أوسلو - النروج

  

الخميس، 10 نيسان «أبريل» 2003

  


عزت الغزاوي يترجل عن فرسه الفلسطيني

     ترجل عزت الغزاوي عن فرسه الفلسطيني ليلتحق بركب الشهداء، في زمن استشهاد المدن والعواصم والبلاد العربية، وفي زمن موت القيم والمبادئ وانهداد الهمم وانحطاط الأمم.

رحل الكاتب المبدع، والإنسان الهادئ الفهيم، وصاحب العقل المنير والقلب الكبير، الأكبر من حب الحبيب للحبيب، والأطرى من عود اللوز، والأقوى من أهوال العوز، والأمتن من صخر الدنيا والأنقى من ماء النهر، والأصفى من موج البحر. كأنها الجمعة الحزينة والكبيرة حلت، يوم رحيله.

نعم يا صديقي، إنها أحزَن جمعة في سنتنا الحالية وأكثرها دمعًا ودمًا. دمع عليك وعلى الرشيد الذي يهان في بغداد، ودم لأجل دير الغصون والبيرة والموصل وكركوك وكل الكتب التي نهبت من جامعات مدينة العلم. دمع على رحيلك، ودم وغضب على الغوغاء والأوباش الذين يدنسون طهارة مدائن العراقية. هؤلاء يا صديقي هم أحفاد هولاكو، يجولون اليوم في أحياء الرصافة والكرخ، ويتطاولون على قامة المنصور، ويدنسون نقاء الرشيد.

أظنك كنت تبكي بغداد قبل اغتيالها احتلالاً وسلباً ونهباً، وكنت تبكي العروبة المتمترسة خلف أوهام وسراب "الحرية للعراق"، وكنت تجمع الدماء والدمع هدايا من فلسطين الانتفاضة لبغداد المستباحة.

فيا عزت الجميل، هل فكرت قبل أن تنام بأسراب الطيور المهاجرة في نيسان من بلاد العرب إلى ذاكرة النسيان؟

هل نمت كي لا تقوم مرة ثانية، وبعد أن عرفت أن الموت يريد الحد من هزائم العرب بقتلهم بالسكتة القلبية؟ 

إنها أزمنة الهوان العربي وأوقات العهر السياسي المتربع على جدول أعمال كل الذين جعلوا المال الخاص فوق المال العام، والطموح الشخصي فوق الحق والعدل والمساواة والإيمان والمبادئ والقيم والولاء للجماعة التي تسير بهدي من وهج الحق والإيمان بأن العمل يكون من اجل الأوطان ولأجل الأمة وفوق الشخصنة والخصوصيات.

رحلت يا عزت فأرحت قلبك من سكتة القلب القادمة، من رؤية سقوط عاصمة الخلافة، ومن مشاهدة العلم الأمريكي يرتفع أعالي المباني وسيارات الناس في بغداد. أرحته يا صديقي من رؤية الذين يجمعون في صدورهم حقد سنوات الظلام على كل من ناصر ويناصر العراق لأجل العراق، وعلى كل من عادى ويعادي العدوان والغزو لأنه عدوان وغزو واحتلال. 

فالاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق مثله مثل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان، بل أنهما يكملان بعضهما البعض، واحتلال العراق يعني بداية الزحف على أراضي ما بعد الخلافة وعلى ما تبقى من عروبة، مهما كان نبضها خافتاً في القلوب العربية الصامتة. 

بغداد استشهدت أيضًا بالسكتة القلبية ولم تقبل أن تكون مفتوحة الصدر للصوص وأوباش الغزو وتوابع العدوان والاحتلال. فضلت الموت على طريقتها بدلا من الموت بفعل الاحتلال وما نتج عنه من التمزق والتشتت وغياب القيادة وانتشار الانحلال وسيادة الفوضى وتغييب النظام، وكل هذا وذاك يحدث بفعل خطة أمريكية تريد إظهار الشعب العراقي وكأنه مجموعة من الأقزام والغوغاء والرعاع واللصوص الذين ينهبون المال العام ويحطمون ويحرقون ويسرقون وينهبون كل ما يجدونه في الطريق.. 

إنها المهزلة يا أخي، وقد أراحك الله من رؤيتها لكنه لم يرح "اوغاد المرحلة" من مشاهدتها وهم في قصورهم يعدون لما بعد العراق من نفاق، ويجهزون أقلامهم للتوقيع على معاهدات جديدة تسمح للتغيير بفعل الاحتلال أن يسمى تحريراً، وللفوضى السابحة في بحر الدماء والقابعة تحت رحمة الغوغاء بأن تسمى حرية، جلبها الأمريكان وقدموا من أجلها دماء العراقيين.

هكذا تكون يا صديقي عزت الحرية المستباحة والعدوان المتخفي بثياب السلام والغزو، بعد أن استبدل معطفه الأبيض بخيم جديدة تذكرنا بخيمة صفوان.. 

لن نسألك لِمَ الرحيل يا أبا رامي، فقد ترك القلب، الخافق حبًا للحياة وللحرية، الموتَ يختطفك في لحظات التعب والعجب وبفعل السكتة القلبية. وقد تكون يا صاحبي هي بغداد التي آلمتها هامة المنصور المكسورة فيها أن تسمع خفقات قلبك المجروح بغدر سكاكين الزمن العربي الرديء، فساعدتك على تحمل سقوط بلاد العرب بلدًا خلف بلد، فهي شاهدتهم وهم يدوسون أحلام عبد الله الفلسطيني وعلي اللبناني وسمير ابن الجولان السوري وحسين العراقي، وشاهدتهم وهم يحرمون العربي من التعبير عن عروبته، حيث حولوا جنة العربي المضيئة إلى جهنم حارقة وصادروا الخطوات والرسائل التي لم تصل بعد، لكنهم لم يتمكنوا من مصادرة خطواتك ورسائلك التي وصلت لكل فلسطيني وعربي، لأن رسائلك هي رسائلنا كلنا ورسائل كل عربي يطمح بالحياة حرًا سعيداً في وطن عربي موحد وحر وسعيد. 

نحن اردنا هذه الحرية نظيفة، لكنهم أرادوها أوحالا للعروبة الحالمة بعزتها، فكانت الوحل الذي يغطي أنظمة هذا الزمن، وكانت الوحل الذي دهم حبك فأبى قلبك أن توسخه خيانات الأخوة والأشقاء وسماسرة الحلفاء والأصدقاء، ففضل الترجل عن فرس الحياة والحرية على الانحناء للريح الأمريكية الاستعمارية. 

العزة للذين أعزوا الدنيا بإبداعهم، ولعزت الغزاوي الفقيد حبنا الأبدي ووعدنا له بمتابعة الطريق المشترك والصعب حتى استعادة الحق الفلسطيني وبناء دولة الحب والحرية والحياة.

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic