Send E-mail to Writer
عدنان برجي
  

بيروت - لبنان

  

الخميس، 5 كانون ثاني « يناير » 2004

  


 التباين الأميركي – الأوروبي: هل يستفيد منه العرب؟

     غداة انهيار الاتحاد السوفياتي، تبدلت معطيات دولية كثيرة، فأميركا سعت لصياغة القرن القادم (الحالي) بنظام عالمي يخدمها ويفرض مصالحها ومفاهيمها على مصالح ومفاهيم الآخرين، وسعت ولا تزال الى بسط سيادتها على دول العالم وشعوبه بحيث لا تترك مجالاً لأي كلام عن استقلال أوطان، وسيادة دول وحريات شعوب، وقد عبّر فرنسيس فوكوياما كاتب "نهاية التاريخ" في تصريح الى "الاورينت برس" عام 1992 عن هذا الاتجاه بالقول "لقد حققنا في اميركا أكبر انتصار مع نهاية القرن العشرين: ابادة الشيوعية وسحق العراق، ولا أحد يشك الآن في أن أميركا هي زعيمة العالم. نحن الأقوى والأعظم".

ان كلام فوكوياما، الذي تحول الى سياسات يومية عند الادارة الأميركية الحالية يناقض كل الكلام الأميركي عن السلام العالمي ونصرة حقوق الانسان، وحرية المصير ونبذ الحروب، وتصفية العنصرية..

وذلك يشكل مدخلاً فكرياً وثقافياً لتباين الموقف الاوروبي عن الموقف الأميركي. فأوروبا التي شهدت تحرر العالم ابان القرن العشرين من استعمارها القديم أيقنت أن الشعوب المحررة لا يمكن لها أن تعود مرة آخرى الى القمقم الاستعماري، وبالتالي فهي لا تجد في السياسة الأميركية الاستعمارية سوى مشروع فاشل لن يكتب له النجاح على المدى الطويل وان حقق بعض الانتصارات في المدى القصير، وقد ترجم هذا التباين الأميركي – الأوروبي مراراً في النظرة الى دور الأمم المتحدة، فيما اوروبا تطالب بدور أكبر للأمم المتحدة في الصراعات القائمة فان اميركا تعتبر نفسها المرجعية الدولية وليست هيئة الأمم..

لقد سعت اميركا الى تعميم فكرة سقوط الصراع الأيديولوجي بين الشيوعية والديمقراطية الغربية لتوهم المجتمعات أن الغرب واحد بقيادتها متناسية او متجاهلة الصراعات القومية والحضارية بين الأمم.

غير أن أوروبا أدركت أن بداية القرن الواحد والعشرين تحمل في طياتها صراعاً قارياً بدل الصراع الأيديولوجي الذي ساد في النصف الثاني من القرن الماضي، لذلك راحت تزيد من سعيها الى التوحيد الإقتصادي أولاً ثم الى التوحيد السياسي ثانياً مما يجعل منها منافساً اقتصادياً ثم سياسياً للولايات المتحدة الأميركية.

ولأن منطقة الشرق الأوسط تحتل موقعاً استراتيجياً على الصعد الجغرافية والاقتصادية والسياسية وحتى الحضارية فان التنافس الأميركي – الأوروبي راح يتبلور ويزداد وضوحاً في هذه المنطقة سيما وأن الادارة الأميركية الحالية فاقت كل سابقاتها في احتضان الكيان الصهيوني الغاصب، فأميركا قررت نقل سفارتها من تل أبيب الى القدس فيما الاتحاد الاوروبي لم يحذو حذوها.. وأميركا رحبت بصعود اليمين الصهيوني المتطرف بقيادة نتنياهو أولاً، ثم بقيادة شارون الجزار حالياً، فيما الاتحاد الاوروبي كان يفضل حزب العمل الذي وقع اتفاقيات اوسلو ووادي عربة مع الفلسطينيين والأردنيين.

وأميركا التي أعلنت عن خارطة الطريق مع الاتحاد الاوروبي وروسيا، ساهمت في تقويض هذه الخارطة حين راحت تدعم شارون في محاولاته اليائسة للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية، فيما أوروبا لا تزال تعلن تمسكها بهذه الخارطة، وهي لذلك لم ترض بعزل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كما رغبت الادارة الأميركية، وحتى طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا، الذي شارك الى جانب جورج دبليو بوش في غزو العراق، اتخذ موقفاً متقارباً مع الاتحاد الأوروبي تجاه الفلسطينيين أكثر من تقاربه مع حليفته الادارة الأميركية.

ان الإختلاف في الموقفين الأميركي والأوروبي، لم يعد مجرد تحليلات صحفية أو تسريبات ديبلوماسية بل اصبح سياسة معلنة ومقلقة للأميركيين، مما دفع بفرنسيس فوكوياما الى التساؤل عما اذا كان "الغرب" حقاً مفهوماً متماسكاً.. لقد كان المفترض في رأيه أن تكون نهاية التاريخ مكللة بانتصار القيم والمؤسسات الغربية لا الأميركية فحسب، على نحو يجعل من الديمقراطية الليبرلاية واقتصاد السوق الخيارين الوحيدين القابلين للاستمرار.. إلا أن صورة عميقة باتت تفصل بين الاوراكين الاميركي والاوروبي للعالم.

هذا الإختلاف الأميركي – الأوروبي يفتح نافذة أمام العالم الثالث وقواه الحية لأن تستأنف مسيرة التحرير فتضافر جهودها لخنق الاستعمار الاميركي الزاحف تحت يافطة محاربة الارهاب، من خلال محاربة الاسلام والمسيحية لصالح الصهيونية المسيحية التي ترى في الدماء العربية التي تسيل فوق ربى فلسطين يومياً تسريعاً لعودة "المسيح" الذي يؤمن به اتباع هذه الصهيونية المسيحية ومنهم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وقبله الرئيس رونالد ريغان.

والمسؤولية الكبرى تقع على عاتقنا نحن العرب، فإذا توحدنا، توحدت من حولنا قوى كثيرة في العالم الثالث أولاً، وفي اوروبا ثانياً، واذا ما استمر تفرقنا فإن خطراً حقيقياً يهدد الاستقلالية الأوروبية نفسها.

لقد نجح جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي في استغلال لحظة التباين الأميركي الاوروبي فتخلص من الاستعمار القديم, فهل للعرب ان يستفيدوا من التباين الأميركي الاوروبي حالياً، في ظل تصاعد المقاومة العراقية ضد المحتل الأميركي، وتواصل الانتفاضة الفلسطينية ضد آلة الحرب الصهيونية؟

ان الأوروبيين يحتاجون العرب لضمان مصالحهم لا سيما في النفط، والعرب يحتاجون الأوروبيين لتخفيف الاندفاع الأميركي الاستعماري، مما يسهّل لقاء المصالح.. وللوصول الى ذلك لا بد من استراتيجية عربية تتولاها الدول العربية الرئيسية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا وكل تأخير في رسم وتنفيذ هذه الاستراتيجية يطيل أمد الاحتلال الصهيوني في فلسطين وأمد الاحتلال الأميركي في العراق ويزيد التهديد الاسرائيلي والأميركي لسوريا والمملكة العربية السعودية ولبنان ومختلف الاقطار العربية.
 

** مدير المركز الوطني للدراسات (لبنان)

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic