Send E-mail to Writer
خليل الصغير
  

ديربورن - الولايات المتحدة الأميركية

  

السبت، 3 نيسان « أبريل » 2004

  


في المكان...

 

     هل يمكننا، بسهولة، الخروج من عالمٍ وُلدنا وربينا ونضجنا فيه، وابتنينا في أحضانه عالمنا الخاص بكل علائقه الأسرية والإجتماعية وبتفاصيله الصغيرة التي تبدأ برائحة فنجان القهوة على الشرفة ولا تنتهي بأحلام اليقظة على الوسادة أو بالتأمـّلِ في مكان يملأه البحر بهديره النابض؟

بالطبع لا!

أيضاً، ليس من السهل أبداً علينا أن نعيد تركيب عالمنا الخاص في مكانٍ آخر تكاد تفاصيله لا تشبه في شيء تلك التي "انسلخنا" عنها لكي نكون مع من نحب أو لكي نحقق حلماً أو هدفاً أو نغير واقعاً لم نستطع أن نغيّره في المكان-الأم...

إن صراخ الطفل لحظة الولادة هو فعل تفجّعٍ على "اضطراره" للتخلي عن رحم أمه. ورغم إيماننا بالحياة الآخرة بعد الموت، قليلٌ منا من ينشد التخلي عن رحم الدنيا إلى ما بعدها... كل مكانٍ-رحمٍ يفترض التخلي عنه درجة من التفجّع والإحساس العميق بالخسارة التي قد لا تعوّض...

على أن المكان، في تفاصيله الكبيرة والصغيرة، أكبرُ كثيراً من الجغرافيا التي تحدده، وإحداثياته، التي قد تبدأ بزوايا المنزل أو بحدود الوطن، تتمدد بأبعادها باتجاه فضاءات الرؤى والأحلام والأماني ومساحات الخيال التي لا تُحدّ...

لذا، وعلى الرغم من أن تعريفه بالمفهوم العقلي يقتضي تحديده وتأطيره، فللمكان أبعادٌ أرحب كثيراً مما نراه ونلمسه مباشرة وأي محاولة لاختزاله، أو سجنه، بحدود الملموس لا بد وأن تصطدم باستحالة ذلك...

يقول الشاعر العاملي موسى الزين شرارة مخاطباً المحتل:

إسجن وشرّد ما عليك غضاضةً         أنـّا يكونُ الليثُ فهـو الغـابُ

... حتى السجن يمكن أن يصير مساحة حرية إذا ما تحررت الروح من حدود المكان الملموس، فيما يقبع الكثير منا داخل سجونِ ذواتهم وخلف قضبانٍ لا يرَونها لكنها تطبق على صدورهم وتخنقهم ببطء ثقيل؟؟؟

إذاً، ما هي حدود المكان الذي نرغب بالعيش فيه، بين الرحم الذي انسلخنا مجبرين عنه لحظة الولادة والقبر الذي سنأوي إليه في نهاية الزمن المقدّر لكل منا؟

في حدود الزمن الشخصي، الهارب منا كحبيبات الرمل بين الأصابع، لكلٍ منا مكانه في المكان... لكلٍ منا خياره وحريته باختيار حدود المكان الذي نرغب بالإقامة فيه وبتحديد أطره... ليس من مكان صحيح ومكان خطأ... كل أماكننا واحد - دوائر نرسمها على رمل الزمن ثم لا تكاد تزول مع نهاياتنا، واحدة تلو أخرى، ليرسم القادمون في مطارحها دوائرهم-أماكنهم...

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic