مجدل شمس - الجولان السوري المحتل

  

الثلاثاء، 17 حزيران « يونيو » 2003

  


 ليس هكذا تورد الإبل يا سادة

     منذ ان ابتكر مصطلح النكسة الحزيرانية التي عصفت بالوطن والامة العربية عام 1967، مراعاة لان تخدش مشاعرنا الوطنية والقومية ويصيبها الإحباط واليأس الذي كان الأعداء المستعمرون يخططون له، ونحن ما بين مد ومد نحو الوراء والتقهقر والاستسلام فرادى وجماعات، وبتنا نتحدث عن نكسة حزيران كهزيمة عربية شاملة لن تزول آثارها مهما ابتكرنا لها من مصطلحات وتسميات، لأنها حقيقة كانت الهزيمة المعنوية الكاملة التي أفقدتنا الرغبة في محو أثار الهزيمة والعدوان. ورحم الله طيب الذكر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وهو يعلن ان مصر والامة العربية لن تهدأ حتى تمحو تلك الآثار العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية الناجمة عن هزيمة جيوشنا ودولنا في حرب حزيران عام 1967.

ان انقضاء ثلاثة عقود ونصف منذ الهزيمة العربية في الحرب، واعلان الهزيمة الرسمية للنظام العربي في الحرب الإجرامية ضد الشعب العراقي أكدت لنا نحن أبناء الأراضي العربية المحتلة، في فلسطين والجولان، ان رغبة التحرير لم تعد قائمة في أذهان القادة العرب، ولم تعد قائمة أيضا على جدول أعمالهم حتى صيانة ما تبقى من الكرامة العربية التي تتخثر دمائها على ارض فلسطين يوميا، وعلى ارض العراق العظيم، وعلى تلك الأجزاء العربية السورية المتبقية تحت الاحتلال في الجولان.

ان شعبا يقاوم تحت الاحتلال لن يحقق أهدافه ما لم تتوافر له سبل الدعم والإسناد، وهذه حقيقة لا جدال فيها، ان كل أموال الدعم والمساندة لن تفي بأي شكل من أشكال الصمود ان لم ترصد لبناء بدائل اقتصادية واجتماعية وزراعية وصحية وتعليمية للوضع القائم الذي يكون غالبا تحت هيمنة المحتلين وأعوانهم.وفي تجربتنا الجولانية المتواضعة أسباب عديدة دفعت بجماهير شعبنا الى الصمود والتشبث بالأرض والدفاع عنها بالإمكانيات البسيطة والقليلة.التي كانت متوفرة بعد انسحاب أخر جندي سوري نحو الوراء في هزيمة 1967.واهم تلك الأسباب ان الجولانيين قد عانوا الويلات جراء اضطرارهم الى هجر بيوتهم وقراهم ومزارعهم أثناء مقاومتهم للمستعمر الفرنسي، وقبلها أثناء حرق قراهم اكثر من مرة على أيدي القوات التركية التي استعمرت أرضنا لاربعة قرون متواصلة.وقد شكلت تجربة تهجيرهم وطردهم السابقة سببا للصمود والتشبث بالأرض مهما بلغت التضحيات، ولم تكن حينها على الإطلاق أسباب الصمود نتيجة لدعم أو توجيه أخر سوى أيمانهم بصدق انتمائهم لهذه الأرض المعطاءة وهذه الأمة العظيمة.

ما يستدعي منا سرد مقدمتنا هذه هو تسليط الأضواء على الأولويات الوطنية والقومية، ورصد أشكال وأنماط واليات عمل قومية ليكون لدعمنا لصمود الأرض المحتلة معايير أخلاقية، واسباب تربوية تحمي نفوسنا من أوبئة الفساد واستغلال الفوضى الناجمة عن هستيريا الدعم والإسناد.

في تاريخ 28 /8/من العام 2001 اصدر سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 42 للعام 2001" والقاضي باعتبار المعلمين والمستخدمين والوكلاء العاملين الدائمين في مدارس الجولان العربي السوري المحتل قائمين على راس عملهم، يستفيدون من الترفيعات الدورية المحددة في القوانين النافذة، ومن الزيادات في الرواتب والأجور التي صدرت للعاملين في الدولة قبل نفاذ هذا المرسوم ان تلك اللفتة الوطنية المباركة من قبل الرئيس تستحق الثناء والشكر والاحترام لو انها ترافقت مع رسم سياسة وطنية تجاه الأرض المحتلة لتعزيز ما تبقى من صمود في نفوس الجولانيين الذين تحولوا مع استمرار الاحتلال الى سوق استهلاكية كبرى في الاعتماد الهائل والرئيس على ما تنتجه السوق الرأسمالية الإسرائيلية، والى مجرد مجتمع يعتمد ويرتبط في كل شئ على الاقتصاد الإسرائيلي فمثلا : أي مواطن عربي يعمل لدى شركة أو مؤسسة إسرائيلية حكومية كانت أم خاصة، يفصل من عمله مباشرة ان تغيب عن العمل في المناسبات الوطنية والقومية والنضالية، ومئات الجولانيين فقدوا مصدر رزقهم لتلك الأسباب وهم اليوم عاطلون عن العمل أو عاملين في موارد اقتصادية أخرى لا تتناسب أجورها وجدول غلاء المعيشة الهائل. والآلاف المزارعيين الذين صودرت أراضيهم واقتلعت بساتينهم وفقدوا مدخراتهم السنوية في المحاكم الإسرائيلية التي ثبتت مصادرة أراضيهم، دون أي تعويضات ، وانضموا الى جيش العاطلين عن العمل.والمئات من أبناء الجولان اكتويت أجسادهم بنار التعذيب، وفنيت اجمل سنوات عمرهم وشبابهم في غياهب السجون والمعتقلات،لسنوات طويلة، وخرجوا كأشباه البشر، تنخر الأمراض والآلام أجسادهم، وتكوي سياط المحتلين جلودهم، وتتعثر حياتهم بحثا عن مصادر للعيش الكريم.

لقد تكرمت القيادة السياسية في الوطن الام سوريا على توفير سبل لدعم الاهل في الجزء المحتل من الجولان، وتعزيز صمودهم، فكانت المنح الجامعية التي استحقها ابناء الجولان للدراسة الجامعية في الاتحاد السوفياتي سابقا، وكانت المنحة التي أصدرها الرئيس الراحل حافظ الاسد لطلبة الجولان، وتعليمهم مجانا في الجامعات السورية، وصرف مستحقات شهرية لهم، وكذلك تسهيل زيارة رجال الدين من الارض المحتلة للقاء عائلاتهم في الوطن بعد غياب قسري طويل فرضه ليل الاحتلال الغاشم.اضافة الى العديد من البرامج التربوية والسياسية والإعلامية التي رصدت لدعم صمود الأهل في الجولان المحتل، وان كانت بسيطة وركيكة جدا إلا أنها شكلت خطوة في الاتجاه الصحيح.

ولكن ليس هكذا تورد الإبل، ان شعبنا العربي السوري العظيم في الجولان المحتل قادر على تخطي مستحيل الاحتلال، وعراقيله وحواجزه، وسياسته، ومعتقلاته ولكن ان كان الحديث يدور عن صرف مستحقات مالية للتعويض عن الاضرارالتي لحقت بأبناء الجولان فالأجدر بنا أيها السادة العمل أولا واخيرا على تعويض الجولانيين بفتح منشات ومؤسسات ومجمعات طبية وثقافية وزراعية واقتصادية وتعليمية، وحزبية وسياسية، تكون هي البديل الوطني والقومي عن كل تلك الأضرار الناجمة عن الاحتلال، وتكون في نفس الوقت أساسا وطنيا للتواصل والاستمرارية بين أبناء الوطن، وابناء الأرض المحتلة في الجولان. فكل بيت، وكل طفل، وكل شاب وشابة تضرر كثيرا من ممارسات الاحتلال، ولم يقتصر المتضررين على المعلمين فقط الذين كانوا لوقت طويل عاملين في جهاز حكومي تصرف له المستحقات والتعويضات العديدة التي لن نتناولها هنا. ولا بد لنا هنا من ان نتساءل بعجب شديد، ما الذي دفع الإعلام الصهيوني الى الاهتمام والتركيز على مسالة التعويضات التي تقدمها الحكومة السورية الى أبنائها في الأرض المحتلة، ولماذا تساءل الإعلام الإسرائيلي عن مستحقات الاسرى والمعتقلين والعمال والفلاحين والتجار أليس من اجل إثارة الفتن والدسائس، وإثارة النعرات والخلافات والحساسيات بين الجولانيين أنفسهم وبينهم وبين حكومتهم في دمشق، واليس اهتمام البعض من قصيري النظر وسيئ الموقف في طرح موضوع التعويضات والمستحقات المالية من حكومتهم في الوقت الذي تشهد الساحة الجولانية التبعثر والانقسام.

ان التجربة اللبنانية والفلسطينية ما زالت تتوهج أمامنا، في كيفية خلق البدائل، وكيفية البناء الوطني رغم انف الاحتلال وأعوانه.ان تسليط تلك الأضواء على ما يدور من أحاديث ومشاريع، وما سمعناه عن وقف التعويضات للمعلمين والمعتقلين والشهداء والجرحى ومجاهدي الثورة القدامى من أبناء الجولان يجب إعادة دراسته من جديد، والعمل على وضع الأولويات أولا وعلاجها، والعمل بكل صدق واخلاص وروح بالمسؤولية على خلق البديل الوطني لكل متضرري الاحتلال، وتجنب الدوافع التي تخلق هستيريا مرضية،تكون بدالية لانحطاط أخلاقي وسياسي وتنقل نضالنا الوطني العريق، وكفاحنا السياسي الطويل الى عنق زجاجة يتقاذفها المحتلين وأعوانهم.

والله من وراء القصد
 

* ايمن ابو جبل، أسير سياسي محرر من سجون العدو

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic