ديربورن، ميشيغان - الولايات المتحدة

  

الأربعاء، 4 حزيران «يونيو» 2003

  


سِمفونية شخوصٍ تحكي دواخلها بلا "رَوتشةٍ" ولا "دَوزنة"

     جهاد بزي كاتبٌ صحفيٌّ شاب، لم يُصدر بعدُ كتاباً واحداً وقد يمرّ وقت ٌ قبل أن يتعرّف النُقـّاد عليه فيوسعوه تشريحاً وتجريحا أو يقف أمامه صفٌّ طويل من المعجبين والمعجبات ينتظرون توقيعه على إصدارٍ جديد... لكن، من يتابع كتاباته في جريدة "السفير" يعرف أن ذاك الصّبح ليس ببعيد!

ولأن جهاد لمَّـا يزل مغموراً في دنيا الكتابة، ونجماً لا يراه إلا الذين يعرفونه أو يقعون صدفةً على واحدة من مقالاته، فيُدمنونه، ولأنني لا أدّعي عِلماً أو خبرةً بحرفةِ النّـقد الأدبيِّ وأصوله ومبادئهِ، إلا أنني أتذوّق بشغفِ جُلّ ما يكتبه "إبن الضيعة"، وددتُ أن أتعرّض لهذه الكتابات من باب التحريض والإستفزاز فقط - تحريضه واستفزازه هو لتسريع ذاك الصُّبح وتحريضكم أنتم، السادة القرّاء، ألا تفوّتوا فرصة متابعة هذا النجم الذي يمرّ أحياناً أمام ناظريكم دون أن تنتبهوا لبريقه الأخـّاذ!

حسناً، قد لا يبدو ذلك سبباً كافياً للكتابة عن جهاد بزي، لكنني، ومع كل مقالة يكتبها، أجدني مستنفراً أمام الشخصيات التي يحيكُ علاماتها الفارقة بحسٍّ مرهفٍ يجاور به كبار الكتاب والرسامين... كأن ما يبدعه هذا القلم الشاب سمفونية شخوصٍ تحكي بصدقٍ دواخلها بلا رَوتشةٍ ولا دَوزنة...
 

**********

... ها أبو ريتا، بائعُ الطرب والابتسامات والـ "يا" نصيب.. مارون.. إبن الدركيّ المغدوشيّ.. اللاجئ من حروبنا إلى إنطلياس.. يحملُ عودَه الأسودَ وقبعته القشّ وتسعةً وخمسين سنةً من العمر ويمضي، جارّاً خلفه حبلاً من طَربْ، بانتظار مراهقةٍ سمراء تأتي فتغمضُ عينيها وتحلم بفارسها ثم تضع ألف ليرة في علبة المغني وتتوارى على كرسيّها النقـّال...

... ها بيروتُ.. سيّدةٌ مهذبة كسولٌ مستلقية باسترخاءٍ حذِرٍ على كرسيِّها ويغمر الماءُ الأبيضُ المتوسّطُ رِجليها فيما تغلّفُ شفتيها ابتسامةٌ رقيقة للعابرين...

... ها إبنة العاشرةِ، فوق كتفي رجلٍ تحت جسر فؤاد شهاب تقودُ هتاف المتظاهرين ضد الحرب.. وأطفال "غراس" لا زالوا خائفين.. والمراهقُ "الساخر" - له الحقّ- يبقى في المكان حتى نهاية الحفل.. وصبيةٌ ترقص، فخورة بخطواتها، على غناء "شحادين يا بلدنا" في ساحة الشهداء...

... ها متولي، يذبحُ أخته شفيقة التي "مشت على حلّ شعرها" ويتجوّل في المدينة المكتظة بالكرة الأرضية دون أن يرى تمثال حريتها.. ويسأل الصديق "نوري"، اليهودي المسكين، عن أخته التي تعيش في "فلسطين"، فيما صديقه التاجر لم يذب تماماً في صحن الحساء.. "كأنني كنت هنا".. كأنني لا أزال هناك...

... ها حليم، واثقُ الخطوةِ يهبط من "أهواك" إلى حارة حريك، يوقّع أوتوغرافات المراهقات الحالمات في محطة البنزين قبل أن تتلاشى رومانسيته ورقّته حين يصفع، "خاسئاً"، تلك الفتاة الصغيرة التي بللته بالماء غيرةً من رفيقاتها "الناضجات" الهائمات بالعندليب الأسمر...

... ها وسام، يغالب شعوره بذنب لبنانيّته في المخيم الشبابي في سبلين ويبحث في المكان المؤقت عن انتماءٍ وقدرةٍ على البكاء وعن فرحٍ ما كونه فلسطيني.. وملاك خالد تنكأ ذكريات جدها "علي المتوالي" في حيفا.. وعصفور أميمة الخليل أوقفه الأمن العام في المطار بدون جواز سفر ورفض طلبه باللجوء إلى.. عين الحلوة...

... ها علي، ضخم الجثة وخريج حقوق لم يتدرّج، يرفع شارة النصر لحظة خروجه فائزاً بالفيزا من عوكر بعد يومين من انتهاء خدمة العلم.. وبعد قليل على المشهد، يقفز إلى مساحة ضيقة بين الجدار وبين الطاولة، يرقص بانفعال وهو مغمض العينين، يضرب الأرض بقبضته، يبكي، ويسحب من تحت الكنبة فردة شحاطة يصفع بها رأسه: بدي روح على لبنان.. 

... ها "لادا"، حزينة، غريبة وباردة لا تلمسها أحلام أحد.. وحيدة تقف بين فاجرات معسكر الغرب.. مكسورة الخاطر جرّدها الزمان من شبابها وتركهاعارية من كل كبريائها في خضم مجون "بييل"...

... ها عصفورٌ أحمر، يملأ عينان عربيتان غريبتان لذة بتشرّب الألوان ببطء.. يقف متشاوفاً بريشه الأحمر القاني يراقب الشارع العتيق والباص الأصفر وأولادٌ عرب يتراكضون على العشب الأخضر وفي ظهورهم شنطهم الملوّنة.. عصفورٌ أحمرٌ مستوطن قبل كولومبوس وفورد في المكان ولا يدرك سر العينين اللتين تقيمان مقاربة "بين مكانين"...

... ها نديم، يصرخ في زبائنه السود المسحوقين والعاطلين عن العمل في مكان لا يرى الشمس.. يمضي ليلة أخرى خلف الزجاج الواقي من الرصاص في محطة البنزين في ديترويت.. كل شيء أسود.. أو بن لادني... لهذا يقرر فجأة الهجرة من أميركا إلى كندا، ثم ينفخ دخان نرجيلته الأبيض السميك في فراغ المكان...

... ها "نحن"، في المساحة الممتدة بين المحيط والخليج، نكرر المشهد المجترّ للتظاهر الذي يفيض عنفواناً.. نغضب.. نهتف.. نتوعّد.. لا نبكي.. ولا نعترف.. نتظاهر تنفيساً عن كبتنا.. يأخذنا الإنفعال فننهال بالضرب على الشارع.. نطيح برؤوس الأعداء من خلف كتفي "الوالد" ثم حين يقول لنا عودوا إلى بيوتكم، نعود إلى بيوتنا.. حرام "نحن"...

... ها "هو"، لم تتغير ملامحه ولا غربته الحزينة.. يقرأ رسالة اطمئنانك إلى كروية الأرض، كما تقول فيروز، وإلى أنكما ستلتقيان.. 

... ها "هي"، تلوذ بصمتها وتقترب وما من قمرٍ لسمائها.. تتوزّع بين السرير والمرآة والماء وعيني أمها قبل أن يتلاشى آخرها على باب البيت فيما تبحث في دفتر يوميات مراهقتها عن أغنية أوقعتها بهوى عبد الحليم...

... ها "أنا"، أحاول فك الرموز في الحكاية الصعبة.. أمارس طقوساً لا أفهمها.. أدّعي حزناً وخيبة.. أصاب بالإحباط فأغادر، تماماً كما دخلت، بعد أن حلّ حيران رابعاً ولم يبق في ذهني غير صهيل المتفرجين في الشوط الخامس ومارسيدس الوزير وقد رمى منها "سعادته" ورقة على الأرض...

... ها صَيدُ الحُزن الثمين، يمشي بثقلٍ على حافة رصيف المُتحف، مثلُ عدوىً، ويمسح دمعاً وصمتاً على الذي ترك البيت آخر مرة... وأُجبر أن يصير مفقودا...
 

**********

     فيروز أم غيفارا.. سلحفاة أم فتاة.. خمسينية تحمل إشارة "قف" وسط الطريق أم مراهق يلطم صدره ويندب بالإنكليزية في عاشوراء ديربورن.. يستطيع جهاد بزي أن يرسم بروفايلاته بأسلوب محتشد بالمشاعر والألوان والتفاصيل التي لا نتوقف عادة لنراها فيما تلتقطها عيناه وتحفظها قبل أن يحيكها قلمه قصة مرهفة فيها بعض ملامحه الخجولة الصادقة...

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic