الإسم:

مجدل شمس - الجولان السوري المحتل

  

بلد الإقامة:

الثلاثاء، 9 تموز / يوليو2002

  

تاريخ النشر:


هنا القنيطرة

     تأخذ منا الطريق من مجدل شمس الى مدينة الأشباح " مدينة القنيطرة " ست وثلاثون دقيقة لاستقبال الطلبة القادمين من جامعة دمشق، حيث أنهى طلبة الجولان عامهم الدراسي، في زيارة صيفية لقراهم وذويهم في المحتل من بلدهم الأسير.عام مضى على مغادرتهم الجولان لنيل الدراسة في جامعة دمشق التي استقبلتهم كما تستقبل الام وليدها بعد مخاض طويل.على امل ان يكون الاستقبال الأكبر فوق ربى الجولان، حين تطهر من رجس الاحتلال.

في كل بيت جولاني لا تستطيع إلا، ان تسأل كل صديق وقريب تصادفه، عن موعد عودة ابنه أو ابنته من الشام، ولا أحد منهم يملك الجواب المحدد، أو تاريخ الانتظار المحدد. سماعة الهاتف، لا تتوقف في مكتب الصليب الأحمر الدولي، الواقع في بلدة مجدل شمس، للسؤال عن موعد وصول الدفعة الأولى والثانية، والثالثة، والرابعة من الطلاب. الإسرائيليين لم يحددوا بعد، يأتي جواب المندوب الحائر،أمام بحر التساؤلات، والقلوب المتلهفة لاحتضان الأبناء من جديد.. 

عام واحد من عمر الاحتلال لارضنا، وقمع الاحتلال لشعبنا في المحتل من الجولان، لا يكاد ينتهي حتى تتجدد حكاية حلمنا من وراء الشريط المصطنع والأسلاك الشائكة وحقول الألغام التي نهشت في أجسادنا وأدمتها حتى أخذت من بيننا، خيرة الأبناء الشهداء، واجمل الأحلام البريئة في انتزاع حياة حرة كريمة تتجاوز السياسة والسياسيون، وكل معادلات الصراع الوجودي بين عدو أتقن ارتكاب الجريمة، وفنون القتل والتنكيل والقمع والاعتقال بأشد الأشكال بشاعة وقساوة، وبين شعب فرض عليه الصبر والسلوان والعجز والبكاء، والتضحية بالجسد والروح، وصنع المعجزات لعشقه هذه الحياة، التي تبتعد يوما بعد يوم حتى أصبحت إحدى اعظم الأحلام في عقول الصغار.

تستغرق الطريق من مجدل شمس الى مدينة الأشباح مدينة القنيطرة "، فترة زمنية لا تتجاوز الست والثلاثين دقيقة. الذاكرة المحمولة في الأذهان ممن تبقى من جيل الأباء والأجداد الذين عايشوا فترة ما قبل الاحتلال، تستحضر بقايا من الماضي، في وجدان الحاضر، فتتجسد أمامنا حاضرة من عبق الماضي سهول المنصورة، واشجار الحور في تل البرم، وعين حورا، وتل الأحمر وصدر العروس. التي تطل على مجدل شمس ومسعدة وبعض الأشجار العالية التي سلمت من الاقتلاع في مدينة القنيطرة، وقرية عيون الحجل، تستحضرك، حركة الجنود في مخفر القنيطرة، وثكنات الجيش المهجورة التي اخترق جدرانها الرصاص، واحتضنت زواياها العالية أعشاش عصافير الدوري، والسنونو، بعد ان هجرها حماتها وروادها، واقتلعوا من أرضهم، منذ سنين، حاملين معهم، معاناة شعب مشرد، ومهجر، تحول الى مخيمات اللاجئين والنازحين، وتاركين ورائهم ذكريات وتاريخ شعب عريق الجذور والأصول، رازح تحت نير الاحتلال.

ونحن في الطريق الى القنيطرة، تستحضرك أصوات الحرس والجنود والضباط في مقر القيادة العسكرية في مداخل القنيطرة من ناحية المنصورة، بناية طويلة، مؤلفة من ثلاثة طوابق. الأول منها تحت الأرض، خصص لسكن الجنود، وغرف للمعالجة الطبية المجهزة بالتدفئة المركزية، وشبكات الهاتف والكهرباء والمياه المتطورة. في الطابق الثالث الذي تخترق إحدى زواياه قذيفة إسرائيلية، لم تنجح في تدميره إلا بمساحة حجمها، كانت غرفة القائد ونائبه، التي ادخل الإسرائيليون أثار همجيتهم داخلها، حيث كتب على الحائط الذي اخترقته شظايا القنابل، عبارات نابية ورخيصة، تستهزئ من قائد الموقع وجنوده، الذي وهب الجنود الإسرائيليين المتعطشين للدماء والخراب والدمار، مبنى مجهزا بالتقنيات العسكرية، والمواد الغذائية والطبية. على سطح المبنى تنبسط سهول المنصورة أمامك قاحلة، وتل ابو الندى الذي حوله الإسرائيليون الى مرصد عسكري متطور مجهز بأحدث الأجهزة الإلكترونية والعسكرية لصد أي هجوم سوري مفاجئ، مستذكرين بطولات الجنود السوريين خلال المعارك التي شهدتها ارض المنصورة في حرب تشرين. نتقدم الى داخل ما تبقى من القنيطرة، حيث هنا كانت مدرسة، وهناك المستشفى، وهنا دكان ابو إسماعيل ومحلات ابو سمرا. لم يترك الإسرائيليين حجر على حجر في هذه المدينة إلا وسرقوه لبناء مستعمراتهم على أنقاض القرى العربية السورية التي طالتها مجنزرات ودبابات الإسرائيليين، حتى الأموات لم تسلم قبورهم من النبش وسرقة أسنانهم الذهبية،وأضرحتهم الرخامية..

نصل الى معبر القنيطرة الذي حاول الإسرائيليين تغير المعالم التاريخية والسياسية والجغرافية للجولان من خلاله كحدود دولية بين دولتين، يخضع الى إشراف شكلي لما يسمى بقوات الأمم المتحدة. وهذا المعبر هو عبارة عن غرف للتفتيش الاستفزازي والمهين، ومكتب " الشين بيت الإسرائيلي "، للاستجواب وجمع المعلومات من القادمين، عن الأوضاع والأحوال ومزاج الناس داخل سوريا. في محاولة للترهيب والترغيب والتهديد، ".

يصل الطلاب أخيرا فرادى وجماعات الى المعبر في الجزء المحتل من الجولان، حاملين معهم جوانب إنسانية مؤثرة في النفس..جنود الأمم المتحدة، ومن موقع المشاهد، يخبئون دموعهم حين يتعانق الأبناء مع الأمهات والأصدقاء، منطلقين في طريق عودتهم الى بيوتهم حيث ينتظر باقي أفراد الآسرة، ومن تبقى من الأصدقاء والزملاء الذين رفضت السلطات الإسرائيلية سفرهم لنيل الدراسة في جامعة دمشق لاسباب أمنية كما ادعت. هناك في القرية أناس أكل الزمن من شبابهم، الكثير الكثير من السنين. أتوا في سبيل السؤال عن أبنائهم واقاربهم هناك بين أحضان الوطن، العم ابو توفيق مات،بعد زواج ابنته وسفرها الى السعودية برفقة زوجها، كان يرغب في معانقة ابنته المقيمة في الجولان قبل مماته، والخالة أم محمد تتعالج في المشفى الحكومي، رجائها ان تدفن في مسقط رأسها في الجولان الى جانب أخيها. وتبعث لكم قبلاتهالا وأشواقها، والعم ابو محمود يعدنا كل عام كعادته ان يستضيفنا في بستانه العام المقبل لان التحرير آت قريبا. يتناقل الطلبة أخبار الأهل. هناك شرقي الشريط، الى الأهل هنا غربي الشريط في المحتل من الجولان. يتحول كل طلبة جامعة دمشق الى مرجع للأخبار العائلية والأسرية في الجولان.لأولئك الذين تشتت عائلاتهم، بين حضن الوطن، وقبضة الاحتلال. 

ست وثلاثون دقيقة، هي لا شئ بمقاييس، الزمن العادية، ولكنها رحلة عذاب أليمة، يعايشها شعبنا في الجولان على مدار الست وثلاثون عاما من حكم الاحتلال البغيض، ست وثلاثون عاما يستحضر أبناء شعبنا، الذكريات، والأشجان. والأموات، ست وثلاثون عاما من استنهاض الحياة في روح شعب، كان هنا، في كل الزوايا، والأحياء، والشوارع، والمزارع والبساتين، في تلك السهول التي كانت يوما مثمرة، خضراء بالحياة، ترويها حبات العرق المتساقطة من جباه الفلاحين والمزارعين، التي لا بد وان ترتوي يوما من جديد، حينما تكبر تلك الجذور، الممتدة في عمق الوطن، من أقصاه الى أقصاه.وتشق سطح الأرض، مبشرةً بميلاد جيل التحرير...

ايمن ابو جبل 
أسير محرر من سجون العدو 
الجولان السوري المحتل

 
 

 

 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic