أوسلو - النروج

  

السبت، 24 أيـار «مـايو» 2003

  


صحوة وصرخة الأهالي في عين الحلوة

     توقف القتال في مخيم عين الحلوة بعدما حصد ثمانية قتلى من الجانبين وجرحى بالعشرات منهم مجموعة من المدنيين، كما أنه خلف وراءه أضرارا كبيرة في المنازل والمحلات التجارية.وقد أفاق سكان المخيم ومنهم بالذات سكان الأحياء التي تعرضت للأضرار جراء الأشتباكات وهي أحياء الصفصاف وطيطبا وعكبرة وغيرها ليسدوا الشارع الفوقاني في المخيم بالإطارات والحجارة والاعتصام هناك لعدة ساعات، قطعوا خلالها الطريق احتجاجا على خراب بيوتهم وطلبا للتعويض من الفئات المتقاتلة. وهذا بحد ذاته حق طبيعي لكل مواطن صاحب مسكن أو متجر تعرض للضرر بسبب الاقتتال البغيض، الذي حصد أرواح الناس وكلف الجرحى والخراب الكبير في الممتلكات.

فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن جل الناس في المخيم هم من الفقراء والعاطلين عن العمل بسبب الظروف المعيشية وطبيعة الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها لبنان وتمر بها المخيمات الفلسطينية ونتيجة لسياسة الحصار والقوانين التي تمنع الفلسطينيين من ممارسة أو مزاولة مهن كثيرة في الجمهورية اللبنانية.بما أن هؤلاء الناس كانوا المتضرر الأول من تلك المعارك الجانبية المفتعلة والتي لا يحق لأي كان التبجح بأنها كانت من أجل ترتيب الوضع الأمني في المخيم ومحاربة الفاسدين والمخربين والمجرمين، باعتبار أن هذا الكلام لا يعدو عن كونه مزايدة وكذب ودجل واحتيال على أدرى الناس به، وهم سكان المخيم.

فالذي أعطى الموافقة على عملية اغتيال الشريدي وتصعيد الوضع في المخيم، هو المسئول عن التصعيد وعن نتائج الاقتتال وما حل بالمخيم وأهل المخيم من خسائر وأضرار نفسية ومادية ومعنوية. فلولا عملية اغتيال عبدالله شريدي ومصرع المدنيين الأبرياء الذين كانوا في مكان حدوثها لحظة الجريمة، ثم تعنت قيادة فتح ورفضها السماح لعائلات ضحايا العملية بتشييعهم ومن ثم قيام عناصر فتح المسلحة بإطلاق الرصاص على جنازة الحاج أبو محمد فرهود وحجز المشيعين في المسجد، لما كانت اندلعت المعركة الأخيرة، و لكانت أنقضت القضية بلفلفة مخيمية تنتهي عند تلك العملية الفاشلة. لكن كان ملاحظا بوضوح حدة اللهجة التصعيدية التي كان يتحدث بها قادة فتح وبالذات العميد سلطان أبو العينين، وقد أطلق مجموعة من التصريحات -التهديدات- التي يتحمل مسئوليتها شخصيا وتتحمل مسئوليتها بشكل عام قيادة المنظمة ورئيسها الذي يعتبر المسئول المباشر عن أبو العينين. ومعروف أن بقاء الأخير في منصبه من عدمه معلق بشخطة قلم من الرئيس الفلسطيني. نعتقد أنه آن الأوان ليشخط الرئيس أبو عمار بقلمه على أسم سلطان أبو العينين بعدما أثبت أنه ليس أهلا لقيادة المنظمة أو فتح في إقليم لبنان وبأنه يقف وراء الأحداث الدموية الأخيرة في عين الحلوة، حيث أفرزت تلك الأحداث شرخا عميقا داخل حركة فتح نفسها والتي برزت فيها تيارات قوية تعارض سياسة أبو العينين والمحسوبين عليه داخل إطار القيادة الفتحاوية بلبنان، كما أثبت فشله في معالجة وضع مخيم عين الحلوة مما زاده تفاقما وخطورة.

لم تكن اللهجة التصعيدية لجماعة أبو العينين آتية من فراغ فهناك من يقول أن عناصر فتح الذين يتبعونه وصلوا إلى عين الحلوة بسلاحهم رغم الحواجز ووجود الجيش والأمن اللبناني. وهنا يبرز سؤال ملح: من سمح لهؤلاء بالدخول إلى عين الحلوة للمشاركة في المعركة الأخيرة ولماذا؟ هل لأن كفة المعركة مالت للجماعات الإسلامية المتشددة، خاصة بعدما قام ثلاثة من أهم ضباط فتح في عين الحلوة بالوقوف ضد توجهات قيادتهم المحلية؟!

فقد أعلن العقيد منير المقدح قائد ميليشيا فتح في لبنان رفضه للاقتتال والمشاركة به وألتزم الحياد وحاول التوسط والتدخل لدى الطرفين لوقف القتال. وفعل الشيء نفسه المقدم خالد الشايب. أما المقدم جميل زيدان فقد رفض المشاركة في العمليات وحلت سريته المسلحة بقرار من قيادة فتح، أما هو فقرر ترك حركة فتح نهائيا وغادر عين الحلوة ليستقر خارج المخيم.

وهذا معناه أن الذين افتعلوا المعركة لم يجدوا مساندة من قادة فتح في عين الحلوة سوى العقيد خالد عارف والرائد ناصر سلايمة، الذي قتل بدوره مع كامل مجموعته في الاشتباك الأخير. هذا إن دل على شيء فأنه يدل على أن الوضع العشائري والعائلي وتوازناته في عين الحلوة ظل أقوى من روابط الانتماء لحركة فتح، لأن الذين عارضوا قيادتهم كلهم من أبناء المخيم أما الذين شاركوا في المعركة فكانوا من خارجه.

المهم في هذه الجولة من المعارك الجانبية التي لا تخدم سوى أعداء فلسطين ولبنان والانتفاضة والمقاومة والأمة العربية، أنها جاءت في وضع إقليمي ودولي حساس جدا ومهيأ لكل الاحتمالات التي لا تحمد عقباها. لذا وجدنا من قام بربطها بخارطة الطريق وبالطريق الأمريكي الذي تسلكه هذه الأيام معظم الدول العربية وكذلك منظمة الأمم المتحدة، فالأخيرة شرعت بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي التابع لها احتلال العراق من قبل الأمريكان والبريطانيين.

في ظل هكذا وضع عالمي معقد وأوضاع إقليمية ومحلية أكثر تعقيدا يحق للسكان في مخيم عين الحلوة المطالبة بالتعويض وتصليح ما تضرر من مساكنهم وبلسمة جراحهم والتعجيل في ذلك. أما المخيم وسكانه الذين علموا الغزو الصهيوني وعملائه دروسا تاريخية في القتال والتحدي والصمود والشهادة والتمسك بالمقاومة والحقوق العادلة وأهمها حق العودة إلى فلسطين.فهؤلاء هم من سيحاسب كل من يتسبب في زعزعة أمنهم وتخريب حياتهم التي لا ينقصها وليست بحاجة للمزيد من الخراب فهي أصلا حياة على هامش الحياة. هؤلاء سيعاقبون كل الذين تسببوا في تدمير وخراب ممتلكاتهم وزيادة حياتهم تعقيدا ومهانة ومذلة.

نعتقد أنه يتوجب على المنظمات الإنسانية ووكالة الأونروا التدخل والقيام بمسح للأضرار وكشف مدى الخسائر التي لحقت بالناس وممتلكاتهم وتقديم تقرير بذلك لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية وللقيادات الفلسطينية المختصة، والمؤسسات الدولية والإنسانية التي يمكنها مساعدة السكان على استعادة حياتهم الطبيعية وتصليح ما تضرر من ممتلكاتهم. وعلى المعنيين بالأمر من الفلسطينيين وخاصة قيادة المنظمة وفتح وعصبتا الأنصار والنور الأخذ بعين الاعتبار أن أهالي عين الحلوة الذين دفعوا ثمن تلك الأشتباكات هم أول من سيقف في وجه هذه القوى مجتمعة في حال عادت الأطراف وكررت تلك الأشتباكات في المخيم. أما الذين حرضوا عليها وهم مختبئون في أماكنهم بعيدا عن عين الحلوة فهؤلاء ليسوا أيضا في أمان ويد القانون والعدالة و الشعب تستطيع أن تطالهم أينما كانوا.لكن الشعب يريد الآن من المسئولين عنهم محاسبتهم أو إقالتهم من مراكزهم القيادية التي يستغلونها لتأجيج الخصومة والنزاعات بين أبناء المخيم الواحد والشعب الواحد.ويكفينا هنا نقل كلمات المواطن أبو محمد قاسم (70 عاما من حي طيطبا في مخيم عين الحلوة): "الساكت عن الحق شيطان اخرس ونحن لن نسكت لأننا نرفض بشده ما جرى في المخيم لأنه لم يخدم سوى إسرائيل وعلى من خرّب أن يعمّر والحق على الناس التي لم تخرج إلى الطرقات لحظة اندلاع المعارك".أما المواطنة نهاد أبو الهيجا فقالت متحسرة " الشباب يستشهدون في فلسطين وهنا نقتل بعضنا،لقد تم إذلالنا في المخيم من قبل المسلحين".

أما القتيل المدني الوحيد في الاشتبكات الأخيرة وهو حسين قاسم فقد انتظرت جثته طويلا حتى وجد أهله من يسلفهم تكاليف قبره في مقبرة مدينة صيدا بحيث يكلف القبر 500 ألف ليرة لبنانية.مات محمد قاسم بريئا وضحية من ضحايا حرب الأخوة الأعداء،وترك وراءه طفلا رضيعا،فمن سيعيله؟ 

وبينما عاد المتحاربون ليمارسوا حياتهم بشكل عادي وطبيعي وجد الأهالي أن خسائرهم كبيرة وقدرت بأكثر من 100 ألف دولار، وذلك بحسب اللجنة الشعبية لمخيم عين الحلوة.فمن يتحمل المسئولية؟

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic