Send E-mail to Writer
وضاح جمعة
  

بنت جبيل - لبنان

  

السبت، 10 نيسان « أبريل » 2004

  


 بيوت بنت جبيل

     منذ فترة زمنية طويلة، وكلما مررت ببيت قديم مبني بالحجارة والطين او ماشابه، اشعر بتلك الرهبة وحب استكشاف ذلك العالم الذي مضى والذي يحمل في طياته حكايات واحاديث اصبحت في زمننا اشبه بالاساطير، وكم هي السعادة كبيرة عندما امر ثانية واجد ذلك البناء في طور الترميم، لاقف وأحدق في ذلك المشهد الذي يصاحبني عدة ايام.

هذه المحبة هي التي دفعتني الى تصوير العديد من البيوت في بلدتي بنت جبيل والتي اغلبها تعيش في حالة شديدة من الاهمال والضياع نتيجة 23 سنة من الاحتلال الاسرائيلي وما رافقه من هجرة واغتراب، وليصبح عندي هواية جديدة لجوجة هي تصوير البيوت القديمة، قبل ان تتحرك جرافات الحداثة وثقافة التغريب والعولمة.
 

بين التاريخ.. والتغيير

     بيوت بنت جبيل وازقتها وساحاتها التي كانت حجرية قبل ان تستبدل بالاسمنت والزفت، مسكونة لحد الان بالتاريخ، غارقة في الصمت تحت غبار النسيان والجهل، بعض بيوتها يعود جزء منها الى مرحلة القرن التاسع عشر، عاشت هذه البيوت مع تطور مستمر يتناسب مع تطور الحياة وتوفر الامكانيات والمواد لتطويرها.

المساكن في الماضي كانت بسيطة ومتواضعة فكثير من البيوت كانت تبنى من كتل حجرية متجانسة مشذبه تجلب من محاجر قريبة يتعهدها اناس من اصحاب الاختصاص. اما شكل البيت فيأخذ في اغلب الاحيان شكل مستطيل يتكون من غرفة او غرفتين مجاورتين او اكثر، اما السقف فكان يصنع من الاخشاب واغصان الاشجار وفوقها طبقة من البلان توضع فوقه طبقة من التراب الاسود والطين الممزوج بالقش، ليصل سماكة السقف الى المتر، وكان يشترط صيانته كل عام، وعقب اول تساقط للامطار في منتصف ايلول او تشرين أول والتي كان يطلق عليها في بلادنا "مطر الصليب"، يهرع اصحاب البيوت الى سطوحهم مستخدمين المحدلة التي هي عبارة عن حجر اسطواني الشكل بقطر يتراوح بين ال 20 – 30 سم وطول بحدود النصف متر، وهذا الحجر مثقوب من جانبيه يركب من خلاله " الماعوس" الذي يستخدم لجر المحدلة فوق تراب السطح بغرض "الرص" لاغلاق التشققات التي حصلت بفعل التمدد والتفسخ الناتج عن حرارة الصيف.

اما السقف الاكثر تماسكا فهو ما يعرف "بسقف الريش" الذي هو عبارة عن حجارة مرصوفة بشكل دقيق ومحكم قائم على عقود وهذ السقف قادر على حمل بناء اخر في اغلب الاحيان يكون من غرفة واحدة تسمى "العلية". اما الجنود المجهولين، ارباب هذا الفن، فكانوا من معلمي البناء المحليين ابناء البلدة بالاضافة الى عمال مهرة من مدينة صفد الفلسطينية الذين شاعت خبرتهم ووصل نشاطهم الى النبطية. علما ان هذا النمط من البيوت بعضه ما زال قائما الى حد الان، وهو الذي يحتاج الى عملية تصنيف وترميم وتوعية لسكانه من تأثير اغراءات الاسمنت.

في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي بدات بنت جبيل تشهد نهضة عمرانية نتيجة لوصول المال الاغترابي من ابنائها المهاجرين الى افريقيا واميركا، فظهرت بعض منازل القرميد الذي بقي محدودا واقتصر على بعض الميسورين، وتغير نمط بناء البيت فبدأ يأخذ اشكالاً اخرى فظهر المبنى "الرواق" او "الممشى" يزين بقناطر جميلة مطلة على الخارج، و"الايوان" الذي هو عبارة عن غرفة مفتوحة على الخارج تدخل منها الى الغرف الجانبية، والمنزل ذو "القاعة المركزية".. اما العامة من الناس فبدات تدريجيا بتغيير سقف المنزل الترابي واستبداله بسقف من الاسمنت، واستبدلت الاخشاب والاغصان بجسور من الحديد. وخاصة بعد زلزال 1956 م وكثرت البيوت ذات الطابقين مع بقاء الحجر الصخري مسيطرا على هذه الابنية حتى بداية الستينات.

وشملت عملية التغيير الساحات العامة والحارات الداخلية فأختفت الطرقات المبلطة بالحجر ليحل محلها الزفت، وحل محل القنديل و"اللوكس" عامود الانارة. ومع الاجتياح الاسرائيلي في 1978 تعرضت البلدة لقصف الطيران الاسرائيلي الذي اعقبه نسف العديد من البيوت ومنها القديم القيم، فحل الدمار والخراب والتهجير زمن الاحتلال لتعود البلدة بالنهوض مجددا مع شمس ايار – 2000 ولتشهد نهضة عمرانية تمثلت بمئات البيوت الحديثة التي زرعت على تلال البلدة، على الرغم من التقدم البطيء في خدمات البنى التحتية.
 

الحفاظ على الأثر

     المحافظة على الاثر التاريخي وصيانته ضرورة مهمة يقوم بها المجتمع المتحضر، باعتبار هذا الاثر وثيقة تاريخية تمثل مرحلة سابقة تبقى للاجيال المتعاقبة، ومن باب الحفاظ على الذاكرة والوفاء للاجيال الماضية التي صنعت هذه البيوت بالاعتماد على البيئة المجاورة فاكتسبت خصوصية محلية وهوية ثقافية لمجتمعنا، وبعيدا عن جبروت الالة وهيمنة المفاهيم والادوات الحديثة العالمية المستوردة، لا بل من خلال العمل اليدوي الشاق ومن خلال تكاتف ابناء البلدة.

هذه العمارة البسيطة بنسيجها المتواضع وانسجامها البيئي هي في حالة انسحاب تدريجي من حياتنا المعاصرة دون تدوين او توثيق، حالها حال الحرف والصناعات والفنون اليدوية التي اختفت او في طور الاختفاء، دون ان يلتفت لها احد.

انطلاقا من هذا المفهوم وجهت بلدية بنت جبيل كتابا الى وزارة الثقافة والتعليم العالي تطلب فيه اعادة ترميم المباني والبيوت التي تتركز في حارات البلدة القديمة، وقد تجاوبت الوزارة بعد فترة من خلال ارسالها لوفد مختص عاين جامع البلدة وبعض البيوت وقد تعهد الوفد بالترميم ضمن الامكانيات والميزانيات المتاحة للوزارة، والتي لا تف بالحاجة المطلوبة، اما امكانية البلدية الذاتية وفي ظل عدم توفر الكثير من الخدمات فان جهودها منصبة حتى الان على تأمين الاولويات المتمثلة بالبنية التحتية للبلدة، وبعيدة عمليا عن موضوع الترميم.

نشير الى الجهود الفردية وتمثلت بحالتين مميزتين الاولى منزل النائب والوزير السابق المرحوم علي بزي في "حاكورة نص الضيعة"، حيث قامت عائلته بترميم البيت بما يحفظ واقعه التراثي وقيمته الوجدانية، اما الثاني فهو منزل العلامة السيد عبد الروؤف فضل الله قرب "الساحة".

نقطه اخيرة، وهي مسألة لها اهميتها، هي موضوع تنظيم واجهة السوق الحالي وترميم اجزاءه وتكريس الطابع التاريخي التراثي مع اضافة لمسات جمالية كالقرميد فوق بعض المباني. فالسوق كبر مع الزمن وامتد طولا ليبدا الان من موقع مدرسة البراك، الى السرايا القديمة، التي سرقت قناطرها الجميلة خلال فترة الاحتلال، وساحتها المبلطة بالحجرالاصفر سابقا، مرورا بمبنى السنترال وموقعه الفريد الى العديد من البيوت والمحلات التي لها طابعها الخاص، الى ازالة التعديات التي نشأت خلال فترة الاحتلال، ليصل السوق الى ساحة "النبية" الساحة التي كانت مفروشة ايضا بالبلاط الحجري الاصفر.


منزل النائب الراحل علي بزي

منزل السيد فضل الله

مدخل الجامع الكبير

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic