الأسم:

مجدل شمس - الجولان السوري المحتل

  

بلد الإقامة:

الأربعاء، 22 أيار / مايو 2002

  

تاريخ النشر:


نور التحرير

     في مثل هذه الأيام الخالدة في تاريخنا المعاصر، كانت سواعد المقاومة الباسلة في لبنان، تلاحق فلول الجيش الذي لا يقهر، وتدك مواقعه وتحصيناته العسكرية المحكمة، في المناطق المحتلة من جنوب لبنان، وتجبره مكرهاً على الانهزام وليس الانسحاب. فبين الهزيمة النكراء والهروب المذل التي أصابت جيش الاحتلال ومرتزقته العملاء اللحديين، وبين الانسحاب، فوارق عسكرية وسياسية ومعنوية، تحاول الدوائر السياسية والإعلامية والعسكرية الصهيونية تجاهلها، والعودة الى المفاهيم العسكرية لانسحابات تكتيكية تفرضها الحرب التقليدية بين الدول والجيوش.

ان ملحمة الصمود، وأسطورة الانتصار العظيم، الذي صنعته المقاومة الوطنية والإسلامية، في لبنان بقيادة سيد النصر والتحرير، سماحة الشيخ الجليل حسن نصرالله، الذي أضيفت الى اسمه أسماء ناصعة في تاريخ العرب المعاصر، واضيف الى تراثنا المجبول بالعزة، تراثه المجبول بالدماء والتضحية والعطاء، فكان رمز الاستشهاديين والمقاومين على ثرى لبنان السليب، وأسطورة ندرت في الثبات والتصميم، والتحليل والتقدير، في إرجائنا العربية من المحيط الى الخليج.

في مثل هذه الأيام الخالدة في تاريخ العرب المعاصر، نستذكر الشهداء الذين مضوا، والشهداء الأحياء مع وقف التنفيذ الذين ما زالوا يقبضون على الزناد، في مزارع شبعا والغجر وتلال العرقوب وكفر شوبا، والشهداء الذين شهدوا رحلة الآلام والتعذيب والإرهاب والتشريد والتجويع والتجنيد القسري في جيش العملاء اللحدين، نستحضر الشهيد هادي وسناء المحيدلي، وابتسام حرب، وعباس موسوي، وقوافل الشهداء البررة، والجنود المجهولين، والاسرى والمعتقلين والجرحى والمهجرين والمشردين، في أرجاء هذا الوطن الصغير بحجمة، والكبير باسمه وشعبه وفعله.

نستذكر عوائل الشهداء وعوائل الاسرى الذين ما زالت تئن جراحهم بأوجاع المحتل الغاشم، وعوائل آلاف الجرحى الذين اخترقت أجسادهم رصاصات البنادق وشظايا القنابل والصواريخ والقذائف الصهيونية الحاقدة، لتبقى شواهد على عصر الجريمة الصهيونية في الدولة العبرية.

ان الممارسات اللاأخلاقية التي مارستها الدولة العبرية في جنوب لبنان خلال فترة الاحتلال التي استمرت قرابة اثنين وعشرون عاما، هي تواصلا لما ابتدأت به في الأراضي العربية المحتلة في فلسطين والجولان السوري المحتل، وهي استمرار للمشروع الصهيوني التصفوي الذي ابتلى به شعبنا العربي منذ الحرب الكونية الأولى، وما تلاها من اتفاقيات تآمريه لتقسيم وتفتيت الوطن العربي، وتثبيت قاعدة عسكرية وسياسية متقدمة في عمق وطننا، تكون الراعي والحامي والمنفذ لسياسة الغرب ومصالحه وأطماعه في وطننا السليب، وما كان لهذه القاعدة ان تقوم وتنجح لولا التشتت العربي الذي كان أحد الانتصارات التي جنتها الدولة العبرية منذ إقامتها على الوطن الفلسطيني، وتواطؤ بعض نظم الحكم العربية التي نهشتها العصابات اللصوصية التي تربعت على سدة الحكم بعد نيل ما يسمى الاستقلال الوطني لهذه الدول، التي أنهكها الفساد، ونظام إعلان الطوارئ ومنع الحريات والديمقراطية، وحرمان الشعب من المشاركة في صنع مستقبله وتقرير مصيره وتحديد اهتماماته وأوجاعه وأولوياته الوطنية والسياسية، وحتى المعيشية العادية. وان كان دعم الغرب للدولة العبرية لم يتوقف لحظة واحدة في قهر وقتل وقمع واستعباد شعبنا ونهب أوطاننا وخيراتنا وأسواقنا الوطنية، هذا الدعم اللامحدود والمتواصل لغاية اليوم رغم كل المجازر البشعة التي ارتكبت بحق شعبنا باسم ما يسمى شرعية دولية حاضنة لآلة القتل والتدمير الصهيونية في فلسطين.

لقد نجحت الدولة العبرية وتحت مظلة أمريكية غربية من احتلال لبنان، اضافة الى احتلال ما تبقى من فلسطين، وشبه جزيرة سيناء المصرية، ومرتفعات الجولان السورية، ومناطق شاسعة من الأغوار الأردنية، خلال اكثر من ثلاثة عقود مضت، نجحت في غضونها في تغيير حقائق جغرافية وسياسية وديموغرافية، وخاصة في فلسطين ومرتفعات الجولان. أما في جنوب لبنان فقد اقتطعت مساحة 850 كلم تقريبا،" بعد إجبارها على الانسحاب من بيروت ومحيطها والجبل"، عرفت" بالحزام أو الشريط الأمني " واسست جيشا من المتعاونين معها ليكون شرطي محلي لحماية جيشها ومستوطناتها من أي هجوم يأتي من المقاومة الوطنية، وليضرب بيد من حديد أي معارضة ومقاومة للمشروع الصهيوني في لبنان، الذي ابتدأ باحتلال الأرض، وتقسيم الوطن اللبناني الى كانتونات طائفية، وفرض معايير سياسية على الشرعية اللبنانية في المناطق التي اجبر على الانسحاب منها في شمال الوطن اللبناني.

اعتمد المشروع الصهيوني على طمس الهوية الوطنية للأرض والشعب، واقامة مستوطنات ومنشآت زراعية وترفيهية للسيطرة والهيمنة واحتكار لقمة عيش المواطنين، وتسميم عقول الناشئة، واتباع ا سياسة تهجير المواطنين قسريا من قراهم واراضيهم، وذلك لتغيير العامل الديمغرافي للمنطقة كمقدمة لتهويدها واستيطانها من قبل مهاجرين قيل انهم من اليهود الأثيوبيين، وإحداث اضطراب وفوضى اجتماعية وعائلية بين مواطني "الشريط المحتل" من جهة، وبينهم والوطن الأم في الشمال، لتخريب وتهشيم وتشويه العلاقة والنسيج الاجتماعي، وبث التفرقة والخلاف بين المواطنين، وإشاعة حالات العداء والاضطرابات والصراعات بين القرى والضيع والبلدات، في محاولة لهز أحد أهم ركائز النسيج والانسجام الاجتماعي لدى العرب، العادات والتقاليد والقيم المتوارثة، واستبدالها بمؤسسات وجمعيات شبابية، ومخيمات صيفية، وفعاليات اجتماعية ورياضية وإعلامية مشبوهة، تركز عملها واهتمامها،على إحداث قيم واراء وأفكار ُتميع وتهمش الصراع، والعداء التاريخي، بيننا كأمة عربية، وبين عدونا الصهيوني، وتحويل الصراع الى مجرد خلاف يتم حله بالتسامح والتفاهم والحوار بين جيران وابناء عمومة متقاربين!

ان أهم أسباب هزيمة العدو على الأرض اللبنانية كان، تنامي وتعاظم دور المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية، والتفاف الشعب اللبناني حولها، وامتلاكها قرارا وبرنامجا وطنيا قوميا تحرريا، يتعاطى بنضج وفهم وتحليل مع المخطط الصهيوني، والتعامل معه بكامل الجدية والمسؤولية والواجب الملقى على كل مواطن حر وشريف، وتغييبها المصالح الخاصة لهذه الفئة أو تلك، لصالح القضية الوطنية،التي وجدت تفانيا أخلاقيا راقيا من قبل المقاومة، وسندها الرئيس في لبنان وسوريا والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

فقادة الدولة العبرية فشلوا في جعل لبنان ساحتهم الأمامية لضرب حركة التحرر الوطنية العربية، والسيطرة على المنطقة العربية وإخضاعها للإرادة والقرار والبرنامج الصهيوني الذي سحقته المقاومة الوطنية والإسلامية، وتكشف حجم العجز والتواطؤ العربي الرسمي المهين مع هذا العدو ومخططاته التصفوية.

ان المشروع القومي العربي، يتطلب بعد هذا الانتصار العظيم الذي صنعته إرادة وقرار القتال في جنوب لبنان البطل، الصون والحماية والدفاع عنه بالأجساد والأرواح والأموال والإخلاص، فالانتصار العظيم في لبنان يحتاج الى إسناد ودعم واحتضان عربي اكثر من أي وقت مضى، لتطوير وانماء الجنوب وقراه ومؤسساته وبيوته، وبناء ما دمرته آلة الحرب الصهيونية على مدار سني الاحتلال، ودعم المقاومة بكامل الإمكانيات لتستطيع استكمال المشروع القومي العربي في تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية في مزارع شبعا، وتقوية وسائل صمودها وكفاحها من اجل تحرير الاسرى والمعتقلين العرب من سجون العدو الصهيوني، ولتبقى في حاضرنا ومستقبلنا، نارا حارقة، تردع الغاصبين من الإقدام على أي اعتداء جديد على برنا ومائنا وسمائنا العربية في لبنان. ولنستطيع ان نمد نار ونور المقاومة الى كل أجزاء أوطاننا السليبة في فلسطين والجولان، لنتمكن من ا ستكمال هذا المشروع القومي العربي الذي يواجه اليوم اخطر مراحله في فلسطين المغتصبة، الأمر الذي يتطلب احتضان المقاومة الفلسطينية، ومدها بكل وسائل الصمود، وتبني كل خيارات الكفاح واحتضانها إعلاميا وسياسيا وماديا، وما التحركات والنشاطات الشعبية والجماهيرية التي تجتاح عموم وطننا العربي، من مقاطعة المنتوجات والبضائع الصهيونية الأمريكية، إلا حلقة صغيرة من حلقات دعم المقاومة، يجب تعزيزها وثباتها لتشمل أنظمة حكمنا العربي، التي ما زالت ودائعها المالية والنفطية تراكم وتزيد الإنتاج الحربي الأمريكي الصهيوني الذي يقتل شعبنا في فلسطين، وما زالت تنفق ملايين الدولارات من اجل التزود بالطائرات والصواريخ الأمريكية الصنع، لا للقتال والدفاع عن الوطن والامة، وانما لتزين شاشات التلفاز في الاحتفالات السخيفة والحزينة في مختلف العواصم العربية.

ان شعب لبنان، لم يشتر الطائرات ليحرر أرضه، ولم يمتلك الصواريخ ليصون شعبه، ولم يودع قرشا واحدا من ثرواته في الخزائن الأمريكية والغربية، فكل أمواله وممتلكاته وثرواته البشرية والمادية والاجتماعية والسياسة وحتى تراثه الديني والحضاري كان رهنا للمقاومة لطرد المحتل الغاصب عن أرضه. دون قيد أو شرط، دون معاهدة أواتفاق استسلام مهين. لم يكن لبنان بلدا قويا على الصعيد الدولي، وانما شعبا قويا على الصعيد الداخلي.

لبنان لا يملك حزبا واحدا وانما أحزاب. لبنان لا يملك إلا تاريخا حضاريا عريقا، كان أساس انتصاره. لا قائد في لبنان، ولا زعيما أبديا يتربع على كرسي الحكم مدى الحياة، وانما كل طفل في لبنان كان قائداً، وكل مقاوم في لبنان كان زعيماً. في لبنان شعب حي يأبى الذل والخنوع والظلم والاضطهاد. لبنان الضعيف، لبنان الجريح، لبنان الذي عرف كل الصراعات وكل الخلافات الدولية، وعرف شعبه كل أنواع الطائرات الحربية والصواريخ والقذائف والبنادق، وحتى ألوان لباس الجنود على اختلاف جنسياتهم، واسماء الرؤساء والوزراء من العرب ومن العجم، امتلك قرار القتال وقاتل حتى انتصر. فإلى متى يا حكام العرب المتأمركين، تتجاهلون وتتناسون ان إرادة الشعوب لا تقهر، وان الشعب إذا امتلك إرادته وقراره انتصر، وتجارب شعبنا منذ هانيبال العظيم ومرورا بصلاح الدين وليس انتهاء بحسن نصرالله، تؤكد انه سينتصر بكم أو دونكم. فما عليكم إلا حمل ما تبقى من ماء وجهكم، وامضوا أذلاء، مهانون الى مكانكم الطبيعي في التاريخ الذي صنعتموه لانفسكم، وحيدين دون شعوبكم التي اختارت حرية وحياة العظماء الخالدين في سجلات التاريخ، لاستكمال مشوارها نحو حياة كريمة عزيزة تحت شمس الحرية. 

ايمن ابو جبل 
أسير محرر من سجون العدو 
الجولان السوري المحتل
 

مشاركات بقلم أيمن أبو جبل:

 

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic