الإسم:

مجدل شمس - الجولان السوري المحتل

  

بلد الإقامة:

الأحد، 23 حزيران / يونيو 2002

  

تاريخ النشر:


الغرب والاغتراب

     ان مراجعة سريعة، للتطورات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية في منطقة ”الشرق الأوسط خلال التاريخ القريب”تجعلنا نستحضر في ذاكرتنا” العجوز”وقائع كثيرة، أهمها :

ان واقعنا العربي السياسي هو صنيعه الغرب، وابتكار الغزاة الأجانب، بصورة مباشرة أم غير مباشرة، وبإشراف متواصل من قبل أجهزته الأمنية والسياسية، ومعاهده العلمية الاستراتيجية..

فالغرب فرض علينا، منذ بدء غزوه لارضنا العربية، أسلوب الحكم والنظام السياسي، واتفاقيات التعاون الثنائية، و دساتير المؤسسات الحزبية والسياسية والاقتصادية والأمنية والمخابرياتية، والمهنية والأهلية، وجعلها على ما هي عليه الآن. والغرب مزق أوصال وطننا، وانشئ كيانات سياسية مستقلة، وأقاليم قطرية طائفية وقبلية وعشائرية، تحت شتى الأسماء والأشكال، بعد امتصاصه الآثم بالحديد والنار والبطش، لمطالب شعبنا بوحدة اراضية، وحقه في تقرير مصيره بنفسه، ورسم مستقبله.

والغرب رسم حدود "أقاليمنا المستقلة"، وقرر حدود سيادتنا الوطنية القطرية في اتفاقيات الشؤم ”سايكس بيكو”. وربطنا بعد نيل الاستقلال الوطني ورفع العلم على التراب الوطني، في دائرة نظامه الرأسمالي كمحيط اقتصادي لمنتوجاته وبضائعه وأسواقه، نسير في فلكه، محددا اتجاه تطورنا ”تقدمنا وتخلفنا” الاقتصادي والاجتماعي، والسياسي، ومسيطرا على ثرواتنا، وكنوز شعبنا في باطن الأرض وظاهرها . والغرب اقتطع أجزاء غالية من أراضينا، واستحدث كيانا استيطانيا عنصريا فاشيا في قلب وطننا فتمكن من تشريد شعبنا في فلسطين، لضمان مصالحه، وقمع أي محاولة عربية تهدف التخلص من قبضته، واعلان الاستقلالية الوطنية والقومية العربية، واستعادة الوحدة والكرامة العربية المسلوبة، وتجدد النهضة القومية في واقعنا.

وما بين الحرب والحرب التي أعلنها الغرب علينا منذ سنوات طوال، يستباح الدم العربي، وتتدنى قيمة الوطن والمواطن، الى أقصى الحدود، لم يزل السياسيون العرب يأملون ويتوسلون،ويناشدون، ويتباكون أمام الحكومات الغربية، والإدارات الأمريكية المتعاقبة، من اجل وقف هذه الحرب الإجرامية، المتواصلة بحق رعيتهم المغلوب على أمرها، في بقاع هذا الوطن الذي يختزن لاكبر موروث حضاري إنساني، واضخم مخزون للثروات والطاقات (64 % من نفط العالم، 34% من غاز العالم).

في هذه الظروف التي يتواطأ فيها السياسيون العرب ضد السياسيون العرب، ويتآمر السياسيون في الغرب ضد الشعوب في الشرق، وتغتال حرية وكرامة المواطن العربي من قبل أروقة الحكم، وُتغيب حقائق، وأوطان وشعوب، وتدنس فيها قدسية الترابط العضوي بين الوطن والإنسان،وبين الإنسان والإنسان، خلال كل مباحثات تجمع السياسيون العرب، مع السياسيون العجم، في الغرب، كلما كبر حجم الجريمة، ومع كل لقاء واجتماع واستدعاء، عربي رسمي، الى البيت الأبيض، فإننا أصبحنا، نعلم وندرك، أن جريمة سياسية وإنسانية جديدة قادمة إلينا، نتيجةً لاستهتار الغرباء في مصائرنا، وتواطؤ الجبناء فينا 

ومع إننا، وفي الحقيقة، أصبحنا غير آبهين، لنتائج أي مباحثات، تسفر عنها لقاءات القمة في البيت الأبيض الأمريكي، وغير آبهين لأي خطاب سيلقيه الرئيس الأمريكي، او اي خطة مقترحة، من الغرب الامريكي، لان الواقع هو العنوان.ولن نستعجل الرئيس الأمريكي ”جورج دبليو بوش” في الكشف السريع عن خططة لاحلال السلام المزعوم في الشرق الأوسط. فان أي خطة لا تستوفي الشروط، ولا تعاقب المجرم على جرائمه،وهو ذاته راس الجريمة والجرائم،ستعود خائبة هزيلة، الى منتظريها، من المسؤولين العرب، والى مروجيها وصانعيها المجرمين من المسؤولين في الغرب الامريكي الصهيوني..

ان السلام العربي الأمريكي الصهيوني المتوقع إعلانه بعد الرحلات المكوكية للمسؤولين العرب الى البيت الأبيض، وزيارة المجرم شارون لاستئذانه بإعلان الخطة ان كانت على حجم جرائمه، يذكرنا بحرب المصطلحات التي رافقت نشأتنا نحن، ”جيل الاحتلال” كما يصفنا روادنا القدامى، من المناضلين ضد الاحتلال، وكانت أساس خطابنا السياسي والعقائدي في الأرض المحتلة وفي المعتقلات . من هم أعداؤنا ”الثالوث المحرم : الرجعية العربية والصهيونية، والاستعمار الإمبريالي” ومن هم أصدقاؤنا :”قوى التحرر الوطني، حركات السلم التقدمي،وانصار الحرية والعدالة والديمقراطية".

فما الذي تغير من مضمون الشعارات والخطابات سوى الأسماء والأشكال، فالرجعية العربية ما زالت تفعل فعلها التامري، متمثلة بذات النظم وذات العقلية وذات الفعل ان لم يكن اشد وطأة، والبرجوازية العربية الصغيرة منها والوطنية، استحدثت تواطوءا جبانا آخر وهو احتواء بعض مما كان ممثلا لليسار الجذري، وإسقاطه في صفوفها، تحت أغراء بعض مظاهر الديمقراطية والتعددية المشروطة بتبجيل وتقديس راس الحكم والنظام، وبعض المنح والهبات المالية والإعلامية، والانفتاح نحو العالمية.

أما الاستعمار الإمبريالي والصهيوني، فانه وبخلاف الماضي السياسي القريب، اصبح اشد همجية وقساوة واجرام وإرهاب منظم، لا رادع دولي موجود، ولا وازع أخلاقي موروث، في سياسته، خاصة بعد ان نجح في إغراق وإنهاء إحدى أهم، القوى العالمية، الرادعة للعدوان والإرهاب، متمثلةً في المأسوف عليه ”الاتحاد السوفيتي”.

ان حالة الانتظار والترقب التي يعيشها السياسيون العرب ( من الرجعيين وسواهم ) لخطاب الرئيس الأمريكي، وخطة السلام المزعوم في الشرق الأوسط، التي قيل أنها، انطلاقة لمشروع أمريكي بعيد المدى، يستكمل محاربة الإرهاب واجتثاثه، وردع أي فعل أو عمل، في أي بقعة من أنحاء العالم، بعد أحداث أيلول وحرب أفغانستان. والقضاء عليها. ويشمل بكل تأكيد، منطقتنا العربية التي تحتفظ بأرباح وثروات طائلة، هي ”ملك للغرب فقط حسب الخطة الأمريكية”

ومع انطلاقة الخطة الأمريكية، وبدء التهويل والتمجيد الإعلامي المفضوح بالخطة التي من المحتمل حسب اعتقاد البعض، انها ستدخلنا الجنة الأمريكية، لتستعد الأجهزة الأمنية والحكومات العربية، ولتتجند معها بعضا من رموز التواطؤ في الداخل الفلسطيني، لحفظ السلم الصهيوني في فلسطين، وتشرف على قمع النضال الوطني التحرري الفلسطيني كما تشاء، ولتنتظر موت الرئيس الفلسطيني ”العجوز” ياسر عرفات، او قتله، أو نضوج البديل الذي ينتظره شارون، متصهينا أو متامركا، ليكون رئيس الدولة الفلسطينية المؤقتة، وشريكا للسلام معه، وزعران حكومته، فالأسياد في واشنطن وتل أبيب فشلوا. في أسوارهم الواقية الواهية، وجريمتهم النكراء في قتل وحصار وتجويع الأبرياء فشلت، والعمليات البطولية الفدائية تزداد فعالية وتزيد الإسرائيليين الما ووجعا. فهل تنجح الخطة الجديدة، في وقف قوة الحق والعدل في فلسطين ؟؟

ولتستكمل أل. سي. أي. أي، جريمتها بحق شعب العراق، وتقتل الرئيس صدام حسين، ولتأتى ببديل عربي متامرك سلفا، لحكم شعبنا في العراق، فهل تنجح في قتل وإبادة وإنهاء كل الأحرار في العراق ؟، وتأمرك الشعب العراقي برمته ؟؟

ولترفع الاستخبارات الأمريكية كل تقاريرها التي تشير الى ان سوريا ”رئيسة مجلس الأمن الدولي لهذه الدورة” ورئيسها الدكتور بشار الأسد، المعجب بصانع النصر والتحرير ”فضيلة الشيخ حسن نصر الله” وحزب الله، وتتوعده بالتهديد والتخويف، وفرض العقوبات، وشن حملات عسكرية محدودة، في العمق السوري أو اللبناني، تمهيدا لتغيره أيضا، وتحريض الرأي العام العالمي، بربط اسم سوريا ورئيسها، مع ما يسمى ”محور الشر” المتمثل بحركات التحرر العربي والعالمي، ان لم يستوف الشروط والاملاءات الصهيونية،في طلاقه التام مع الحركات والمنظمات الفلسطينية المعارضة والمقاومة لمشاريع تصفية القضية الفلسطينية، وطردها من دمشق الى معسكرات اعتقال أمريكية في غواتيمالا أو سواها، وتجريد حزب الله من سلاحه، وردعه عن مقاومة الاحتلال، فهل تنجح في اقتلاع، رغبة وإصرار واعجاب كل السورين والفلسطينيين واللبنانيين في انتزاع النصر وتحرير الأرض من الغاصبين القتلة ؟؟؟؟ 

إننا فعلا أمة تدفع ثمن كرامتها، وضريبة حريتها في ليل عربي، مشلول القرار والإرادة العربية في أروقة الحكم الرسمية،التي ما زالت تحمل جروح الماضي، الذليلة، ورعب اهتزاز الحكم وافتقاد العرش ان أتاحت الفرصة للمواطن لمراجعتها ومحاورتها، باحترام تام، وننهي مرحلة الاغتراب القسري بين المواطن والوطن، ونختتم كل مراحل التسلط على رقاب وارزاق العباد، وتمجيد وتلميع الحكم والحكام،والغوص في حالة الهوان التي أوصلها قادتنا إليها. لنستطيع وربما نستطيع، من إعادة شعورنا المشترك، وتضامننا المشترك، وعلاقات الرحم العضوية المشتركة بيننا، لنحمل أمانة في أعناقنا للأجيال القادمة من بعدنا، فان لم يستطع جيل النكبة والنكسة، ”وجيل الاحتلال” من تحرير الأرض، وتحرير نفوسنا من الخوف والذل والرعب، فعلى الأقل لا نفرط بتنازلات وتنازلات مجانية لاعداء شعبنا وأجيالنا.

ايمن ابو جبل 
أسير محرر من سجون العدو 
الجولان السوري المحتل

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic