الرياض - المملكة العربية السعودية

  

الخميس، 3 نيسان « أبريل » 2003

  


المقاومة: المشروعية الوحيدة فى زمن "اللامشروعية"

" اهداء، الى الشهيد الحي : عبدالعزيز الرنتيسي" 

قبل ستة أشهر، كتبت مقالا فى الرد على مثقف عربي، كان يزعم بأن المقاومة الفلسطينية تسيء الى العرب، وتقدمهم الى العالم في صورة بربرية همجية متوحشة. 

كال المثقف المذكور اتهامات من الوزن الثقيل الى المثقفين العرب الذين يساندون العمليات الاستشهادية ويبررون لها من دون فهم - بحسب رأيه - للظروف التى تملي رفع رايات السلام / الاستسلام فى وجه الذبح. وكان مطلوبا الى الفلسطينيين - كما يرى ذلك المثقف - أن يقابلوا جحيم المجنزرات الاسرائيلية بأطواق الياسمين، وقصف "الأباتشي" بالزغاريد - تعبيرا عن الفرح لا فرحا باستشهاد الشرفاء -، ووحشية الاحتلال فى "جنين" و"بيت لحم" و"رام الله" بتقبيل أيدي الجنود الاسرائيليين، وأقدامهم - ربما - اذا تطلب الأمر !!

شاهدت على احدى الفضائيات العربية قبل أيام، مثقفا عربيا آخرا، شديد الزهد فى عروبته ،شديد الاعتداد بجنسيته الامريكية، تحدث عن "حق بلاده " فى تحرير العراق، وترسيخ الديمقراطية فى ربوعها. رأي ذلك المثقف في قتل المدنيين، وترويعهم، وهدم منازلهم، وجلب الذعر - بل والموت- الى اطفال العراق، نتيجة منطقية لثمن واجب بالنظر الى النتيجة الأعظم، وهي تقديم "خدمة حضارية" الى شعب العراق، بتخليصه من نظام مستبد وإحلال نظام ديمقراطي !!

في المقابل، أتابع عن كثب، مقالات الصحفي البريطاني روبرت فيسك، وتقاريره من داخل بغداد. وتشدني موضوعيته، فهو لا يتغافل عن ديكتاتورية صدام، لكنه لا ينسى أبدا همجية "بوش" ووحشيته !!

وتحضرني صورة "راشيل كوري" !

أتعجب تماما من هؤلاء المتأمركين الذين يؤلهون الولايات المتحدة، ويحاولون قدر جهدهم أن يؤكدوا استحالة مقاومة جبروتها. باختصار، يقولون لنا : استسلموا و" بوسوا الأيادي" وتبركوا بالتراب الذي تطأه أقدامها !!

حين أنتصرت المقاومة الباسلة فى جنوب لبنان، لم يصدقوا أعينهم، والجيش الذي خلقوا منه " أسطورة "، يرحل طريدا، ومكسورا، ومهزوما، بواسطة مقاومة لا يعتد بها فى مجال التسلح والامكانات. غير أنها تتحوّل الى "قوة عظمى" فى مضمار الارادة الحرة، والكبرياء!!

وحين تفجرت الانتفاضة العظيمة ، كتبوا عن ابطالها بشكل غير لائق، ولم يجروء معظمهم على كتابة مصطلح "شهيد" لوصف الذين ضحوا بحياتهم من أجل الدين والوطن. وطالبوا بوقفها بدواعي التحضر والتقدمية !!

هؤلاء، ظنوا أن الشعب العراقي سيهرع من فوره فعلا لاستقبال الغزاة، ورش ماء الورد على وجوههم. خيّل لهؤلاء أن "زمن الهزيمة" سيستمر الى الأبد، وأن المقاومة ضرب من الجنون والحمق!!

هؤلاء يقدسون حق القوة. ولا يؤمنون أبدا بـ "قوة الحق" !!

هؤلاء، ظلّوا على مدى عقود، يزهدون الشعوب فى "الأمل"، ويلقون فى روعها "فلسفة الهزيمة" و"صياغة الانكسار". وباسم الاستنارة والوعي، حاولوا تجريد الأمة من ذرة كرامة. وأراقوا ماء وجوههم أمام الطغاة. تذللوا للنظام السياسي العربي "الهش"، ودافعوا عن حضارة "مزيفة" ستجلبها امريكا فى طيات القاذفات، وقناني الكوكا كولا !!

هؤلاء، أوهمونا بالجثو على ركبنا من أجل أن تقبل اسرائيل التفاوض. وانقشع دخانهم عن فحولة "فكرية" و"جهادية" و" سياسية" مارسها حزب الله، وحركة الجهاد، وحماس. فحولة عملية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، أن الصبي الذي لا يتجاوز العاشرة، قادر على تحطيم الارادة الاسرائيلية بحجر و"ارادة أمة" غيّبها بعض مثقفيها الانهزاميين !!

وأوهمونا بعبادة أمريكا، فتبددت آلهتهم وطاش صوابها، حين تفجرت "ارادة حرة" على نحو فريد في أرض الرافدين، علّمت الأمريكيين أن "الغاية لا تبرر الوسيلة "، وان معارضة "صدام حسين" لا تعني بالضرورة خيانة "الفرات" وتلويث "دجلة" بالعهر !!

وجب على الأمة أن تبصق على وجوه هؤلاء، وتقلّدهم أوسمة وأنواط رفيعة في " التخاذل" و"الخيانة" !!

ووجب عليها أن تتعلم من شعبي فلسطين والعراق، كيف أن "الكرامة" وحدها ترسم آفاق الحرية، وترفع الظلم حين تكون المشروعية الدولية هي "حق القوة" لا "قوة الحق".
 

*كاتب وصحفي سوداني مقيم فى الرياض 

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic