بعد قليل على وصولي الى المكتب، التقيت بزميلتي البرازيلية في الرواق، فبادرت مبتسمة: “أتعرف، حين كنت أصعد الدرج قبل قليل، شممت رائحة “تين”، فعرفت أنكَ قد مررت للتو من هناك”!
اتسعت ابتسامتي! كدت أهمُّ بشكرها على هذا “الاطراء” وأشرح لها ان تلك الرائحة قد تكون مزيجا من التبغ الذي أدخنه وعطر “الدولتشي كابانا”... لكنني شعرت بخدر “التين” يجري فجأة في دمي... أحسست كمن يتمدد على طاولة في غرفة الجراحة بعد لحظات من حقنه بإبرة “بنج شامل” وقد بدأت ذرات المورفين باجتياح خلاياه كجحافل النمل في الحقول بعد حصاد تموز... أحسست بشفتيّ تلتهبان وتنتفخان من حليب التين... بيديّ الصغيرتين تحاولان كوزا “مشقحا” على طرف غصن فوق تينة أبي “الشموطية”... برجليّ تعانقان الغصن الكبير كما لو كان جسد امرأة... بعيني تبحثان بنهم عن عسل يقطر من كوز نقره دوري عاق هذا الصباح قبل وصولي... شعرت بروحي تتقافز على أوراق التين الوارفة المعرّقة كوجه جدتي، ثم تهدأ قرب “عجرة” تتهيأ للشمس كي تلفحها وتلقّحها بحرِّها وسكّرها العذب...
قلت: “شكرا”، ثم مشيت كالمسحور الى مكتبي المطل على شارع “فان بورن” حيث كان عمال البلدية يصلحون الرصيف الذي أعياه الثلج والملح في الشتاءات الطويلة.
§
وصـلات:
