Send E-mail to Writer
أيمن أبو جبل
  

مجدل شمس - الجولان السوري المحتل

  

الأربعاء، 26 تشرين ثاني « نوفمبر » 2003

  


الانتقام والشيطان

     في مقابلة أجرتها مجلة "المقاومة"، لسان حال حركة المقاومة السرية السورية في المعتقلات الإسرائيلية، مع الشهيد القائد عمر محمود القاسم، قبيل استشهاده بعدة اشهر في معتقل عسقلان، أجاب عن سؤال وجه له، كيف تجمع بين السعادة والأمل في ظل واقع الألم والحرمان بعد انقضاء إحدى وعشرين عاما على اعتقالك؟

وكانت أجابته واضحة تشرح حقيقة الواقع الاعتقالي في السجون الإسرائيلية، بعد تجربته الاعتقالية الطويلة. حيث قال:
"لا مجال للمقارنة بين حياة الأسر الصهيوني مع غيره من أماكن الأسر. فهو أشبه بمعسكرات الإبادة النازية، التي أبادت بسرعة نسبية جماعات بشرية مختلفة... أما الأسر الصهيوني فهو بهدف إبادة شعب، من خلال القضاء على مقوماته التاريخية، والثقافية، والنفسية بالتدريج، والقضاء على هويته السياسية، وافراغ الإنسان من محتواه الوطني والقومي، وجعله ميتا مع وقف التنفيذ، أو مجرد رقم في سلسلة الأرقام. ان المأساة ، تكمن في وجود محتل منافق أطلق كذبة كبرى، ويحاول تجسيدها على كافة الصعد. ولكنني كأسير أدرك قوانين حركة التاريخ، وواثق بالنصر المحتم. فان نظرتي المتفائلة بالمستقبل جعلت السعادة ترافق المأساة، بل وتجعلها ثانوية. فالسعادة تكمن في النضال ضد المأساة، وضد الألم، وضد أولئك الجلادين. وعلى مدار عشرين عاما، وجدت ان ساحة السعادة في حياة الأسر أوسع واعمق من ساحة المأساة، من خلال النضال الجماعي، والعلاقات الأخوية والرفاقية المخلصة، التي افرزها الواقع النضالي والبطولي في مختلف الساحات الاعتقالية".

بين سمير القنطار، عميد الاسرى اللبنانيين، والشهيد عمر محمود القاسم " مانديلا فلسطين" علاقة تجسدت بالدماء، والذكريات، والأوجاع على مدار سنوات طويلة ، بينهم ومجموع الاسرى والمعتقلين العرب، منذ ان وطأت أقدامهم السجون الإسرائيلية، ووزير حرب الدولة العبرية، المقبور "موشيه ديان" الذي قال " لو قدر لأولئك المعتقلين بان يخرجوا من أسرنا، لخرجوا عالة على أوطانهم". علاقة تحكمها معادلة الصمود والتحدي والإصرار.

ان المعتقلات الإسرائيلية التي تنعدم فيها شروط الحياة الإنسانية بأدنى حدودها، استطاعت بناء أكاديميات في الفكر الثوري والتقدمي والنضالي، وتخريج عدد كبير من القادة والمفكرين الذين امتشقوا النضال سلاحا، ضد الظلم والقهر والاحتلال، فيما فشلت الأهداف الإسرائيلية في إفراغهم من انتمائهم، وفكرهم وارادتهم، وجعلهم عالة على شعبهم ومجتمعاتهم، رغم تشوه أجسادهم، وتفشي الأمراض المزمنة الناتجة عن سنوات الأسر الطويلة، واستشهاد العديد منهم...

لكن الحرب هي حربا سياسية، معنوية ونفسية واجتماعية، وليست جسدية فقط، انتصر فيها معتقلينا واسرانا على جلاديهم، وهم في عقر دارهم، وفي قبضتهم. ومن هنا نستطيع ان ندرك أسباب الرفض الإسرائيلي لتحرير سمير القنطار، الذي ما زال ينتظر، ساخرا، وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي "مناحيم بيغن" الذي وعد انه سينتقم منه بانتقام لم يخترعه الشيطان بعد". وأي انتقام يردع، أو يثني هذا الأسير الخاص جدا، الذي تحول بفضل صموده، وقيادته المميزة لنضالات الاسرى والمعتقلين الى علم من أعلامنا الوطنية العربية، داخل المعتقلات وخارجها. ويخطئ قادة هذا الكيان ان اعتقدوا بأن إبقاء سمير القنطار أو أحدا من رفاقه داخل الأسر الإسرائيلي سيجعله نادما، أو جاثيا، أو باكيا.. فهو كما اعتاد ان يقول " السجن لي مرتبة، والقيد لي خلخال، والمشنقة يا آخي أرجوحة الأبطال".

فلا عجب ان يكون سمير القنطار إحدى مفاصل الصراع بيننا وبين هذا الكيان، في إحدى حلقاته النضالية التي فرضتها المقاومة، وتمسكت بها، ومعها مجموع عوائل الاسرى اللبنانيين والسوريين، الذين أعلنوا بصوت واحد، رفضهم إتمام أي صفقة تبادل لا تشمل سمير القنطار. هذا التناغم الوطني والإنساني والثوري، الذي جمع مختلف اللبنانيين، مع عوائل الاسرى السوريين من الجولان المحتل، الذين ينتظرون عودة وتحرير أبنائهم من الأسر الإسرائيلي، بعد انقضاء تسعة عشرة عاما على احتجازهم بتهمة الانتماء الى المقاومة ضد المحتل، بعكس الواقع الإسرائيلي، المشتت، والمتصارع، حيث عوائل الجنود منقسمة على نفسها، تتسابق في رفض الصفقة أو إتمامها، وتكيل الاتهامات والاستجداءات المختلفة. الأمر الذي يعكس، خلوها من ركائز أساسية في معادلة الصراع، "إرادة الصمود والتحدي، والقناعة الراسخة بالحق. فجنودنا في الأسر الإسرائيلي، هم جنود وطلاب حق مغتصب، يمتلكون الإرادة والقناعة بحتمية انتزاع الحق والنصر. وجنودهم، مرتزقة، مجرمون، يقتلون بغير حق الأبرياء والأطفال، كل أجسادهم ملطخة بالدماء، وليست أياديهم فقط. جنود المقاومة تدافع عن أبرياء، وبيوت، ومزارع وأوطان... وجنودهم تدافع عن أسطورة بذيئة، تتأكلها ممارسات قادتهم المجرمين .

وتبقى المعادلة هي معادلة صمود الارادات داخل المعتقلات، وتحقيق حالة سمو الذات، وتسامي الجماعة المنظمة اعتقاليا وفصائليا، ونضاليا، على اكتساب المنجزات المعنوية والصحية والحياتية، والعلاقات الأخوية والرفاقية داخل المعتقل. وهذا التواصل الخارق الذي انتزعه الاسرى من جلاديهم، مع ذويهم وشعبهم ومقاومتهم وثورتهم، رغم الحصار الأمني والسياسي الإسرائيلي المطلق حولهم. فالاختراق الأمني لأجهزة إسرائيل المتفوقة لم يعد مستحيلا ما دامت قوة الحق تترسخ في الوجدان والميدان .
 

* ايمن ابو جبل، أسير سياسي محرر من سجون العدو

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic