|
المعارضة العراقية والحرب على العراق
|
|
|
أخيراً انطلقت الحرب الأنجلو-أميركية على العراق تحت مسمى عملية "تحرير العراق".
عشرة أيام مرت على بدء الحرب وقد طُحنت أدمغتنا وأفئدتنا بالنقل التلفزيوني الحي والأخبار العاجلة وتحليلات القادة العسكريين، عاملين منهم ومتقاعدين من العرب وغير العرب، تلاحقنا صور الصواريخ الذكية والغبية وهي تمعن في تدمير العراق وذبح بنيه، وتتسلل إلى غرفنا خرائط ملؤها الأسهم الملونة ورموز القطعات العسكرية والمواقع الإستراتيجية وآبار النفط، الخ.. حتى ليشعر المرء وكأن هذه الحرب قد اجتاحت كل شيء في حياتنا وملأ دخانها وغبارها كل زاوية من زوايا معيشتنا أينما كنا...
وتجد المعارضة العراقية نفسها اليوم، خاصة مع هذا الصمود الذي يبديه العراق في وجه القوات الغازية، في وضع لا تحسد عليه أبداً. فمن جهة تمني هذه القوى نفسها باقتراب موعد سقوط صدام حسين ونظامه الظلامي وبالتالي عودتها إلى العراق وتسلم مقاليد الحكم فيه (على الأقل هذا ما يحلم البعض به)، فيما هي عاجزة عن إقناع نفسها أولاً، قبل الآخرين، بمدى "الشرعية" الدينية والأخلاقية وحتى السياسية لوقوفها مع القوات الأميركية والبريطانية الغازية، مع الأخذ بعين الإعتبار التاريخ الطويل لهاتين القوتين في محاربة الحقوق العربية ودعم إسرائيل وحتى دعم صدام حسين ونظامه طوال ثلاثة عقود.
وقد أجريت طوال هذه الأيام السوداء العشرة مقابلات عديدة مع رموز هذه المعارضة الموجودين في كل من بريطانيا والولايات المتحدة وخاصة على خلفية ما روّجت له الإدارة الأميركية أثناء تحضيرها لهذه الحرب من أنها آتية إلى العراق لتحريره من صدام الذي اضطهد الشيعة والأكراد وتوقعات استراتيجيو البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي وجنرالات الحرب في البنتاغون أن ينتفض الشيعة في الجنوب العراقي مع أول إطلالة للقوات الغازية وأن يتم استقبال قواتهم من قبل هؤلاء "المحرَرين" بالورد والأرز...
أما وأن شيئاً من هذا كله لم يتحقق، والحمد لله، وبدأ تعثر القوات الغازية للعراق، دون أن يعني ذلك أن الحرب قد انتهت وأن نظام صدام حسين قد صار بمأمن في الأيام والأسابيع القادمة، تجد هذه الرموز العراقية المعارضة نفسها فاقدة لتوازنها وغير قادرة على الدفاع عن موقفها، رغم أنها في موضع الضحية ورغم ما عاناه ملايين العراقيين الذين شرّدهم طاغية العراق في أصقاع الأرض.
ويمكن تمييز ثلاثة مواقف لهذه المعارضة بشأن الحرب الجارية على العراق:
-
مع الحرب على نظام صدام حسين بلا تحفظ – عدد غير كبير من المرتزقة الطامحين للعب دور "قرضايات" العراق القادمين ومعظمهم موجود في أوروبا الغربية والولايات المتحدة إضافة إلى المنطقة الكردية في شمال العراق. وقد تطوع عدد منهم للمشاركة في الحرب على العراق.
-
مع الحرب على صدام وضد احتلال العراق من قبل أمريكا وبريطانيا – معظم رموز المعارضة في بريطانيا والولايات المتحدة. الكثير منهم إنتهازيون يبغون الوصول إلى السلطة والحكم في العراق دون تحمل تبعية الإتهام بالإرتزاق للغزاة.
-
ضد الحرب على العراق من قبل التحالف الأميركي-البريطاني ومع إزالة نظام صدام – عدد كبير من رموز المعارضة في طهران وسوريا إضافة إلى الأكثرية الصامتة من العراقيين داخل العراق. وهؤلاء يرون أن الإحتلال الأنجلو-أميركي للعراق يفوق في خطورته في هذه اللحظة التاريخية الخطر الذي يمثله النظام الباغي على العراق وأهله.
أسباب تخبط المعارضة العراقية بمواقفها من الحرب كثيرة وأهمها:
-
عدم قدرة هذه القيادات، طوال عقدين وأكثر من اللجوء والمنافي، على تبني خط أو برنامج أو تصور واضح للتغيير في العراق يجمع حوله هذه الملايين من العراقيين في الخارج ويتوجه إلى العراقيين في الداخل لتعبئتهم وتجييشهم وتحضيرهم لليوم الذي يحلمون به بالتخلص من صدام حسين وحكمه.
-
فشل هذه القيادات في صياغة إطار توحيدي تنظيمي ما يجمع بين أطرافها التي لا تعد ولا تحصى والتي لا يجمع بينها سوى العداء للنظام، وهو ما يطرح تساؤلاً عما سيكون عليه الوضع بعد زوال هذا النظام – القاسم المشترك؟
-
عدم قدرة معظم قوى المعارضة المختلفة على تقديم نفسها خارج أطر التبعية للقوى الإقليمية والدولية.
يعلم الكثير من هذه القيادات العراقية، وخاصة منها الصادقة والمناضلة التي عانت طويلاً من ملاحقة استخبارات النظام العراقي لها في كل مكان، أن أي تحرك إعلامي أو سياسي في ظل هذه الهجمة العسكرية على العراق سيوصم بالإرتزاق لواشنطن ولندن وهو ما لا يمكنها أن تقبل به بأي شكل من الأشكال حتى لو أدى ذلك إلى حرمانها من أي دور في عراق ما بعد صدام. لذا، يفضل هؤلاء أن ينتظروا جلاء ما ستسفر عنه هذه الحرب في الأسابيع القليلة القادمة لكي يصيغوا تحركهم على ضوء ذلك. ولا يمكن، كما لا يعقل، أن يطلب من هؤلاء بعد كل ما عانوه على يد النظام العراقي أن يقفوا الآن للدفاع عنه.
ورغم ما يبدو عليه هذا الموقف من انتهازية، لكن أحداً لا يستطيع أن يتهم كل هذه الملايين من العراقيين الذين نكّل بهم وشرّدهم صدام حسين خارج العراق بمعاداتهم لوطنهم لمجرد أنهم منفيون منه!
فقد بنى صدام حسين نظامه طوال ثلاثة عقود على جثث مئات اللآلاف من العراقيين، إضافة إلى مثيلها من الإيرانيين في حربه المجرمة على الجمهورية الإسلامية طوال ثماني سنوات (والتي دعمه وشجعه عليها كل المتحمسين والعاملين على الإطاحة به اليوم!) ثم لم يكتف بكل هذا حتى أضاف إلى جرائمه احتلاله للكويت وتدميرها وما جلبه ذلك على العراق من تدمير وقتل وتشريد لعشرات الألوف من العراقيين الذين انتفضوا على نظامه غداة حرب الخليج الثانية، إضافة إلى إقامة القواعد العسكرية الأميركية الدائمة في منطقة الخليج والسيطرة على نفطه بطريقة مباشرة.
لا يستطيع أحد تكهن بما ستؤول إليه هذه الحرب الإستعمارية
الجديدة على المنطقة. كم سيصمد النظام العراقي في وجه الهجمة الأنجلو-أميركية؟ كم ستكون كلفة الحرب البشرية، سواء من العراقيين أم من الغزاة؟ هل ستطول الحرب وتدخل تركيا وأيران كطرفين مباشرين فيها، الأولى للسيطرة على الأكراد في الشمال والثانية لدعم الشيعة في الجنوب؟ ما هي النتائج التي ستترتب على سقوط النظام العراقي ومن سيحكم العراق بعد صدام؟ ما هي تداعيات نتائج الحرب على المنطقة والأنظمة المترهلة فيها وعلى الصراع العربي-الإسرائيلي؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير هي التي تجعل من مسألة الوقوف ضد الحرب على العراق، حتى لو بدا ذلك للبعض من السذّج والأغبياء وكأنه وقوف مع المجرم صدام حسين، خياراً مصيرياً لا يقبل المساومة بالنسبة لجميع العرب (مسلمين ومسيحيين) ومحبي السلام في العالم والذين يرفضون جنون العظمة
ومنطق الهيمنة والسيطرة الذي يتحكم بحكام البيت الأبيض اليوم.
وستعلم القيادات العراقية المعارضة عاجلاً أم آجلاً أن ما سيفرض عليها من الخيارات، من قبل الولايات المتحدة وحليفتها التابع بريطانيا، لن يكون من بينها، بأي شكل من الأشكال، "حرية العراق"!
§
وصـلات:
