|
الحرب على العراق والسيناريوهات "الجانبية"
|
جميع الدول المحيطة والمجاورة للعراق، بما في ذلك الكويت، أعلنت بشكل أو بآخر عن رفضها، أو على الأقل عدم رغبتها، المشاركة في الحرب الأميركية القادمة. هذا بالعلن، أما بالسر فإن أيا منها لن تكون متأسفة على رؤية نظام صدام حسين وقد ولى، رغم خوفها من البدائل التي قد تكون في نظر كل منها على حدة أشد وأدهى.
لكن مشكلة جميع هذه الأنظمة هي عدم قدرتها على تبيان ما ستسفر عنه تلك الحرب لجهة إعادة رسم خريطة المنطقة وما سيؤدي إليه ذلك لجهة قدرة تلك الأنظمة على الصمود في وجه ما ستجلبه الحرب من تعقيدات داخلية وخارجية.
أما من وجهة النظر الأميركية، وعلى الرغم مما تبديه الإدارة الأميركية من "تردد إعلامي" بشأن تحديد ساعة الصفر أو حتى الجهوزية الميدانية لخوض الهجوم المتعدد السيناريوهات، فالمسألة أصبحت في طور التحضير النهائي لطبيعة السيناريوهات "الجانبية" الأساسية للمعركة، أي السيناريو الإيراني والسيناريو الإسرائيلي!
فأثناء حرب عاصفة الصحراء التي أدت إلى إخراج العراق من الكويت، استطاع بوش الأب أن يمسك بزمام هذين السيناريوين الجانبيين بدقة وحزم عبر تحييد إيران عن الصراع وتطمينها إلى أن الأمر لا يتعدى تصفية الحساب مع النظام العراقي الذي خاض حرباً مدمرة ضد الثورة الإسلامية في إيران كانت لا تزال مفاعيلها التدميرية حينها ظاهرة بقسوة، وأيضاً عبر فرض الحماية المباشرة على إسرائيل ورفض أي تدخل من قبلها حتى للدفاع عن نفسها في وجه الهجمات الصاروخية العراقية.
أما اليوم، فمسألة التعاطي مع هذين السيناريون مختلفة إلى حد كبير وأي خطأ في التعامل معهما قد يؤدي إلى نشوب حرب إقليمية واسعة لن تستطع الولايات المتحدة، ولو جاءت بجميع قدراتها العسكرية التقليدية إلى المنطقة، أن تكون على ثقة من نهاياتها التي تبتغيها.
إيران: كماشة أفغانستان-تركيا-العراق !
تبدو إيران اليوم وكأنها تسبح في محيط متأجج من جميع الجهات.
ففي الشرق تزيد القوات الأميركية يوماً بعد يوم، ولو بشكل غير معلن، قبضتها على الحكم المنصّب في كابول وتعمل بدأب على اللعب على الخلافات الداخلية لإحكام سيطرتها الطويلة الأمد على أفغانستان. وفي باكستان استطاعت الولايات المتحدة ترويض قوى الحكم والمعارضة بشكل متقن سواءاً عبر الترهيب بورقتي كشمير و"الحرب على الإرهاب" أو الترغيب بالبدء بتحقيق المشاريع التي انتظرت طويلا لنقل النفط والغاز من منطقة بحر قزوين إلى المياه الدافئة في المحيط الهندي عبر الأنبوب التركماني-الأفغاني-الباكستاني، وهو حلم باكستاني قديم سيتم تنفيذه بوصاية أميركية كاملة!
وفي الشمال لا يزال الصراع الأبدي في الشيشان محتدماً بين كر وفر مما يقضي على أي إمكانية لتحقيق الحلم الروسي بنقل النفط القزويني عبر أراضيها إلى البحر الأسود، رغم برودة الصراع بين أرمينيا وأذربيجان وخمود القلاقل في جورجيا وأبخازيا.
وفي الغرب هناك تركيا والعراق. أما تركيا فقد تم دفعها على مدى العشرين سنة الأخيرة باتجاه مشاريع تسليحية ومائية هائلة أوقعتها في مصيدة الديون الخارجية وأنهكت اقتصادها فصارت سهلة الإنقياد للرغبات الأميركية إلى درجة السماح لمساعد وزير الدفاع الأميركي ولفوويتز بحضور جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي انفرط على أثرها عقد التحالف الذي يرأسه بولند أجاويد! المؤكد في هذا الإتجاه هو أن الولايات المتحدة تحاول جمع الموالين لسياستها في تركيا حول الجائزة التي ستفوز بها تركيا نتيجة تعاونها وذلك بإكمال أنبوب النفط الذي يمتد من أذربيجان إلى مرفأ كيهان التركي على البحر المتوسط، خاصة وأن الجزء الأذري من الأنبوب قد فاز به قبل أكثر من ست سنوات كونسورتيوم نفطي أميركي وصار جاهزاً للتوجه غرباً بعد تبريد الصراع الأرمني الأذري.
وأما العراق فهو الحلقة الأخيرة التي تريد الولايات المتحدة كسرها أو تطويعها لكي تغلق الدائرة التي تربط منطقتي الخليج وبحر قزوين في منظومة نفطية واحدة تمتلك جميع مفاتيحها مما يعطي الشركات النفطية الأميركية، المتمثلة بنادي بوش-تشيني، الحق الحصري بالسيطرة على مشاريع التنقيب ونقل النفط والغاز على مدى العقود القادمة.
|

|
|
تظهر الخارطة
أنابيب نقل النفط والغاز من منطقة
بحر قزوين التي ترغب بتحقيقها دول
المنطقة والجوار وأهمها:
(1) الشمال - الأنبوب الروسي بشقيه
الشمالي (بحر البلطيق) والغربي (البحر
الأسود)
(2) الغرب - أذربيجان / أرمينيا /
تركيا
(3) الشرق- كازاخستان / الصين
(4) الجنوب الشرقي - أوزبكستان /
تركمنستان / أفغانستان / باكستان
(5) الجنوب - إيران باتجاه الخليج
العربي |
لذا، يمثل وقوع العراق في القبضة الأميركية خطراً لا يمكن لإيران أن تسمح به بهذه السهولة وهو ما يشكل أهم المخاطر التي يواجهها المشروع الأميركي حتى الآن، خاصة وأن روسيا تقف موقفاً صلباً تجاهه لما يعنيه من فقدانها لأي أمل بالحصول على خيرات منطقة كانت حتى الأمس القريب جزءاً من الأمبراطورية السوفياتية.
لكن السؤال هو هل تستطيع إيران منفردة أن تواجه الولايات المتحدة إذا ما قررت السيطرة على العراق وكيف؟
إسرائيل: المملكة الهاشمية الكبرى والوطن البديل
السيناريو "الجانبي" الثاني في مشروع الحرب القادمة هو المتعلق بإسرائيل وما ترغب بالفوز به سواء أشاركت مباشرة فيها، في حال اندلاع حرب إقليمية، أو إذا ما وافقت على اتخاذ موقف مشابه لذلك الذي اتخذته أثناء حرب الخليج 1991.
الجائزة الكبرى التي ترغب إسرائيل بالحصول عليها هي بالطبع تحقيق هدفها الأبرز وهو إقامة وطن فلسطيني بديل شرقي الأردن والتخلص من القسم الأكبر من فلسطينيي الضفة الغربية وخلق واقع يستحيل بموجبه بقاء أي وجود عربي داخل الكيان اليهودي.
وفي هذا المجال يجب النظر إلى ما يتم تخطيطه بشأن الحكم المقبل في العراق وإمكانية إعادة الحكم الملكي الهاشمي إليه، وما مشاركة الأمير حسن بن طلال في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية، رغم التصاريح التي صدرت من الأردن حيال ذلك، سوى مؤشر واضح على الوجهة التي يتم فيها ترسيم المرحلة القادمة، حتى وإن كانت معالمها غير واضحة حتى الآن. والذين يظنون باستحالة تحقيق مثل هذه المشاريع عليهم العودة قليلاً إلى الوراء ليروا كيف تم إنشاء المملكة الهاشمية الأولى من قبل بريطانيا.
لذا، فما المانع من إعادة توسيع المملكة الهاشمية لتشمل العراق وبعض الأردن بعد اقتطاع القسم الغربي منه ليكون وطناً بديلاً للفلسطينيين، خاصة وأن غالبية السكان هم أصلاً فلسطينيون وستصبح نسبتهم أكبر بكثير مع ترحيل فلسطينيي الضفة إلى هناك؟ ويمكن في هذه الحال أيضاً تخليص تلك المملكة من مشكلة الأكراد في الشمال بإقامة وطن كردي توافق عليه تركيا بعد أن تفوز بجائزتها النفطية وتضع شروطها على ماهية ذلك الوطن وشروط سيادته، تماماً كما ستفعل إسرائيل بالوطن الفلسطيني البديل!!!
العراق: من سيحمي صدام؟
يحلو للكثير من العرب الذين يعيشون فنتازيا عبادة الشخص-القائد-الزعيم-المجاهد (ألخ) أن يملؤا مخيلاتهم برؤىً خرافية تريحهم من الواقع السحيق الذي يقبعون فيه ويرتعبون جزعاً من فكرة مقاومته أو الإنتفاض عليه. هذه الحالة المزرية أصبحت من السوء إلى الحد الذي صار من السهل على القوى التي تتربص بهم أن تخطط وتنفذ مشاريعها دون أي خوف من ردود فعل أو مقاومة ما. فقد فقد العرب، إلا قلة منهم، ومنذ زمن بعيد روح المقاومة التي يمكنها أن تصد قوى التسلط عنهم سواء أكانت داخلية أو خارجية. والمخيف في هذا المجال أن السائد في العالم العربي اليوم هو أن أي تغيير للواقع المعاش لا يمكن أن يحدث إلا من الخارج أو على يدي "صلاح دين" جديد على شاكلة "أسامة بن لادن" أو "صدام حسين"!
لذا، فإن الذين يظنون بأن "العراق ليس أفغانستان" أو أنه سيكون "فيتنام ثانية" سيفاجؤون بمدى هشاشة هذا النظام وسرعة سقوطه. إلا أن الأسوأ من هذا سيكون حالة الإذعان التي ستجدها الولايات المتحدة من قبل الشعوب التي اعتادت على السكينة للحاكم وجبروته كائناً من كان، فكيف إذا كان سيدة الأرض بلا منازع!؟
لقد أفرغ صدام حسين العراق من قدرته على المقاومة حين حول أبناء البلد جميعاً إلى سجناء وعبيد يتلقون أوامره ولا يجرؤ واحد على رفع صوت اعتراض ولو بالسر. لهذا، فالتعويل على قدرة صدام على الصمود في وجه الهجوم الأميركي المرتقب وتحقيق نصر مؤزر، شبيه بأم معاركه في حرب الخليج 1991، ليس سوى من باب الخرافة التي طُبل وزُمّر لها على أثير الفضائيات العربية عشية الهجوم على أفغانستان!
إذا كان نوم العرب لم يزعجه ما حل ويحل بفلسطين وشعبها منذ أكثر من خمسين عام، فالذي لا شك فيه هو أنه لن يهب أحد منهم لنجدة العراق كرامة عين صدام حسين.
§
وصـلات:
