|
موقف الكويت من الحرب على العراق
|
|
|
ليس من شك أن موقف الكويت، حكومة وشعباً ومؤسسات مدنية، لا يمكنه بأي شكل من الأشكال الوقوف إلى جانب أي موقف ينم عن الدفاع عن صدام حسين ونظامه المجرم. ولا يمكن لأي كان أن يلوم الكويتيين على هذا بعد ما عانوه على يد هذا الطاغية حين
اجتاح الكويت، صيف 1990، ودمرها وأباحها لحرسه الجمهوري واستخباراته ينهبونها ويزرعون الموت والرعب فيها.
كما أنه ليس من حق أحد أن يلوم الكويتيين على تسليم أمر الدفاع عنهم للولايات المتحدة الأميركية التي سارعت إلى "تحرير" بلدهم من القوات العراقية الغازية في ربيع 1991، فيما كانت الدول العربية تتخبط في مواقفها وحكامها عاجزون حتى عن تقديم العون المعنوي للشعب الفلسطيني القابع تحت الإحتلال منذ نصف قرن.
لهذا، فإن أي مقاربة للموقف الكويتي من الحرب الأنجلو-أميركية على العراق، أو ما تسميه القوات الغازية بـ"حرب تحرير العراق"، يجب أن تنطلق من هذه الخلفية التي تمثل بالنسبة إلى معظم الكويتيين أقسى تجربة مروا بها طوال تاريخهم الحديث، ولا بد أن يمر وقت طويل قبل أن يستطيعوا إعادة بناء ثقتهم بأنفسهم كما بالآخرين، وخاصة إخوانهم العرب.
لكن ما لا يمكن لأحد في العالم العربي أن يقبله أو يسامح
الكويتيين عليه هو التهجم على الشعوب العربية الرافضة للغزو الأنجلو-أميركي للعراق واتهام كل من يدعو إلى مقاومة احتلال العراق بدعم صدام حسين ونظامه، خاصة وأن الكويت كانت، باعتراف حكامها غداة الغزو العراقي لها، أكثر البلدان العربية التي ساندت صدام حسين وقدمت له الدعم المادي السخي، بمليارات الدولارات، والمعنوي والإعلامي طوال ثماني سنوات من حربه المجرمة على الجمهورية الإسلامية في إيران. ولولا ذاك الدعم الهائل لكان هذا الطاغية ونظامه قد سقطا منذ أمد بعيد وما تعرضت الكويت لما تعرضت له وما عانى الشعب العراقي ما عاناه على مدى العقدين الأخيرين.
أما موقف الشعوب العربية فهو أضعف الإيمان في وجه هذه الغطرسة التي تجتاح العالم كله اليوم من قبل الولايات المتحدة وهو موقف تتردد أصداءه في كل بقاع الأرض، بما في ذلك في المدن الأميركية نفسها.
وأكثر ما أدهشنا نحن أبناء جنوب لبنان، والشيعة اللبنانيين بشكل خاص، هو هذه الحملة الشعواء التي شنتها الأبواق الإعلامية الكويتية ضدنا واتهامنا بالوقوف إلى جانب صدام حسين!!!
لو كان لدى هؤلاء قليل من العلم بما عاناه الشيعة في لبنان، تماماً كإخوانهم في العراق، من ظلم وجور النظام العراقي ضدهم، خاصة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، لما تجرأوا على مثل هذه الإتهامات السخيفة والجاهلة. ولو كان لديهم بعض الحكمة في النظر إلى أبعد من هذه الظروف التي تمر بها هذه الأمة، لما سقطوا إلى هذا المستوى من معاداة كل من يعادي مخططات هذه الإدارة الأميركية المهووسة بالقوة والسيطرة والتي مهما عربدت اليوم فهي لا بد زائلة بعد قليل من السنوات، لحسن حظ شعوب الأرض، بوجود نظام ديموقراطي في أميركا بعكس هذه الأنظمة الديكتاتورية والشمولية الفاسدة على طول العالم العربي وعرضه، والتي لا تزول إلا بتدمير الدولة أو احتلالها.
هل نسي هؤلاء موقف الجنوبيين اللبنانيين، والشيعة منهم خصوصاً، حين اجتاحت القوات العراقية الكويت، فكانوا أول الداعين إلى محاربة النظام العراقي وصدرت دعوات كثيرة إلى إطلاق عمليات المقاومة ضد القوات الغازية في الكويت، على غرار ما كان يقوم به اللبنانيون ضد الإحتلال الإسرائيلي في الجنوب؟ هل نسي هؤلاء، وبهذه السرعة، موقف لبنان، حكومة وشعباً، من الغزو العراقي للكويت، حيث كان رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك الرئيس سليم الحص أول المنددين بالغزو الغاشم والداعين إلى التصدي له وإخراج القوات العراقية فوراً وضمان سلامة وأمن الكويت؟؟؟
وإذا كان بعض السذج والأغبياء في العالم العربي يرفعون صور صدام حسين اليوم في تظاهراتهم ضد الحرب المجرمة على العراق، فلا بد من التذكير أن هذه حالة طارئة على الشارع العربي بينما، ولسنوات طويلة، كانت صورة القائد العظيم صدام، حامي الحمى وصلاح الدين، تفوق صور الأمير وولي العهد تبجيلاً وتشريفاً في الكويت قبل أن تقع الواقعة!
على الكويتيين اليوم أن يعودوا إلى رشدهم ويتصرفوا بشكل يحفظ أمنهم واستقرارهم بعد انتهاء هذه العاصفة. فالموقف الكويتي المتطرف اليوم شبيه إلى حد بعيد بموقفهم أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، ينم عن قصر نظر خطير وذلك بوضع مقدرات دولتهم كلها وبشكل سافر تحت سيطرة الحكومة الأميركية، وهو ما لم تفعله أكثر من 100 مدينة أميركية (بما فيها نيويورك ولوس أنجلوس وواشنطن) التي صوتت مجالسها المنتخبة من قبل الشعب الأميركي ضد هذه الحرب!
وإذا كان البعض من المغالين في انبطاحهم أمام قوة السيطرة الأميركية في الكويت يظن بأن الشعب العراقي، وخاصة أبناء الجنوب الشيعة الذين يحاذون دولة الكويت، سيقيمون المآدب ومجالس الشكر والإمتنان للوزراء والنواب والضباط ورجال الأعمال الكويتيين على مساندتهم للقوات الغازية بعد أن تستكمل سيطرتها على العراق وتنصّب فيها حكومة انتداب ووصاية وتبدأ بتشغيل آبار النفط لصالح شركاتها، وبمساهمة كويتية أيضاً، فإن هذا البعض سيصاب بالصدمة بعد وقت ليس بطويل. والمأساة حينها ستكون أن أحداً لن يكترث لما سيحدث للكويت، لا في العالمين العربي والإسلامي ولا في أوروبا ولا حتى في الولايات المتحدة!!!
رجاؤنا هو أن يتعظ هؤلاء ويكون لديهم قليل من الحكمة خدمة لبلدهم قبل كل شيء. فالكويت محكومة بجغرافية لن يغيرها صعود أمم أو زوالها، ولن يكون باستطاعة كل حاملات الطائرات والبوارج والجيوش الجرارة أن تنزع الكويت من مكانها وتجلبها إلى تكساس أو فلوريدا أو كاليفورنيا!
ستظل الكويت خاصرة العراق وأمنيتنا ألا يفقد الكويتيون بوصلتهم وسط هذه المعمعة...
§
وصـلات:
