الرياض - المملكة العربية السعودية

  

الأربعاء، 9 نيسان « أبريل » 2003

  


يوم أسود فى تاريخ الصحافة

     ليس بوسعي أن أتخيّل كيف يمضي الزملاء الصحفيون من جميع أنحاء العالم فى بغداد، قدما فى تأدية مهامهم الصحفية فى هذا الوقت العصيب بعد "مجزرة الصحافة" التى ارتكبتها القوات الأمريكية فى 8 أبريل الذى أرخ كيوم أسود فى تاريخ الصحافة فى العالم، ففي غضون ساعات حصد الأمريكيون أرواح أربعة صحفيين خلال قصف مركز ومقصود لمكتبي قناة الجزيرة وقناة أبوظبي الفضائيتين وفندق فلسطين. راح الأمريكيون يطلقون نيرانهم باتجاه مناطق تواجد الصحفيين طيلة صباح يوم الاثنين 8 أبريل، وشوهد العشرات منهم يفرون فى كلّ الاتجاهات وهم فى غاية الذعر من مآل مهمتهم الغرائبية التى تحولت فى لمح البصر من رصد الحرب والبحث عن الحقيقة وسط دخان القنابل وأزيز القاذفات وهدير محركات الدبابات والحفاظ على المصداقية الاعلامية الى كيفية الحفاظ على أرواحهم.

ما أقدمت عليه القوات الأمريكية، لا يمكن وصفه بجريمة حرب. فهو أسوأ من ذلك بكثير، جريمة الحرب يمكن كشفها ومعاقبة مرتكبيها، غير أن ما حدث تعدي وحشية جريمة الحرب الى محاولة تدمير الشهود عليها، وطمس أى دليل قد يسمح بفضح أبعادها. ما قاله الجنرال فنسنت بروكس من القيادة الأمريكية الوسطي يضاف الى الأدلة المؤكدة على رغبة الامريكيين المسبقة فى قتل الصحفيين. الجنرال بروكس _ وبأعصاب باردة _ برر قتل الصحفيين بأن "بغداد كلها مكان غير آمن"، وليته أكتفي بذلك، فالجنرال الأمريكي حاول تمرير كذبة مفضوحة حين زعم بأن قواته تلقت زخات من الرصاص من داخل فندق فلسطين ما أجبرها على الرد، غير أن قناة "الجزيرة" كانت تبث مشاهد مباشرة قرب فندق فلسطين فى نفس الوقت الذى يزعم فيه الجنرال أن فندق فلسطين كان يمثل "موقعا عسكريا عراقيا". لم نستطع أن نلحظ أىّ تبادل لاطلاق النار فى المنطقة الواقعة حول الفندق المذكور ناهيك عن محيطه القريب أو من داخل الفندق وهو الأمر الى لا يمكن تصديقه أبدا، لأن بعض الصحفيين الذين قتلوا كانوا بداخل الفندق فهل يعقل أن يبقي مدنيون بداخل بناية تشهد جولات حامية بين الطرفين؟

مذهل فعلا أن هذه الحرب تجري تحت رايات "الديمقراطية " ومذهل أكثر أن يكون الصحفيون الى جانب الأطفال أبرز ضحايا "حرب الحرية" هذه ، اليست "الحقيقة " من بدهيات الديمقراطية؟

لم أتعرف الى الزميل الشهيد طارق أيوب عن قرب، لكنني موقن من أنه كان يؤدي واجبه فقط، ومما توفر لى من مشاهدات لتغطياته، بالمستطاع أن اؤكد نزاهته وحيدته، أما الامر الذى أستطيع قوله دون تردد هو أن مقتل أيوب سيكون علامة فارقة فى تاريخ الصحافة فى العالم، ولنكن صرحاء أكثر حيال الأمر. الصحفيون فى أرجاء كثيرة حول العالم، كانوا هم الأكثر عرضة لوحشية النظم الاستبدادية، والأكثر تضحية خلال الحروب الدامية التى شهدها القرنان الأخيران. جهود هؤلاء الصحفيون، قادت لنوع من القناعة باستحالة استمرارنا على هذا الكوكب من دون سلام. ولا أبالغ عندما أقول بأن المجازفة الكبيرة التى خاضها الاعلاميون هى التى عرّت الحربين العالميتين الأولى والثانية من أىّ وجه انساني، وهى التى جردت عشرات الحروب والنزاعات من أىّ دوافع للخير. وأبرزت على الدوام وجها واحدا للحرب، هو الوجه الكالح الذى تتراجع أمامه كل القيم. نذر هؤلاء أنفسهم لفضح الفساد والاعتداء على حقوق الانسان فى كل مكان ما جعلهم فى مرمي نيران الذين تزعجهم "الحقيقة" ويرهبهم "الضوء"، ولعل التضحية الكبيرة التى قدمها الشهيد أيوب تكون بداية لتصحيح أوضاع كثيرة يعانيها الصحفيون منذ زمن بعيد. كمّ الأفواه، والتهم الجاهزة بالخيانة و"العبث بالاسرار العليا " - وهذه بالطبع تهم شرق أوسطية جاهزة دائما -، لكن الهجمة الآن على الصحفيين لم تعد حكرا على الأنظمة الصدئة "هنا"، فـ"هناك" ايضا تزداد "الحملة على الصحفيين" ضراوة. ويبدو أن العالم كلما ازدادت علاقاته تعقيدا، وكلما اضحت مصالحه متقاطعة مع الحقيقة والعدل والقيم الانسانية، مارس أنواعا كريهة من القمع والترويع على من يتصدون لكشف الحقائق مثلما حدث فى بغداد. هذه التطورات الجدية بشأن حقوق الصحفيين التى تجاوزت الاعتقالات والاهانات الى القتل، تتطلب وقفة حقيقية من كل الصحفيين الشرفاء فى انحاء العالم للتصدي لهذه الظاهرة المرعبة التي سنتها الادارة الأمريكية فاتحة الباب أمام حكومات أخري ستجد ذرائع قوية وشهية مفتوحة للتنكيل بالصحفيين. المطلوب، هو ممارسة نضال عظيم فى سبيل فضح الاستهانة الأمريكية الواضحة بحقوق الصحفيين، بل والمطالبة الصارمة بمعاقبة الذين اصدروا الأوامر لقتل صحفيين، والتفكير جديا فى محاسبة البنتاغون فى محكمة جرائم الحرب الدولية، وهى دعوي قانونية لا شك ان واشنطن ستلتف عليها، غير أن مجرد تحرك الصحفيين فى هذا الاتجاه، سيغيّر من واقع الصحفيين تماما، وسيضع حدا للمجازر التى ترتكب بحقهم.وعلى الصحفيين العرب - بالذات - تنشيط هذا الاتجاه، لأن الزميل الشهيد طارق أيوب لم يكن الضحية الأولي، فقد سبقه عدد من الزملاء الشهداء الذين قضوا نحبهم أثناء تأدية واجبهم فى الأراضي المحتلة. ان لم يحدث هذا، فان عدد الضحايا سيكون مرتفعا فى الاراضي المحتلة فى الفترة القادمة.
 

*كاتب وصحفي سوداني مقيم فى الرياض 

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic