الأسم:

بيروت - لبنــان

  

بلد الإقامة:

الخميس، 28 آذار / مارس 2002

  

تاريخ النشر:


"مين قال نعيماً ؟"
- قصة قصيرة -

     في يوم من أوائل الثمانينات دخل مدرس اللغة العربية الصف على غير عادته بكامل أناقته وقاصص شعره وقد ارتدى بذة أو بدلة لا تشبه بدلاته السبعينية التي كانت تعز عليه كثيرا، ربما بإيعاز من خطيبته الجديدة، وبزلة لسان مني ومن دون أن أنتبه قلت له على استحياء: "نعيماً يا استاذ"، لكن مشاغبي الصف سكتوا سكوتا فجائيا فجاءت العبارة على ضعف نبرتها الخجولة صافية نقية واضحة، لكن لا أحد كان ليدعي أنها غير مهذبة مع أنها هجنة وغير مألوفة بين تلميذ وأستاذه في مدرسة الراهبات وفي الأجواء القروية المحافظة.

وقف الأستاذ في منتصف الطريق بين الباب ومكتبه وقد تغييرت ملامحه وزأر قائلاً: "من قال نعيما؟" بالعامية قالها "مين قال نعيما؟"

راحت السكرة وجاءت الفكرة، لأول مرة أسمع منه سؤالا صعبا الى هذا الحد وفيه هذا القدر من الإحراج.

في هذا السكون شق الصمت أصوات صلوات متصاعدة من الصفوف المجاورة تهلل يا قديسة مريم يا والدة الله صلي من أجلنا نحن الخطأة من الآن وحتى ساعة موتنا آمين.

لم أكن أعلم من قبل أن هذه الجملة طويلة الى هذا الحد ولأول مرة لم أعد أبالي إذا كانت السيدة مريم والدة الله أم لا، كل ما كان يهمني أن لا يشمت بي الرئيس أمين الجميل الواقف مع أبيه وأخيه بما يشبه الثالوث الأقدس على الرواق الذي يودي الى مكتب الريسة في صورة من منشورات حزب الكتائب، وأنا الذي كنت أنظر في عينيه مباشرة في طريقنا الى الصف صباحا وبعد الإستراحة وكنت أحسبه يفهم أنني لا أؤمن به ولا بأبيه ولا بأخيه بخلاف أغلبية الزملاء الذين كانوا يؤلهون هذا الثالوث الجمَيلي بالإضافة الى الآب والإبن والروح القدس وهذا شأنهم.

والممر الى غرفة مديرة المدرسة أو الريسة كان (من دون قياس أو تشبيه) مماثلا للصراط المستقيم الذي من عبره الى الأوتوكار نجا ومن لم يعبره يصبح عليه حتما مقدورا أن ينعطف يمينا الى غرفة الريسة وهناك تشعره أن فعلته كبرت أم صغرت توازي جريمة صلب المسيح وهو السبب بزواجها منه ولأجله وضعت خاتمه الأبدي في يدها اليمنى وحرم عليها الزواج نهائيا بواحد من بني البشر ولسوء حظي أنني منهم ومن جنسهم، على الأقل هكذا كانت توحي لي.

فبدأت أحسب ماذا لو طلبت مني مغادرة المدرسة وألا أعود إلا بصحبة أهلي، وأبي معتقل عند اليهود لا أعلم عنه إذا كان في سجن الخيام أم في عتليت أم في أنصار ولا أعلم أصلا إن كان سيعود أم لا ، كل ما أعلمه أنه وصاني أن أرعى إخوتي بما يشبه وصية الوداع الأخير عندما اعتقلوه ، ثم بدأت أحسب كيف سأمر أمام مركز حزب الكتائب وقد تقع عيني في عين من اشترك في اعتقال والدي بيده أو بلسانه أو بقلبه وهو أضعف الإيمان.

مين قال نعيما؟

ثم أصبحت أقنع نفسي أن المدرسة الرسمية البديلة ليست سيئة الى هذا الحد فأنا كنت قد تعلمت فيها سنة في الأحداث، ورفاقي ليسوا سيئين في الرياضيات ولا في العلوم ولتذهب فرنسا ولغتها الى الجحيم.

مين قال نعيما؟

بعد أن مرت هذه الأفكار بومضة وبتسليم كامل لقدري قلت: "أنا يا أستاذ من قال نعيما".

فأجاب موفى التبجيل: "ينعم عليك.. محي اللوح"!

 

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic