الأسم:

لندن - إنكلترا

  

بلد الإقامة:

الخميس، 2 أيار / مايو 2002

  

تاريخ النشر:


رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش

     حين وقعت الهجمات الإرهابية ضد أبراج التجارة العالمية في نيويورك, ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن التي تسببت في سقوط هذا الكم الهائل من الضحايا المدنيين, تناسينا غضبنا بسبب مواقفكم الداعمة والمنحازة لاسرائيل, وبادرنا الى شجب وإدانة ما حدث من مبدأ رفض كل أشكال العنف في أي مكان بالعالم باعتبار أن حلقات العنف والعنف المضاد لا توصل أصحابها لطريق السلام, وأن هذه الهجمات قد أوقعت ضحايا مدنيين لا ذنب لهم في ما يحاك بأروقة السياسة شرقا وغربا، وان كنت اؤمن ان المسؤلية تقع عليك في تلك الهجمات لان اجراءات الأمن للأُمة الامريكية هي من مسئولياتك وكان يجب عليك فخامة الرئيس ان تعتذر للشعب الامريكي على تقصيرك، بدلا من اتهامك للعرب والمسلمين بالارهاب الذي طالما عانينا من آثاره.

فخامة الرئيس ...

إن المرتكزات الأساسية لموقفنا - كعرب ومسلمين- في إدانة الهجمات الإرهابية كانت شيئا مختلفا لازال ينازع في دواخلنا اسمه (الضمير) الذي يجعل مقاسمتنا الآخرين مشاعرهم وآلامهم مسألة حيوية تعني أننا من بني البشر نشعر بآلام الآخرين, هي ذات المنطلقات التي تدعونا لمؤازرة المستضعفين والمظلومين في كل مكان, وهو نفس الموقف الذي جعلنا نساند علي مدي عقود حركات التحرر في جنوب أفريقيا لنبارك (نصر) المؤتمر الوطني على النزعات السادية والأعمال العنصرية التي كانت تجلل جبين الإنسانية بالعار, جنوب أفريقيا ليست دولة عربية كما تعلم - فخامة الرئيس- غالب سكانها يدينون بالمسيحية، وهو ذات السبب الذي دعانا لمباركة مسيرة (غاندي) وغيره من الذين شقوا طريقهم بصعوبة لبلوغ غايات وطنية عليا ونبيلة.

فخامة الرئيس..

لعل سفراءك ومستشاروك نقلوا لك وقائع المظاهرات الشعبية التي تجوب العواصم والمدن العربية والاوروبية وحتى الامريكية, ولكني غير متأكد من انهم ابلغوك عن اللافتات التي قرنت شعار الدولة العبرية بالصليب المعقوف الذي اتسمت به دولة هتلر النازية، وفي ذلك مغزى لم يشأ سفراءك ومستشاروك أبانته لك, وذلك يعني أن في أعماق العرب مشاعر غير ودية للنازيين, طفت على السطح حين ذكرّهم الجنرال شارون بوحشية هتلر ضد (اليهود) .! 
هل لا زلت تعتقد- فخامة الرئيس- الآن أن العرب هم البرابرة العنصريين؟

فخامة الرئيس ...

نحن نقدر تجربة السيد جورج بوش (الأب) المريرة مع اليهود، وتجرعه هزيمة انتخابية من الوزن الثقيل عقب إعلانه عن نيته لفرض عقوبات ضد إسرائيل، ونقدر ضغوط اللوبي اليهودي على الانتخاب الولائي الذي يخوضه شقيقكم (جيب بوش) ونعرف تمامـًا أنكم ترسخون لمبدأ بقائكم على كرسي الرئاسة لدورة ثانية, ولكنكم بذلك- فخامة الرئيس- تؤسسون لمبدأ يتناقض مع ابسط الحقوق الإنسانية، إذ سينغرس كرسيّك للرئاسة القادمة في اللحم الفلسطيني المستباح, ويصطبغ بلون الدماء القانية التي سالت في (جنين) و(نابلس) وسائر المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية, أيكون ثمن الرئاسة القادمة فادحا الى هذه الدرجة؟!
لعلك وجدت الفرصة سانحة وانت تستمتع بجمال الطبيعة الأمريكية الخلابة في مزرعتك بولاية تكساس لمتابعة جزء يسير من البرامج التلفزيونية الشارونية الدموية التي تسللت الي مخيم (جنين), لعلك لاحظت الدمار والجثث المتفحمة والذباب يستبيحها بعد ان استباحها الجيش الاسرائيلي بأحدث معداته الامريكية، ومنعوا فرق الإغاثة من دخول المنطقة لإنقاذ ما تبقي من أحياء سمعت أصواتهم تحت الأنقاض, هل ترى الفارق كبيرا بين الإنسان الأمريكي الذي بكيت لمرآى أشلاءه المتناثرة في موقع البرجين بنيويورك والإنسان العربي الذي يمنع الجيش الإسرائيلي سيارات الإسعاف من الوصول اليه؟!
أردت ان أوضح لك - فخامة الرئيس-، هذه ليست شهادتنا, فهي شهادة مجروحة في نظركم, انها شهادة تيري رود لارسن (مبعوث الأمم المتحدة الي الشرق الأوسط) الذي أشار الى وقائع المأساة الفلسطينية في جنين بوصفها (جريمة حرب) وقاطعته اسرائيل بسبب هذا التصريح ..!!
نحن ندرك - فخامة الرئيس - ولمبررات كثيرة انك لا تستطيع تسميتها هكذا, ولكن لماذا قدمت قدمـًا وتراجعت بالأخرى حيال ضرورة إتاحة الفرصة للجنة دولية تتقصي الحقائق وان تفتح تحقيقا في ما جرى؟ الم يصبح هذا المطلب متداولا في كل الأوساط الدولية ومدعوما من قبل جهات متنفذة في المنظمات الدولية التي تعترفون بشرعيتها و(نزاهتها) .. دعك من (تيري لارسن) - فخامة الرئيس - ماذا عن (ماري روبنسون), أهي الأخرى عربية مثلنا ومسلمة (ارهابية) كما صورتنا ادارتكم واعلامكم؟

فخامة الرئيس ...

خلال دراستنا للتاريخ الأمريكي تبرز أسماء زعماء نكن لهم احتراما وتبجيلا عميقين لمآثرهم الإنسانية ومواقفهم الأخلاقية على كافة الصعد, ولم يتغافل التاريخ عن تسجيل مزاياهم وتأريخ إنجازاتهم كأعمال تبرز وجه الولايات المتحدة المشرق وإسهامها الجبار في خلق أرضية لحضارة إنسانية تتسم بالكرامة والحقوق والحرية والعدالة, ولكن بالقدر ذاته طالعتنا شخصيات من بطن كتب التاريخ لم تفلح أبدا علي حملنا لاحترامها, بالعكس فأنها تجد من قبل شعبكم الازدراء والتحقير . الشعوب لاتنسي -فخامة الرئيس-, كلما انتابتها صحوة ضمير راجعت تاريخها, ووقفت علي الفصول المخزية لتمارس نوعا من النقد الأخلاقي. الشعب البريطاني لازال يذكر الفيلسوف (بيرتراند راسل) الذي حارب الاستعمار بقلمه في وقت كانت الأساطيل البريطانية تجوب آفاق العالم لتوّسع الإمبراطورية العظمي, ليس الشعب الإنجليزي وحده، نحن كذلك لم ننس (راسل) ولازلنا نذكر عقد (جان جاك رسو) الاجتماعي وصحوة (فولتير). الشعوب لا تنسي -فخامة الرئيس-, الشعب الهندي لازال يفاخر -ونفاخر معه- بالفيلسوف المفكر (بوذا) ودعني اذكرك بأحدي مقولاته (على الإنسان ان يتغلب على غضبه بالشفقه, وان يزيل الشر بالخير، ان النصر يولد المقت, لأن المهزوم في شقاء وان الكراهية يستحيل عليها في هذه الدنيا ان تزول بكراهية مثلها إنما تزول الكراهية بالحب)، ولو وضعت هذه العبارة نصب عينك -فخامة الرئيس- لفسرت لك لغز الإرهاب ودواعيه بدلا من ان تجر العالم كله الى صراعات حضارية لن تبقي حضارة واحدة قائمة علي رجليها .

فخامة الرئيس ..

في ضوء ما يحدث الآن في منطقة الشرق الأوسط وجدت بعض الأشياء عصية علي الفهم، وربما ساعدتني -فخامة الرئيس- على استجلاء بعض النقاط ودعني لا أشغلك كثيرا وان كنت ارغب في جعل هذه الرسالة جزء من (حوار الحضارات), النقطة التي تشغلني اكثر هي كيفية سماحك لرئيس الوزارء الإسرائيلي الذي يؤمن بعض الاسرائيليون بأنه مجرم حرب بالتلاعب في مصداقيتك بعدم التزامه بالسقف الزمني الذي حددتموه للانسحاب, فكلمة (فوراً) في كل اللغات تعني أقصى حالات السرعة، ولكن السيد شارون فاجأك فخامة الرئيس بالنقيض تماما, هذه ليست النقطة التي تشغل ذهني -فخامة الرئيس- فالمعضلة هي وصفك إياه برجل السلام -اكثر من مرة- بعد ان طالبته بالانسحاب (الفوري) ولم ينصاع. مطالبتك إياه بالانسحاب حددت في المقام الأول ان ما يقوم به الجيش الإسرائيلي هو عمل كارثي, والا ما استدعي الانسحاب (الفوري), ولكنك عدت لتصف بطل هذا العمل الكارثي برجل السلام ..!!

فخامة الرئيس ..

دعني اذكرك مرة اخرى أن لجنة جائزة نوبل تتدارس هذه الأيام إمكانية سحب الجائزة من وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز (الأقل إجراما)!! ثم ان العالم كله حتى الاعلام الامريكي يعرف بفشل مهمة (كولن باول) لانه كعادة ممثليكم كافة لا يتجاوزون مهمة الناقل لرسالة الجانب الاسرائيلي على حساب الجانب الفلسطيني وطموحاته ومطالبه المشروعة في عودة ارضه, ومع ذلك لا استطيع ان افهم المغزى والهدف من اقوالكم شخصيـًا على شاشات التلفزة ان مهمته كانت ناجحة؟ اي نجاح تتحدث عنه؟ وعليه الا يحق لي ان اتساءل هل انت حقا رئيس لدولة كالولايات المتحدة ام ....

فخامة الرئيس ...

ينتابني إحساس عميق بأنك تشاركني الشعور في مشاعر فطرية تجاه كل مخلوقات الله، وأراك دائما علي التلفزيون تمرر أصابعك خلال الشعر الكثيف الذي يغطي جسد كلبك، نحن مثلك -فخامة الرئيس- نحب المخلوقات الغير ناطقة, ونتملى عظمة الخالق في زرعه صفات نادرة كالوفاء في أعماقها, ولكن قلوبنا تنفطر -فخامة الرئيس- لمرآي أجساد لأطفال في غاية البراءة كان السبب وراء قتلهم هو دوركم في المنطقة والذي انتقدته السيدة (مادلين اولبرايت), لقد قتلتهم المكالمات الهاتفية التي دارت بينكم وبين الجنرال شارون والضوء الاخضر الذي منحتوه له. 

فخامةالرئيس ...

كما أن أحدًا لا يقبل بفرض منطق العنف فإن أحدًا لن يقبل بفرض واقع الإحتلال، كما أن العنف الفلسطيني سيكون غير مبرراً علي الإطلاق في حال نجاحكم في إحراز تقدم ملموس في إضفاء توازن علي نظرتكم التي ترى في أصحاب الأرض عبئاً على الاحتلال, وفي مقاومتهم المشروعة ضرباً من الإرهاب, في حين تقرون إعدام القادة الفلسطينيين بطائرات (الاباتشي) و(الصواريخ الموّجهة) من دون محاكمات وأمام اعين اطفاهم ونسائهم, وتوافقون الجنرال شارون في إذلاله وإهانته لشعب كامل.
رجل السلام الذي سميته -فخامة الرئيس- هو أول رجل في التاريخ ينتهك كنيسة المهد التي ولد فيها السيد المسيح, فكيف غاب عن بالكم -فخامة الرئيس- وانتم تسبغون على حليفكم الأول في المنطقة صفة السلام أن الحبر المسيحي الأعظم ابدي امتعاضه البالغ من تعرض كنيسة المهد للحصار وللإعتداءات, وكيف يكون رجل سلام من اعتدى على حرمات نبي التسامح والسلام؟

فخامة الرئيس ...

اسمح لي مرة أخرى أن أذكرك بصعوبة تدارك الوضع القائم بينك وبين العالمين العربي والإسلامي بعد مواقفكم منذ البداية بعدم استقبال عرفات، وبعد ان بات معروفا الضوء الأخضر الذي أعطيته للجنرال شارون وتغاضيك من بعد ذلك عن كل الفظاعات التي قام بها وشهد العالم عليها.. اي وضع صعب سيواجه مسار العلاقات الأمريكية - العربية في ضوء فوران الشارع العربي والإسلامي وغضب حتى (دعاة السلام الاسرائيليين) على حكومتهم التي تدافع عنها -فخامة الرئيس- بكل ما أوتيت من قوة, وانت تعرض المصالح الاستراتيجية لبلادكم في المنطقة لمخاطر جسيمة. والشارع العربي ليس وحده -سيادة الرئيس- فالزعماء العرب يتململون من مواقفكم التي لم تراع أبدا حرصهم على استقرار المنطقة ورغبتهم في إحلال سلام عادل وشامل, لكنكم تقلصون فرص السلام الاستراتيجي بتعبئة الأجيال العربية الواعدة ضد هذا الخيار وهي ترى آخر مبادرات السلام العربية ذبيحة على يد الجنرال شارون وجيشه في الساعات الأولى التي أعقبت إقرارها .., ذلك -سيادة الرئيس- ما عبأ الشارع العربي الذي نفذ صبره علي مفاوضات فاشلة قادتها بلادكم طيلة ( 12) عامـًا وكانت محصلتها رغبة إسرائيلية متزايدة في الحرب تقابلها رغبة عربية في السلام اعتبارها الخارجين الى الشارع العربي هذه الأيام ضعفـًا وعارًا يصبغ جبين العرب. إنه نفس الشعور بالمهانة الذي دفعكم للانتقام الجبار من (القاعدة) و(طالبان)، لكن الاستشهادين الفلسطينيين الذين تصفهم بالاجرام لا يملكون عتادكم ولا آلتكم العسكرية, ليس لديهم سوى رد المهانة واهدار الكرامة بفقدان الحياة, - فخامة الرئيس- اي ظروف مهينة يمكن ان تدفع انسانا ما للتضحية بحياته ما لم تكن تلك الحياة نفسها عبئـًا جسيمـًا تـتنافى مع ابسط الرغبات الانسانية في البقاء؟
اننا لا نطالبك - فخامة الرئيس- بابداء التعاطف مع الفلسطينيين, فذلك متعذر مع طموحكم في دورة ثانية للرئاسة ووجود لوبي يهودي ضاغط وحازم حيالكم, ولكننا نطالبكم بقدر يسير من التفهم لظروف انسان عاش مع اسرته في مخيمات قذرة, وفقد البعض منهم كامل أسرهم في إعتداءات إسرائيلية متواصلة, ولا يجد سبيلا لحياة مستقرة علي ارض اجداده, وتسد في وجه ابواب المستقبل, وقضي سنوات عزيزة من عمره خلف قضبان السجون الاسرائيلية البشعة, ثم ذاق طعم المرارة والفجيعة من خلال المجازر الرهيبة التي تدور امام عينيه في ضوء صمتكم, ماذا لو طالبكم معتوه بالاعراض عن مدبري احداث 11 ايلول سبتمبر؟

فخامة الرئيس ...

يتمدد الغضب في شوارعنا تدريجيا, وتتشوه الصورة الامريكية جراء دعمكم ارهاب (الدولة) الذي يمارسه (شارون) من جهة اخرى, هاهو - فخامة الرئيس- امام المسجد الحرام (اعلى منبر اسلامي في العالم) يدعو بالامس قادة العالم الاسلامي الى اغاثة فلسطين في اصدق تعبير عن وجهة الشارع الاسلامي, ويزيد بأن السلام (على مبادرات السلام ) فكيف نواجه - فخامة الرئيس- شعوب مكلومة تشهد علي المأساة, وتتوجه جموعها نحو سفاراتكم للوصول الى مبتعثيكم الدبلوماسيين لابلاغهم رسالات احتجاج واضحة، في اقوى تنديد بمواقفكم. 

فخامة الرئيس ..

لم يعهد التاريخ ابداً تعاطفه مع الجاهزين للمساومة مع القتلة للوصول الى اهدافهم مهما كانت عظيمة, ولم نقرأ بالمقابل وصفا مخزيا عن قائد هزم لأنه انحاز الي مبادئه العليا, فألواح التاريخ تعتصر حبرها للاحتفاظ بالاسماء الناصعة, ويتلذذ آخرون بالبقاء على المقاعد الوثيرة ردحا من الزمن ثم يطويهم النسيان, وان توقفت عندهم الذاكرة, فانها تفضح تكالبهم على السلطة بردعهم كل القيم والمبادىء التي ناضل الانسان الشريف من اجل بقائها ورسخ فكرة انها ستبقى وسيرحل مخالفوها.

فخامة الرئيس ...

قيض الله لك قيادة اكبر دولة في العالم في ظرف دقيق وحساس يستوجب لياقة ذهنية سياسية عالية، والا انفرط عقد التوازنات والمعادلات الاساسية التي تضمن الأمن والسلام الدوليين, خاصة في مناطق الالتهاب والاحتقان, وأظنك تتفق معي - فخامة الرئيس- في ان دفع منطقة الشرق الأوسط الى مرحلة الانفجار ستترتب استحقاقاته السياسية والاقتصادية والامنية علي بلادكم, ولن تقتصر الآثار الكارثية لما سيحدث جراء تبنيكم بالكامل عمليات شارون العسكرية علي اسرائيل والعرب وحدهم, أما صفحات التاريخ فلن تتخطي دوركم الكبير في صناعة مأساة انسانية يصعب نسيانها او تدارك امورها لعقود طويلة.

* نائب المدير الإقليمي للإتحاد العالمي للإعلام وإستطلاعات الرأي- لندن.

 

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic