الأسم:

ديربورن، ميشيغان - الولايات المتحدة

  

بلد الإقامة:

السبت، 15 حزيران / يونيو 2002

  

تاريخ النشر:


أرقام وإحصاءات عربية

     تستفزني لغة الأرقام والإحصاءات والبيانات التي تملأ الصحافة والإعلام العربي بشكل لا يمكن إيجاد تسمية لائقة لها سوى أنها ساذجة  وتنم عن درجة عالية من عدم المسؤولية! وقد لا يكون الأمر بهذا السوء لو اقتصرت المسألة على تقارير صحفية يحاول كتابها إعطاء صورة "تقريبية" للواقع (مع ضرورة الإشارة إلى ذلك ضمن المقالة)، ولكنه يتعداه إلى كتابات وأبحاث علمية وأحياناً إحصائية صادرة عن وزارات ومراكز أبحاث ومؤسسات يفترض أنها ذات مكانة هامة في المجتمع!

والمتعارف عليه هو أننا حين لا نعرف رقماً معيناً نحاول أن نجد أقرب رقم عشري كامل له (أو نصف عشري). فنقول أن الديناصورات قد انقرضت قبل حوالى 150 مليون سنة، أو أن عدد سكان مصر قد تخطى الـ 65 مليون نسمة، أو أن عدد الهواتف النقالة في لبنان يفوق 750 ألفاً، ألخ.. وهذه الأرقام لا تثير أي مشكلة لأنها تحاول تعريف القارئ بشكل تقريبي عن حجم وقياس أمر ما دون أن تدعي الدقة بأي حال من الأحوال، خاصة مع استخدام تعابير مقاربة، مثل "حوالى" و "أكثر من" وأقل من" و "يقارب" و "يناهز"…

إلا أن استخدام هذه المقاربات الرقمية لا يعني دائماً حرصاً من الكاتب والباحث على نزاهة موقفه من الأرقام. لا بل إن سوء الإستخدام لهذه المقاربات قد أصبح أيضاً شائعاً في مسائل تقتضي الدقة المتناهية، خاصة حين يتعلق الأمر بحياة الناس. مثال على هذا ما تطالعنا به الصحف العربية والعالمية عن حجم ضحايانا في صراعنا مع العدو في مكان وزمان ما (حوالى 2000 قتيل و 15 ألف جريح) مقابل قتلى العدو (419) وجرحاه (3776)!!!

أما حين تقرأ مقالة أو بحثاً يحاول الكاتب فيه أن يسبغ عليه شيئاً من الدقة العلمية أو من العمق البحثي باستحضار أرقام وبيانات وإحصاءات مجهولة المصدر، تنتهي كلها أو معظمها بأصفار وأخماس دون الإشارة إلى أن أرقامه تلك هي أرقام تقريبية (والعياذ بالله!)، فهذا برأيي أحد وجوه التخلف التي تعاني منها هذه الأمة!

والمثير في الأمر أننا أمة أبدعت في عالم الرياضيات والأرقام إلى درجة أن الأرقام المستخدمة في جميع أنحاء العالم اليوم هي "الأرقام العربية" بينما نستخدم نحن اليوم الأرقام الهندية. وهذه مسألة تقتضي بحثاً آخرا.

الأمثلة التي سأذكرها أدناه مستقاة من مقالات منشورة في الصحافة اللبنانية، وهي المصدر الرئيس للمقالات العربية الموجودة على موقع بنت جبيل. ليس الهدف من استخدام هذه الأمثلة المس بكتاب المقالات أو بالجرائد التي نشرت فيها تلك المقالات وإنما توضيح حجم هذه المشكلة التي يمكن بسهولة لمسها في "جميع" الصحف والنشرات والمواقع العربية دون استثناء، بما فيها تلك التي تعنى بالشؤون المحاسبية والمصرفية والإحصائية.

(1)

في مقالة في جريدة السفير بعنوان " معمل السكر يبث الملوّثات ... والليطاني يميل للسواد"، تاريخ 14 حزيران 2002، يكتب مراسل الجريدة شوقي الحاج:

"وكشف [رئيس اتحاد بلديات السهل احمد] الاحمد اسماء عشرات المتوفين بالامراض السرطانية والمصابين من قرى المرج وحوش الحريمة، وغزة، في خلال فترة اقل من عام وهم: مختار الحوش حمزة ابو عديلة (50 عاما) علي جانبين (50 عاما) فوزيه رجب (45 عاما)، ليلى حمود (40 عاما)، خليل ابراهيم المجذوب (70 عاما)، خالدية خالدية (35 عاما)، ابراهيم الجراح (16 عاما)، خالد رسول (16 عاما)، احمد درويش (60 عاما)، ناظم درويش (60 عاما)، خالد درويش (50 عاما)، صالح محمود (50 عاما)، محيي الدين الجراح (65 عاما)، عثمان الجراح (70 عاما)، غسان درويش (45 عاما)، مصطفى حرب (65 عاما)، محمد محيي الدين الشموري (65 عاما)، سليمان الجراح (80 عاما)، عمر الشموري (60 عاما)، على ابو عثمان (70 عاما)، محمد رجب (60 عاما) هولا صالح (45 عاما)، الدكتور محمود خلدية والدكتور سليم خالدية (40 عاما و70 عاما). اما المصابون فهم: نجم غازي (50 عاما)، محمد ابراهيم (85 عاما)، ذيبه كنعان (50 عاما)، بديعة كنعان (45 عاما)"

والسؤال هنا، أليس من الأفضل ألا يتم ذكر أعمار المتوفين، وهي دون أدنى شك أرقام غير صحيحة وكل ما تفعله هو أن تترك القارئ في ريبة من كل المعلومات المذكورة في المقالة وهي في معظمها معلومات واقعية عن حجم المشكلة البيئية في المنطقة المذكورة؟

(2)

وفي مقالة أخرى في جريدة السفير بعنوان " الخط الأزرق: لبنان يستعيد آلاف الدونمات.."، بتاريخ 24 أيار 2001، يكتب مراسل الجريدة كامل جابر:

18/6/2000: ظهرت 4 خروق جديدة لم تكن موجودة سابقا وهي:

  • مركز عسكري اسرائيلي جديد داخل الاراضي اللبنانية بعمق 150 مترا قرب يارين.

  • مركز عسكري اسرائيلي جديد بعمق 50 مترا داخل لبنان، جنوبي بليدا.

  • استحداث طريق بطول 300 متر داخل الاراضي اللبنانية شمال شرق المطلة.

  • استحداث مركز عسكري في منطقة المطلة قرب المعلم BP-83 بعمق 120 مترا.

ولا نظن بأن مراسل "السفير" قام بنفسه بقياس هذه الخروقات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية بل اعتمد على مصدر ما، دون أن يذكره طبعاً. لكن الأهم هو أن هذه الأرقام / المسافات هي أرقام تقريبية وكان من المهم أن يتم ذكر هذا الأمر، خاصة وأن عملية ترسيم الحدود، غداة الإنسحاب الإسرائيلي من الجنوب، شهدت "معارك" طوبوغرافية قاسية قادها العقيد ماهر الطفيلي (الجيش اللبناني) وفريقه مع ضباط العدو عبر ضباط الأمم المتحدة ووصلت إلى حدود السنتيمترات وليس الأمتار أو عشرات الأمتار!

(3)

في مقالة في جريدة اللواء بعنوان " مزارع شبعا في مواجهة الأطماع الإسرائيلية"، بتاريخ 23 كانون ثاني 2002، يكتب مراسل الجريدة هيثم زعيتر:

"وعدد هذه المزارع أربع عشرة مزرعة هي: "مغر شبعا (250 منزلاً)، زبدين (175 منزلاً)، قفوة (180 منزلاً)، رمتا (125 منزلاً)، برختا التحتا (150 منزلاً)، برختا الفوقا (125 منزلاً)، مراح الملول (110 منازل)، فشكول (75 منزلاً)، خلة غزالة (90 منزلاً)، رويسة القرن (90 منزلاً)، جورة العقارب (78 منزلاً)، الربعة (60 منزلاً)، بيت البراق (30 منزلاً) وضهر البيدر (15 منزلاً)."

ويتابع في مكان آخر:

"خصص المزارعون مساحات شاسعة من هذه الأراضي كمراع لتربية المواشي التي بلغت مئات الآلاف من مختلف الفصائل وأهمها: الماعز (100 ألف رأس)، الأغنام (5 آلاف رأس)، الأبقار (5 آلاف رأس)، والخيول (1500 رأس)، بالإضافة الى مزارع الدواجن·"

... وكأن منازل هذه المزارع قد تم بناؤها كل خمسة منازل دفعة واحدة مع شواذ وحيد في "جورة العقارب" حيث سقط منزلان في تلك "الجورة" أثناء البناء!! ثم أن المواشي في تلك المزارع تلد 5 آلاف رأس في كل "بطن"!!!

(4)

في مقالة-رد في جريدة الأنوار بعنوان " النفايات السريريّة في لبنان: طبيعتها، اخطارها وسبل معالجتها" بتاريخ 25 حزيران 2001، يكتب نقيب اطباء الشمال الدكتور ابراهيم بشير الجوخدار والدكتور جوزيف فارس:

إن احراق النفايات السريرية يولد كما هو مكتشف حتى اليوم 629 مركبا ساما او ساما جدا من مركبات الديوكسين او اشباه الديوكسين:

  • 75 مركبا من ديبنزوديوكسين المتعدد الكلور ويشار اليها بالحروف PCDD او CDD. 

  • 135 مركبا من ديبنزوفوران المتعدد الكلور يشار اليها بالحروف PCDF او CDF. 

  • 75 مركبا من ديبنزوديوكسين المتعدد البروم ويشار اليها بالحروف PBDD او BDD. 

  • 135 مركبا من ديبنزوفوران المتعدد البروم ويشار اليها بالحروف PBDF او BDF. 

  • 209 مركبات من بايفينيل المتعدد الكلور ويشار اليها بالحروف PCB. 

كما يعرض الباحثان بعض البيانات الصادرة عن وزارة البيئة اللبنانية (أنظر الرسم):


ولا يمكن بأي حال من الأحوال تصديق أن عدد المركبات السامة التي تخلفها تلك الحرائق، والتي أوردها الدكاترة في ردهم، هو صدفة نصف عشري ومنتظم كما ذكروا (75، 135، 75، 135)، ثم، فجأة، 209 مركبات، وكأن الرقم الأخير جاء فقط بهدف كسر ذلك الإنتظام المثير للريبة!

أما إحصائيات وزارة البيئة فإنها تثير الشفقة فعلاً وليس هناك ما يدعو للتعليق عليها!!!

(5)

أخيراً، في موقع "محيط" على الشبكة هناك بحث بعنوان " عدد سيارات الركوب الموجودة في العالم في عام 2000". ويبدأ البحث بالتالي:

"نأسف لزوارنا الكرام عن تقديمنا أرقاماً إحصائيةً في معظمها غير عربية، و ذلك نظراً لأن الإحصائيات العربية إما أن تكون معدمة أو مخبأة في الأدراج، فلم نجد يوماً برغم الحرية الصحافية المعلنة في بعض الدول كمصر و برغم المؤسسات الصحفية الضخمة التي تتمتع بمراكز بحثية و استراتيجية، برغم كل ذلك لم ترَ النور أية إحصائيات معلنة عن السيارات و كأنه سر قومي" !!!

 

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic