عمان - الأردن

  

الإثنين، 3 آذار « مارس » 2003

  


قرارات مؤتمر القمة.. التي تمنينا لو لم تنعقد..

     الوقت يمر.. والعد التنازلي الأمريكي يبدأ.. وقممنا لا تتمخض إلا عن قرارات لا تختلف عن البيانات السياسية لمنظمات محدودة المسؤولية..

والبيانات السياسية إذا كانت غير مقرونة بمواقف تدعم محتواها، فإنها لا تساوي قيمة الورق الذي تكتب عليه، وخصوصا إذا صدرت عن جهات لم تثبت مواقفها أصلا انها تؤثر في الأحداث إلا مرة واحدة عند استخدام سلاح النفط عام 1973، ويبدو ان من في القمة يعتقدون ان تلك غلطة تاريخية لا يجب ان يسمحوا لها ان تتكرر..

قرارات مؤتمر القمة الأخير.. ينقصها عاملان هامان لتأكيد جدية ومصداقية من كتبوها فيما يقولون.. العامل الأول: ما يؤكد انهم يقصدون فعلا ما يقولون.. والثاني: ما يؤكد استعدادهم لفعل شيء لتنفيذ ما يقولون إذا لم يحترم الآخرون قراراتهم.. هذه القرارات التي لو أخذناها واحدا واحدا، لوجدناها مجرد بيان سياسي غير مدعوم بفعل، والقصد منه لا يزيد عن محاولة لرفع العتب عمن صاغوها، وتأكيد عدم المسؤولية الشرعية عليهم، وخصوصا ان بعضها يتناقض تماما مع ما يعرف العالم عنهم.. وبالذات تلك القرارات المتعلقة باشتراك بعضهم مع أمريكا في عدوانها على شعبنا العراقي.. وتقديم كل التسهيلات لها لتنفيذ ذلك العدوان المرتقب.. وفي الحقيقة لو اجتمع عشرون من أطفال الحجارة لأخذوا قرارات أشد قوة.. وأكثر دلالة..

فالقرار الأول المتعلق بالإعراب مجددا عن التضامن مع شعب العراق لا يحمل توضيحا يبين شكل ذلك التضامن فيما لو ضرب هذا الشعب.. وما رأيناه في شوارع العالم غير العربية يعرب عن تضامن أكثر وضوحا وأكثر تأثيرا من هذا القرار, في حين يمنع مصدرو هذا القرار شعبهم من فتح فمه لإعلان رفضه للموقف الأمريكي في أي من العواصم التي يحكمونها بالحديد والنار.. كما ان الإعلان في نفس القرار "أن الوقت حان لرفع العقوبات عن العراق" ما هو إلا كلام صحف للاستهلاك الدعائي لا كلام قمم.. لأن مصدريه يمارسون تنفيذ هذه العقوبات بأنفسهم..

اما التأكيد على أن موضوع نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق يجب ان يكون جزءا من نزع أسلحة الدمار الشامل في المنطقة بما في ذلك "إسرائيل" فإن هذا القرار مضحك فعلا.. لأن مسلكيات من اتخذوه تجاه نفس المسألة على مدى خمسين عاما هي مسلكيات القابلين بوجود تلك الأسلحة عند "إسرائيل". واتخاذ مثل هذا القرار دون ربطه بإجراءات او وعود بإجراءات تتناسب مع عدم احترام الآخرين له، يفرغه تماما من أية أهمية.. وإلا فما معنى كلمة "تأكيد" التي يبدأ بها القرار.. وكان الأجدر بمتخذي هذا القرار ان يقولوا انهم سيتخذون ما يلزم من إجراءات حتى يلتزم الآخرون في العالم بعدم الكيل بمكيالين.. ومصدرو القرار قادرون لو أرادوا.. وكلمة "لو" هي حرف امتناع لامتناع.. كما نعرف.. أي أنهم غير قادرين لأنهم لا يريدون.. والعالم يعرف ذلك.. رغم ان شعوبهم سوف تجعل منهم أبطالا حقيقيين لو فعلوا مثل ذلك.. لا مجرد اصحاب بطولات وهمية لا تتجاوز حدود شاشات التفلزات التي يمولونها ويتحكمون بها.. لتكيل لهم المديح وترفعهم إلى مستوى اللات والعزة وهبل..

أما ما يتعلق بتأكيد الرفض المطلق لضرب العراق أو لتهديد أمن وسلامة أي دولة عربية باعتباره تهديدا للأمن القومي العربي.. فجميعنا نعرف ان مفهوم المجتمعين للأمن القومي في القمة غير محدد ولا موحد.. وأن معظمهم كان وراء تفتيت مواثيق الجامعة العربية المتعلقة بحماية وصيانة هذا الأمن القومي.. وأن ارتباطاتهم بأمريكا أكثر قوة وأمن كراسيهم أكثر أهمية من أمن امتنا العربية.. وإذا كانت إذاعاتهم وصحفهم لا تقول ذلك.. فالعالم يعرفه.. وقمتهم لم تتخذ قرارات تثبت صحوتهم وعودتهم إلى التضامن لحماية هذا الأمن القومي المذبوح على هياكلهم..

وحول تأكيد ضرورة حل الأزمة سلميا في إطار الشرعية الدولية.. نقول ان موقف فرنسا وألمانيا والبرلمان التركي.. أشد قوة وتأثيرا من كل مواقفهم مجتمعين.. وهم يعرفون ان مجرد التأكيد بدون التهديد.. لا يعني شيئا للإدارة الأمريكية المؤججة بالرغبة الصهيونية التي تستغل فرصة وجود رجل سهل القياد مثل بوش لتدمير المنطقة.. التي يتربعون على كراسي الحكم فيها..

أما التأكيد على مسؤولية مجلس الأمن في عدم المساس بالعراق وشعبه وبسلامة وأمن دول الجوار العراقي، فما هذا القرار إلا عنوان واضح للهروب من المسؤولية وتحميلها لمجلس الأمن.. وبرهان على ان ما يصدر عن القمة مجرد بيان سياسي لا أكثر.. وتأكيد للخوف واعتراف بالعجز عن حماية الذات.. وهو إقرار خفي بعجز هذه الأنظمة عن التصدي لأي خطر يهددها نفسها..

وأكثر القرارات مدعاة للعجب، بل مدعاة لاعتبار القرارات برمتها غير جدية، هو القرارالذي ينص على أن شؤون الوطن العربي وتطوير نظمه أمر تقرره شعوب المنطقة بعيدا عن أي تدخل خارجي.. ومصدر العجب هنا، هو ان مصدري هذا القرار هم، تقريبا، الوحيدون في العالم الذين لا يحترمون رأي شعوب المنطقة التي يحكمونها.. ويمنعونها من التعبير عن مثل هذا الرأي.. بكل الطرق، حتى لو في مسيرات سلمية، ورغم تأييدنا لاستنكار هؤلاء القادة لما يسمونه في بيانهم "محاولات رامية إلى فرض تغييرات على المنطقة أو التدخل في شؤونها الداخلية وتجاهل مصالحها وقضاياها العادلة".. إلا اننا نؤكد ان هذه النقطة ستثير ضحك من هم في البيت البيض أكثر مما تزعجهم.. لأسباب معروفة تماما.. تتعلق برجوع معظم هؤلاء إلى البيت الأبيض، بل حتى إلى المخابرات الأمريكية لتشاركهم في صناعة القرارات المحلية.. والأحداث التي تثبت ذلك ما زالت ماثلة للأذهان..

وما يثير الحفيظة في النفس فعلا.. ذلك القرار الذي ينص على التأكيد على امتناع دول الجوار عن المشاركة في أي عمل عسكري يستهدف أمن وسلامة ووحدة أراضى العراق أو أي دولة عربية. وإنني أفضل ترك هذا القرار بدون تعليق.. فأمريكا لا تستطيع ان تفعل ما تفعل، بل حتى انها لن تكون قادرة على حشد جيوشها في المنطقة، لو صدر هذا القرار عن أشخاص صادقين فيما يقولون.. ولا أدري كيف يمكن أن يصل الإستخفاف بعقول الناس إلى هذا الحد..

وتبقى النقطة المتعلقة بالمتابعة.. والتي حملوا مسؤوليتها للبحرين.. التي كلفت بتشكيل لجنة للقيام بالاتصالات اللازمة مع الأطراف الدولية المعنية وعرض الموقف العربي إلخ.. فأقول: مسكينة البحرين.. فقد ذهب كل إلى جحره.. وتركوها في متاهة لا أول لها ولا آخر.. فالدول المعنية التي يراد عرض الموقف العربي عليها تعرف الموقف العربي أكثر مما يعرفه المجتمعون في القمة.. واللجنة المفتوحة لتسجيل من يرغب من الأعضاء فيها ستبقى مفتوحة إلى الأبد.. والزمن يمر.. أما بحث سبل مواجهة التحديات الخطيرة التي يواجهها العراق وما يتهدد الدول العربية من مخاطر واحتمالات وهي الأمور التي كلفت هذه اللجنة ببحثها.. فقد أثبتت القمة نفسها وهي مجتمعة، انها فعلا دون مستوى بحث مثل هذه القضايا، فكيف بلجنة تقودها البحرين؟؟

وأخيرا قررت القمة.. الاستمرار في المتابعة الدقيقة لتطورات المسألة العراقية.. وأقول كيف؟ هل كما نتابعها نحن المواطنين.. من شاشات التلفاز فقط..؟؟ وهل المتابعة هي للجيوش العدوة وهي تتراكم بأسلحتها وتتسمر على الأرض العربية.. وتقيم القواعد والمطارات..؟

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic