|
أََنـَسْ
حين تصبح فلسطين أصغر من كيس المحارم!
|
المكان: حي ماضي، الضاحية الجنوبية لبيروت
الزمان: حوالي الساعة السابعة مساءً ، الإثنين 6 كانون الثاني 2003
أوقفت السيارة أمام محل "النوفوتيه"، بالقرب من "سوق معوض" في الضاحية الجنوبية لبيروت وجلست أنتظر خطيبتي التي دخلت لتشتري بعض حاجاتها. كانت أغنية لبنانية قديمة، لم أعد أذكر ما هي، تنساب بهدوء من الراديو عبر إذاعة "الشرق" لكنني كنت غارقاً بالتفكير في ما سأفعله في الأيام القليلة المتبقية لي في الوطن قبل أن أحزم حقائبي وأرحل من جديد. كان المساء حميمياً وصاخباً وعابقاً بضجيج أبواق السيارات وهيصة ثلة من الشباب العاطل عن العمل يتمازحون أمام المبنى. سمعت نقراً خفيفاً على زجاج النافذة. نظرت، فإذا به فتى بالكاد يصل بقامته إلى مستوى النظر. أنزلت الزجاج بكبسة الزر منتظراً أن يمد يده سائلاً حسنة أو بائعاً لعلكة. ظل بعيداً عن النافذة وأشار برأسه إلى كيس من النايلون يحمله على كتفه رأيت من خلاله أكياس محارم ورقية ثم التف بجسده قليلاً إلى اليمين ليعرض كيساً آخر على كتفه الأيسر مليئاً بلفافات داكنة لم أستطع تبين ماهيتها.
شعره الكستنائي بدا أشقراً تحت ضوء واجهة المحلات، وثيابه نظيفة ومرتبة كأنه قد خرج للتو من المنزل. كانت عيناه البنيتان شاخصتان بأدب وخجل نحوي ويعرض بضاعته بما لا يوحي بخبرة كبيرة بالتجارة.
أول ما تبادر إلي هو صغر هذا الفتى فسألته: "كم عمرك؟"
"عشر سنوات" أجاب، بصوت طفولي لا تزال موسيقاه بريئة كنظراته.
"ما اسمك؟"
"أنس..."
"من أين أنت يا أنس؟"
"من المخيم"
"من أي مخيم؟"
"برج البراجنة"
"ألا تذهب إلى المدرسة؟"
"تركت المدرسة هذا العام"
"وأين والدك؟"
"في البيت"
"ألا يعمل؟"
"بلى، إنه يبيع المحارم على العربة"
"وهل أمك تعمل؟"
"لا"
"هل تعمل كل النهار؟"
"أخرج في العاشرة صباحاً وأعود بعد قليل من الآن"
وبكم تبيع في اليوم؟"
"حسب! اليوم بعت ثلاثة عشر كيساً من المحارم وثلاث لفائف أكياس نفايات"
... هي أكياس نفايات تلك اللفائف الداكنة إذاً، قلت لنفسي، ثم سألته: "وما هو ربحك من كل ما بعت اليوم؟"
"أربح مئتان وخمسون ليرة في كل كيس محارم أو لفافة أكياس نفايات"، أجاب بثقة الموقن بحجم وأهمية تجارته.
أجريت حساباً سريعاً في رأسي ملاحظاً حينها أن خطيبتي كانت قد عادت إلى السيارة وجلست تستمع إلى الحديث. توصلت إلى اكتشاف أن أنس قد ربح اليوم في تجارته طوال ثماني ساعات من السير في شوارع المدينة حاملاً على كتفيه الصغيرين كيسين من المحارم وأكياس النفايات مبلغاً قدره أربعة آلاف ليرة، أي حوالي دولارين ونصف... أو أقل قليلاً مما دفعته بعد الظهر أجرة مواقف السيارات خلال تجوالي في المدينة.
لم يحرك أنس ساكناً ولم يقاطعني. ظل واقفاً على مسافة ذراع من النافذة. لا بد وأنه كان يحلم يقظاً بأنني قد أشتري كيسين أو ربما ثلاثة أكياس محارم وربما لفافة أكياس نفايات أيضاً، حينها سيقرر بأن يعود إلى المخيم بما ساقته إليه تجارته، وقد يكافئه والده بأن يدعه يسهر في الأزقة مع أصدقائه وينام حتى الظهر غداً. جميل أن يحلم الأطفال، خاصة أطفال المخيم!
وفيما كان أنس واقفاً ينتظر أمام النافذة، وخطيبتي جالسة تنظر بصمت إلى المشهد، كنت أحاول أن أتدارك الموقف بسرعة. عليّ أن أنتصر على أنس وأهرب بسرعة لكي أنسى ما أنا فيه، قلت في نفسي، فأخرجت ورقة العشرين ألف ليرة من جيبي ومددتها له ليأخذها. ها أنت على وشك أن تستريح وتشعر بغبطة فقد منحت هذا الغلام خمسة أضعاف ما ربحه اليوم وما هي إلا لحيظات حتى تدير سيارتك وترفع الزجاج وصوت الراديو لتحتفل بكرمك وسخائك...
تراجع أنس قليلاً إلى الوراء ورفض أن يأخذ ورقة العشرين ألف! لم يقل شيئاً لكن انتفاضة جسده الصغير أمام اليد التي امتدت "سخية" من النافذة قالت أشياء كثيرة لم تسمعها المدينة التي كانت تضج بالصخب والأضواء. لم أستطع أن أنظر في عينيه. شعرت بقلبي يخفق بسرعة ويدي ترتجف وحيدة وشريدة خارج النافذة، فيما شدت خطيبتي على يدي الأخرى لتؤازرني على تحمل الضربة القاضية التي تلقيت.
شعرت بسيل هائل من الدمع يتهيأ للإنفجار في عيني، دمع قد تعجز محارم العالم كله عن تجفيفه. شعرت بقرف وتقزز من قذارة هذا العالم الذي لا يمكن لكل أكياس النفايات أن تستوعبها!!! تمنيت لو تنفتح هوة تحت السيارة لتبتلعني وتريحني من الوقوف أمام هذا الفتى... الفلسطيني
§
وصـلات:
