الأسم:

ديربورن، ميشيغان - الولايات المتحدة

  

بلد الإقامة:

الثلاثاء، 1 تشرين أول / أكتوبر 2002

  

تاريخ النشر:


إيران والحرب الأميركية على العراق

أولوية استراتيجية إيرانية

     مما لا شك فيه أن تغيير النظام العراقي كان من أول أهداف الثورة الإسلامية في إيران وذلك تحت ما سمي حينها بشعار "تصدير الثورة". وقد كان لوجود الإمام آية الله الخميني وعدد كبير من المقربين إليه في "المنفى" العراقي، طوال فترة التحضير النهائي للثورة، الأثر الكبير في جعل ذلك الهدف من الأولويات التي يجب العمل على تحقيقها لسببين:

أولاً لحماية الثورة الإسلامية بجعل العراق خط الدفاع الأول عنها. إذ، وعلى مدى التاريخ، كان العراق الباب الرئيسي للحملات العسكرية التي اجتاحت إيران (بلاد فارس)، وزاد من خطورة هذه الجبهة حديثاً أن الثروة النفطية الإيرانية بمجملها تتركز على الحدود العراقية، الغربية والجنوبية. وجاءت الحرب العراقية ضد إيران غداة انتصار الثورة لتؤكد الأهمية الإستراتيجية لهذا الهدف.

ثانياً للإنطلاق بتحقيق الهدف الأسمى للثورة وهو توحيد الأمة الإسلامية وإعادة تركيز الإسلام كأساس ثابت ونهائي للحكم وللتشريع، وذلك باعتماد الثورة الإسلامية الإيرانية نموذجاً يحتذى في كافة الأقطار الإسلامية.

وعلى الرغم من أن مشروع "تصدير الثورة" قد أصبح محاصراً إلى حد كبير بمنهج الدولة والعلاقات المباشرة مع الدول العربية-الإسلامية التي يفترض أن تكون هدفه، إلا أن هدف تغيير النظام في بغداد، نظراً لما يشكله من خطر دائم على المصالح الإيرانية وللتركة المخيفة للحرب العراقية-الإيرانية، التي لا تزال مفاعيلها بارزة في الكثير من تفاصيل الحياة الإيرانية، هو هدف ثابت واستراتيجي. ويكفي الإشارة هنا إلى الآلاف من الأسرى المفقودين ومن الجرحى والمعوقين، إضافة إلى مئات الآلاف من الشهداء، مما يجعل من مسألة القضاء على نظام صدام حسين قضية لا يمكن لأي قيادة إيرانية إلا وأن تعتبرها أولوية قصوى في تعاطيها مع الشأن العراقي مهما طال الزمن.
 

الثورة الإسلامية في العراق

     لقد بدأت إرهاصات "الثورة الإسلامية في العراق" بالظهور حتى قبل انتصار الثورة الإيرانية. وكان "حزب الدعوة" وعدد كبير من العلماء الشيعة في العراق، على رأسهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر، الهدف الأول لنظام صدام حسين غداة انتصار الثورة الإسلامية في إيران وتحولت المدن الشيعية في الجنوب إلى معسكرات اعتقال كبيرة تمارس فيها الإستخبارات العراقية والحرس الجمهوري أبشع أنواع التعذيب والتصفية الجماعية.

دونالد رمسفيلد يصافح صدام حسين في بغداد في 20 كانون أول / ديسمبر 1983. رمسفيلد كان مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان لتقديم الدعم العسكري لصدام في حربه مع إيران، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية. إضغط على الصورة لتشاهد الفيلم.

وقد حدث كل ذلك دون أن تبدر عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان أو الأمم المتحدة، أو الولايات المتحدة، أية اعتراضات أو تركيز إعلامي على تلك الجرائم في حينها. وليس أكثر وضوحاً في هذا المجال من الموقف الأميركي تجاه السماح للجيش العراقي بإعادة تجميع قواه والإنقضاض على الثورة الشعبية في الجنوب في الوقت الذي كانت القوات الأميركية لا تزال على الأراضي العراقية أثناء حرب "تحرير الكويت" عام 1991 !

وهو ما لا يدع مجالاً للشك أن الخطر الإيراني بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو الخطر الحقيقي وأن تغيير النظام العراقي اليوم يأتي ضمن خطة محاصرة هذا الخطر، الذي يعتبر تهديداً دائماً لمشروع السيطرة الأميركية على كافة منابع النفط في منطقتي الخليج وبحر قزوين وربطهما بمنظومة نفطية أميركية واحدة.
 

مع وضد ولكن !

     لماذا إذاً تعارض إيران تحقيق أحد أهم أهدافها الإستراتيجية: "تغيير النظام العراقي"؟

أولاً، لأن من يتولى عملية التغيير هذه، الولايات المتحدة، تشكل خطراً أكبر بكثير على الثورة الإيرانية من بقاء هذا النظام العراقي، خاصة وأن التمدد الأميركي السريع في الشرق، عبر الاحتلال المباشر لأفغانستان وربط باكستان وجمهوريات آسيا الوسطى ضمن منظومة تابعة استراتيجيا لواشنطن، والتغلغل الأميركي السريع والناجح في الشمال القوقازي، حيث لم يكن للولايات المتحدة أي تأثير من قبل، إضافة للوجود الدائم والمتزايد في تركيا، كل هذا يجعل إطباق الولايات المتحدة على العراق أمراً شديد الخطورة ويمثل حصاراً كاملاً لإيران من جميع الإتجاهات!

ثانياً، لأن معظم القادة الإيرانيين يعتبرون أن الهدف الرئيسي من السيطرة الأميركية على العراق هو محاصرة إيران بمنظومة معادية لها قبل الشروع بالمرحلة الثانية وهي الحصار الإقتصادي والدبلوماسي والإعلامي بغرض ترويض الجمهورية الإسلامية وتطويعها للإرادة الأميركية أو لدفعها إلى ارتكاب ما يمنح الولايات المتحدة، والدول التابعة لها، الذريعة للإنقضاض عليها وتدمير الثورة-النموذج.

غير أن هذه النظرة التشاؤمية تجاه الأخطار المحدقة لا يبدو أنها قادرة، على الأقل بالمدى المنظور، على التأثيرفي ثقة القيادة الإيرانية بقدرتها على الصمود والمواجهة "الباردة" وذلك بالتركيز على نقاط الضعف الكبيرة والكثيرة في هذه المنظومة التابعة، التي تحاول أميركا إقامتها ومحاصرة إيران بها، مستعينة بتجربتها الكبيرة في الصمود والإنتصار في الحرب المدمرة التي شنها العراق عليها بمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها من دول الخليج حين كانت الثورة الإيرانية لا تزال في مهدها تحاول أن تتلمس الطريق إلى إقامة الدولة. فكيف الآن، وقد أصبحت هذه الثورة، بعد حوالى ربع قرن من عمرها، تملك من مقومات القوة المعنوية والإقتصادية والعسكرية ومن العلاقات الخارجية المتشعبة مع جميع دول العالم، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعلها لاعباً إقليمياً هاماً في جميع شؤون المنطقة، بما في ذلك الصراع العربي-الإسرائيلي؟

من هنا، يتأتى التناقض المحيّر للمراقبين في التصريحات الإيرانية بشأن الحرب الأميركية على العراق وموقف إيران من هذه الحرب.

فمن جهة، هناك الخوف من قدرة الولايات المتحدة على تحقيق هدفها بالهجوم على العراق وتثبيت نظام حليف لها في بغداد، شبيه بما فعلته في أفغانستان، وبالتالي وأد الحلم الإيراني بإقامة نظام إسلامي حليف، أو تابع، لها في العراق وما يمكن أن يتركه هذا الأمر على محاصرة "فكرة" الثورة الإسلامية في إيران نفسها، ومن جهة ثانية، هناك الثقة بقدرة إيران على تحويل الإنتصار الأميركي بإسقاط النظام العراقي إلى مستنقع يعيد استحضار الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وما نجم عنه من انتصار للمقاومة الإسلامية المدعومة بشكل مطلق من القيادة الإيرانية، وبالتالي انهزام الولايات المتحدة وتحقيق الهدف بإقامة نظام حليف لإيران في بغداد، ولو في المدى المتوسط أو البعيد.

بناءاً عليه، يبدو للبعض أن الموقف الإيراني تجاه الحرب الأميركية على العراق ملتبساً ومتناقضاً، بمعنى أنه ضد حرب أميركا على العراق ومع تغيير نظام صدام حسين، وهو ما يعبر حقيقة عن موقف غالبية الشعب العراقي نفسه، ولكن بصمتٍ أصبح منذ زمن طويل الصفة المميزة لشعب يعيش في دائرة خانقة من الخوف والرعب والإضطهاد.

إن إيران، قيادة وشعباً، بموقفها هذا تعبر بصدق عما يختلج في صدور الكثيرين من العرب والمسلمين، إذ لا يمكن بحجة الوقوف ضد الحرب الأميركية أن يتم إصدار صك براءة للنظام العراقي عن كل ما ارتكبه بحق العراق وإيران والكويت وفلسطين وجميع العرب والمسلمين طوال ربع قرن، كما أنه لا يمكن بسبب كل هذه الجرائم التي ارتكبها نظام صدام حسين أن يقدم العرب والمسلمون المساعدة للولايات المتحدة لفرض استعمارها المباشر على المنطقة وبالتالي تحقيق المشاريع الصهيونية بالتهويد الكامل لفلسطين وفرض الحلول الإستسلامية على شعوب المنطقة.

 

§ وصـلات:

 

 
 


 
  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic