطفال ، وكيف أجهضت امرأة على الحاجز بعد رفضها استلام الجنسية ، ومنعها من الوصول الى المستشفى ، وكيف كانت صدور الرجال تتحدى رصاص البنادق في مواجهات الحصار ، وكيف كان رفض استلام المؤن الغذائية من جيش الاحتلال ، وكيف كانت النسوة تهّرب النباتات للعشاء عند المساء ، وكيف كان الصوت يجمع الآلاف المتظاهرين كلما دوى نداء استغاثة من إحدى الحارات المحاصرة.

ان ما اقدم عليه الجنود الصهاينة من ممارسات لا أخلاقية ، ولا إنسانية ، جعلت الجولانيين ، يتحدون الموت من اجل الحياة الحرة الكريمة ، ويختارون الجوع والحصار والاعتقال ، وقتل المواشي والأبقار ، وتحدي الرصاص بالهراوات ، على ان ينجح الصهاينة في مؤامرتهم الدنيئة ، على غرار ما فعله الاستعمار الفرنسي وحكومة الأتراك في لوائنا المسلوب في الاسكندرونة قبل اكثر من ثمانون عاما.

ان الجولانيين ، اثبتوا مرة أخرى بإفشالهم المشروع الصهيوني الذي هدف: الى إدخالهم الخدمة العسكرية الإجبارية في جيش الاحتلال ، وإرغامهم على حمل واستلام الجنسية الإسرائيلية ،و نيل موافقتهم على إقامة الدويلة الطائفية العميلة على غرار دويلة العميل الخائن سعد حداد ،في جنوب لبنان ، وإرغامهم على تسليم أراضيهم لبناء المستعمرات ...الخ

ان تلك الإنجازات العظيمة التي حققها الجولانيين بوحدتهم الجماهيرية الواحدة ووحدة قولهم وفعلهم ، جعلت الصهاينة يعيدون التفكير من جديد في مؤامرتهم على عرب الجولان السورين الذين سجلوا انتصارات شعب اعزل لا يملك إلا الإرادة ، وما زال متمسكا بإرادة الحياة والقتال والدفاع عن كرامة وحرية هذه الأمة العريقة ، مهما تكالب الأعداء ، ومهما تعاظمت قوتهم الباطلة ،ستبقى إرادة الحق أقوي من قهر وجبروت الاحتلال .

لقد حاول قادة الدولة العبرية ، في إقرار وتشريع قانون ضم الجولان السوري ، تثبيت مطامعهم في الأرض ومصادر المياه ، وضمان قوى عاملة رخيصة في السوق الصهيوني ، ومحاولة لاحراج واستفزاز سوريا ، وجرها الى حرب غير متكافئة ، وغير متوازنة لفرض موازين قوى لصالح العدو الصهيوني ، هذا ما أكدته الأحداث خلال العدوان البشع على الجنوب اللبناني ، وتؤكده الأحداث الأليمة في فلسطين ، والسياسة الصهيونية المعلنة تدعو وبشكل اذلالي خطير الى تهميش وإخضاع العرب أينما كانوا ووصفهم بشتى الأوصاف ، متناسين مصير حلفائهم بالامس القريب من مستعمرين فرنسيين وإنكليز وأتراك وأمريكان .

ستبقى جذوة المقاومة هي العنوان لاحرار العرب ، ولن ترضى امة أنجبت هذه القافلة من الأبطال الأحياء منهم والشهداء ،ان ترضى الذل حياة لها مهما كبرت المؤامرة ...


* سجين سياسي محرر من سجون الاحتلال
 

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic