أنا مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط
!
|
أجل، في الوقت الذي مللنا فيه من كثرة ما نسمع من نقد وهجوم على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وانحيازها "السافر" إلى جانب إسرائيل-شارون، أرى أن السياسة الأميركية الحالية هي أفضل ما يمكن أن نتمناه على صعيد صراعنا مع الكيان الصهيوني!
المشكلة الكبرى في العالم العربي هي أننا، وبعد كل هذه السنوات الطويلة من الصراع والدعم غير المحدود من قبل جميع الإدارات الأميركية لإسرائيل، لا يزال الكثيرون في عالمنا يحلمون بموقف أميركي يساوي بينهم وبين الصهاينة. علام يعول هؤلاء في أحلامهم تلك؟ لست أدري! هل يعقل، على المستوى الإستراتيجي لأية قوة عالمية، ما بالك بالقوة العظمى الوحيدة، السماح لهذا العالم العربي الممزق بتجميع قواه وإعادة إنتاج نفسه ققوة عالمية قد يصعب ترويضها أو السيطرة عليها وربما (مجرد ربما) إعادة رسم جغرافية العالم على نحو جديد؟ بالطبع لا. إذا، فالمنطق يقول بأن من يملك القدرة على الرسم اليوم لا بد وأن يعمل كل ما بوسعه لإبقاء الواقع على ما هو عليه إلى أطول أمدٍ ممكن. أي تطويل أمد الصراع، تأجيج الخلافات، والتدخل، فقط في الوقت المناسب، لرسم الأطر المناسبة للتسويات التي تكفل الإمساك التام بجميع مقدرات المنطقة.
أما بالنسبة إلى السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الحالية، وخاصة في جانبها الشرق أوسطي، فهي، ومنذ ما قبل فوز بوش الإبن بالبيت الأبيض، مبنية على مبدأ أساسي هو عدم التدخل في الشرق الأوسط طوال السنوات الأربع الأولى في الحكم حتى لا يقع الإبن في محظور أبيه! "فلتفعل إسرائيل وشارون ما يريدون فعله، وليبلط العرب كل البحور التي تحيط بهم، فلن نتدخل!" هذا ما كان الصهاينة يرغبون به وقد حصلوا عليه، إذاً لم يعد أمامهم من ذريعة ليبطشوا به حين يحين الإمتحان سنة 2004!
كما أن الإدارة الأميركية الحالية هي إدارة عسكرية بكل معنى الكلمة، وقد جاءت أحداث أيلول وما تبعها كأفضل ما يمكن أن تتمناه وتحلم به لتفرض نظرتها العسكرية على مختلف الأوجه، الداخلية والخارجية، دون أن يكون هناك من يستطيع الوقوف في وجهها. وهو ما يدعو البعض للتساؤل مرة أخرى عن حقيقة من يقف وراء تلك الأحداث المثيرة! وبناءاً عليه، ترى هذه الإدارة أن التسويات السياسية، سواء أكان ذلك في الشرق الأوسط أو كوريا أو بين الصين وتايوان أو الهند وباكستان إلخ، تشكل خطراً على استمرارية الحاجة إليها، ويجب ألا يتم تشجيعها أو الخوض بها أو حتى خلق الفرص التي يمكن من خلالها تعزيز الأمن والسلام العالمي وبالتالي انتفاء الحاجة إلى العسكريتاريا الأميركية المجوقلة والسريعة الحركة والتدخل، كما هي الحال اليوم.
أما لماذا الظن بأن هذه السياسة هي المثلى بالنسبة لنا فلأنها
أولاً: تكشف وبشكل "سافر" عن وجه السياسة الخارجية الأميركية بلا "روتوش" وبدون أية أقنعة، وبالتالي تفقد كل "مورفينات" الحكم "النزيه" والراعي "العادل" مفعولها ويصبح بالإمكان بناء مواقفنا على أرضية أصلب وعدم الوقوع في أوهام التسويات الآتية.
ثانياً: ومع وجود مجرم كأرييل شارون في الحكم في إسرائيل، يمكن القول بأن الموقف اليوم يمثل أقصى ما يمكن أن يتعرض له العرب من تحد. فالفلسطينيون اليوم يقفون في وجه أشرس من يمكن أن يواجهونه من قادة العدو وفي الوقت الذي يتربع على العرش الأميركي أكثر القادة ممالأة وتزلفاً لإسرائيل. لذا فصمودهم الآن، وبكلفة هائلة ومروعة، يمثل حالة تحد تاريخية سترفع سقف مكاسبهم بالتحرير والإستقلال وستؤدي بلا شك إلى تقزيم الكيان الصهيوني خاصة في عيون يهود العالم بعد أن نفخته نكسة 1967 إلى ما يشبه الأسطورة!
إن سياسة اللاسياسة التي تتبعها الإدارة الأميركية اليوم، خاصة إزاء الشرق الأوسط، هي أقصى ما يمكن أن نطمح إليه لما يعنيه ذلك من إلغاء شبه كلي لحالات التخدير التي مورست على شعوب هذه المنطقة منذ كامب ديفيد تحت مسميات السلام والتسوية والتطبيع. ولهذا تقف إسرائيل اليوم عاجزة عن التفكير في المبادرات التسووية التي تنطلق من الجانب العربي لأنها لا ترى فيها إلا محاولة لانتزاع الأرض دون تحقيق الأمن الذي لا أمل منه، لا اليوم ولا غداً ولا بعد ألف عام!
