Send E-mail to Writer
إحسان شرارة
  

بيروت - لبنان

  

السبت، 20 آذار « مارس » 2004

  


 معكِ يطيب لنا هذا العيد ..

     صدقيني يا أمي ان كبار السن عادوا صغارا في هذا اليوم وشاركوا أطفالهم أفراح العيد، وحلموا مثلهم ان يسابقوا نداوة الفجر ويسعوا جذلين الى أمهاتهم صباح هذا العيد الميمون... وفرح الكبار لا يعرف الصغار معانيه، فهو ليس ثيابا جديدة، وجيوبا منتفخة، وهدايا متنوعة، ولا لهوا او لعبا... انه وعي لرحلة العمر، ويقظة المقلب الآخر، وصيد تجارب أيام شح زيتها، وبقايا ذكريات طاولها الوهن، وأضاعت رواء العافية، ونضارة الشباب، وأدركت وفهمت بعمق ان الأم هي الحضن الدافئ، والقلب الحاني، والطهر المصفّى. والحب الغامر، والرباط المقدس الذي يجمع ويوحّد... 

ها نحن يا أمي جئناك مع أبنائنا وأحفادنا وقد عُدنا كلنا أمامك أطفالا... تصوري اننا رغم بياض شعرنا، وتجاعيد وجوهنا، واهتزاز أيدينا، ووقار أعمارنا ما زلنا نطمع بقبلة ندية تطبعينها على وجناتنا، وضمة حانية تفرح افئدتنا، ولمسة دافئة تسعد كياننا، ودعاء حار يهدي وجعنا، وتمتمات رضية تلفنا ببركاتها وتأخذنا الى عوالم مسحورة الرؤى، عابقة بالايمان والسكينة!!... 

ها نحن يا أمي تحلقنا حولك وأحطناك بنبضات قلوبنا وأهداب العيون، ورأيناك في وسط الدائرة تغمريننا بنظراتك الحانية وتشيعين الدفء والمحبة فيشعر كل منا ان يديك امتدتا اليه، وأدنتاه منك وضمّتاه الى حنايا الضلوع ومهجة الفؤاد ورعشة الكبد.... وأتساءل يا أمي ويأخذني الصمت كيف اتسع ويتسع قلبك لهذا الكم الفريد من المحبة العظيمة لنا ولكل الناس... وكيف استطاع ويستطيع ان يختزن هذا الفائض الدافق من حب الخير والإيثار، وكيف تمكن بذلك الصفاء النادر من الانتصار على حب الذات والحقد والبغضاء؟!... وأنا لا أكاد أذكرك يا أمي إلا مأخوذة بايمان الزاهدين، وورع الاتقياء، تصلين الليل بالنهار عابدة قانتة، متبلة، مشددة الى الخير والصلاح. 

... في هذا اليوم مع قدوم الربيع وانبعاث الحياة يتوجه الناس زرافات الى أمهاتهم، فيسعد كثيرون بهنّ وتغمر الأفراح نفوسهم وديارهم... وفي هذا اليوم يتألم كثيرون ويتوجعون لأنهم بعيدون عن أمهاتهم لألف سبب وسبب... وفي مثل هذا اليوم يبكي كثيرون، يبكون بصمت وينشجون في داخلهم لأنهم فقدوا أمهاتهم اللواتي خلَّفن بعدهن الأسى والأحزان والآلام... 

... وأحلى ما في هذا العيد يا أمي انك ما زلت بحمد الله حضننا الدافئ وملجأنا المحبب وملاذنا الأثير...

(نشرت في جريدة السفير)

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

 
 

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic