Send E-mail to Writer
خليل الصغير
  

ديربورن - الولايات المتحدة الأميركية

  

الجمعة، 27 آب « أغسطس » 2004

  


...قـُضِي الأمـر

     "قُضي الأمر". بهذه الجملة المقتضبة والمعبِّرة افتتحت جريدة السفير الخبر الرئيسي في عدد اليوم (الجمعة، 27 آب 2004) الذي تناول اللقاءين الأخيرين للرئيس السوري بشار الأسد مع كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة رفيق الحريري، ضمن "المشاورات" التي أُجريت في دمشق حول "الإستحقاق الرئاسي" اللبناني.

"قضي الأمر". و"الأمر" جاء بالتمديد أو التجديد أو إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إميل لحود. وبناءً عليه، ولأن أحداً من سياسيي لبنان لا يمكنه أن يخالف أمراً صار مقضياً، يمكن القول أننا على وشك أن نشهد تحت قبة البرلمان اللبناني، في الأسابيع القليلة القادمة، مسرحيةً خلنا لسنواتٍ بأنها لن تتكرّر، خاصة في ظل الكلام الكثير عن الديموقراطية والتغيير والإصلاح وتداول السلطات واحترام الدستور وخيارات الشعوب ووو.. من معسول الخطابة العربية... يتم خلالها تعديل الدستور و"لمرة واحدة فقط"، تماماً كما في المرات السابقة.

ليس من شك أن مقارنة العماد إميل لحود بغالبية المرشحين للرئاسة الأولى تضعه في المقدمة، حين يتعلق الأمر بصلابة الموقف الوطني والقومي في مواجهة المخططات الإسرائيلية المدعومة بشكلٍ أعمى من الإدارة الأميركية، خاصة فيما يتعلق بالمقاومة في الجنوب والشراكة الإستراتيجية مع سوريا. من هنا يتأتى الموقف الملتزم لـ"حزب الله" بالوقوف إلى جانب التجديد للعماد لحود، وهو موقف لم ينأ أي من قيادات الحزب، بدأً من الأمين العام السيد حسن نصرالله، عن الجهر به منذ بداية الحديث عن "الإستحقاق" والزوابع والأزمات التي رافقت ذلك منذ عامٍ ونيّف.

وليس من شكٍ أيضاً أن الجهاز الأمني الذي يحيط بالعماد لحود قد استطاع طوال السنوات الست الماضية، مع استثناءات قليلة ومحدودة نسبياً، السيطرة بشكل دقيق ومحكم على الوضع الأمني في البلاد، مما ساهم إلى حدٍ كبيرٍ في حماية الوطن من الكثير مما كانت ولا تزال تحيكه مطابخ الإستخبارات الإسرائيلية، وغير الإسرائيلية، التي اعتادت طوال عقودٍ من الزمن على اعتبار الساحة اللبنانية مسرحاً منفلتاً لا رقابة فيه ولا حصانة لأحد. رغم هذا، ظلّ هامش الحرية التي تتمتّع به المعارضة السياسية والصحافة، والإعلام بشكل عام، مقبولاً نسبياً مقارنة مع الأنظمة العربية ودول العالم الثالث التي يعتبر لبنان واحداً منها.

لكن المؤكد أيضاً أن العماد لحود لم يُثبت طوال فترة عهده قدرةً ذات شأنٍ في إدارة عملية الإصلاح الداخلي، سياسياً أم اقتصادياً أم قضائياً، علماً أنه كان يرأس كل اجتماعات الحكومة اللبنانية ويشارك، عبر فريق عملٍ كبيرٍ، بشكلٍ مباشرٍ في وضع جداول الأعمال، وتقديم اقتراحات القوانين، وتحضير ومناقشة الموازنة العامة، وإقرار وتلزيم المشاريع، وتعيين موظفي الدرجة الأولى، وكان يتمتّع طوال فترة عهده بالقدرة التصويتية داخل مجلس الوزراء، من خلال قسمٍ كبيرٍ من الوزراء المحسوبين عليه، لفرض ما يريد ورفض ما لا يريد.

لقد تخطى الرئيس إميل لحود الصلاحيات الممنوحة له دستورياً كرئيس للجمهورية، حسب اتفاق الطائف، خاصة على الصعيد الأمني، لا لسببٍ إلا لأنه كان يمتلك غطاءً سورياً بهذا الشأن يمنع رئيس الحكومة، صاحب تلك الصلاحيات دستورياً، من التعرّض له. كما أن الدعم الشعبي والمعنوي الذي منحه إياه "حزب الله"، قبل التحرير وبعده، أعطاه غطاءً يصعب على مناوئيه المسّ به، على اعتبار أن المقاومة خطٌ أحمر ومن غير المسموح التعرّض لها أو التأثير على عملها مهما كانت الظروف والمعطيات الداخلية والضغوط الخارجية. وقد أحسن الرئيس لحود استغلال هذان الغطاءان، سوريا و"حزب الله"، على أفضل ما يمكن مما جعله يتصرّف كما لو أنه رئيسٌ للجمهورية بصلاحيات ما قبل الطائف، مع مفارقة أنه بدا وكأنه واجهةً لـ"شيعيةٍ سياسيةٍ خاصة" بدلاً من "مارونيةٍ سياسيةٍ عامة"!

لهذا، وكما قال الكاتب جوزيف سماحة، في افتتاحية السفير في عدد الأمس، الخميس 26 آب 2004، يعتبر كلام الرئيس لحود عن أنه لم يستطع خلال عهده تحقيق الوعود التي أطلقها في خطاب القسم لعدم التجاوب والتنسيق في الحكم، كلاماً مردوداً، لأنه شريك أساسي في جميع القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء طوال فترة حكمه، سواء حين كان رفيق الحريري خارج السلطة في سنتي العهد الأولى أم بعد عودته إليها عقب استقالة الرئيس سليم الحص بعد الإنتخابات النيابية عام 2000.
 

تساؤلات

     بعيداً عن كل هذا، هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها بشأن الموقف السوري من الإستحقاق وأهمها:

- هل حقاً لم يعد أمام سوريا من الخيارات سوى التجديد أو التمديد للرئيس لحود، وهل ترى القيادة السورية في ذلك مصلحتها على المديين المتوسط والطويل، خاصة لجهة ما سيترتب على مثل هذا الإجراء من تعاظم وانتشار المعارضة للدور السوري في لبنان، دون أن يقتصر ذلك على شريحةٍ محدودةٍ من المسيحيين المعروفين بعدائهم لهذا الدور؟؟؟

- هل تشك القيادة السورية بالتزام شخصياتٍ مارونيةٍ وطنيةٍ، من أمثال جان عبيد وسليمان فرنجية وميشال إده، بالخيار الإستراتيجي بالوقوف إلى جانبها في جميع القضايا المصيرية والضغوط التي تواجهها وبدعم المقاومة وحمايتها؟

- وهل أن اختيار رئيسٍ للجمهورية يتمتع بالشعبية في الشارع المسيحي، مثل بطرس حرب أو نسيب لحود أو مخايل الضاهر، ويملك الإتزان السياسي والموقف المبدئي في القضايا الوطنية والقومية، هو لغير صالح سوريا والمقاومة، خاصة وأنه يكفي أن يبدر عن الرئيس ما يُشتم من خلاله أي تفريط بالموقف الإستراتيجي ليفقد الغطاء الممنوح له وليصبح فاقداً لأي صلاحيات تنفيذية، حسب الدستور؟

- ما الذي سيكون عليه الموقف السوري إذا فشل الرئيس لحود في عهده الثاني، إذا ما أعيد انتخابه بناء على الرغبة السورية، في تحقيق ما يريد تحقيقه على الصعيد الداخلي، خاصة وأنه لم يطرح، مباشرة أو عبر فريقه الخاص من الوزراء، طوال هذه السنوات الست برنامجاً واضحاً لحل المشاكل الصعبة التي يتخبط بها الوطن؟ ألا تعتقد القيادة السورية بأن وضعاً كهذا سيؤدي إلى تحميلها، وتحميل حلفائها في لبنان، كامل المسؤولية من قبل الشرائح الشعبية الأكثر تضرراً من تأزم الأوضاع الإقتصادية والمعيشية؟

- ألا تعتقد القيادة السورية بأنها، وبدافع حرصها على المقاومة، ستجعل هذه المقاومة "متهمةً" من قبل قسم كبيرٍ من اللبنانيين، من جميع الطوائف والشرائح الإجتماعية، بأنها كانت السبب وراء هذا الإنقلاب على العملية الديموقراطية بانتخاب رئيس جديدٍ للبلاد، وبالتالي لانفضاض الدعم الشعبي الذي حققته المقاومة على اختلاف شرائح وتركيبة المجتمع اللبناني مما أسهم، وإلى حدٍ كبيرٍ، في تحقيق الإنتصار التاريخي في أيار 2000؟

- ثم ألا ترى القيادة السورية أنه مهما كانت الظروف الإقليمية صعبة ومعقدة ودقيقة، كما يُشاع كذريعة لتعديل الدستور، إلا أن الحصانة التي يتمتع بها الموقف السوري في لبنان ليست متأتية من شخص الرئيس لحود بقدر ما تعتمد على قناعات ومسلمات لا يستطيع حتى معارضي السياسة السورية القفز فوقها أو تخطيها في لبنان؟ أوليس في شخصنة تلك الحصانة تهديد لها إذا ما أثبت الرئيس لحود فشله في معالجة القضايا الداخلية الملحة، والتي صارت توازي إن لم تكن أكثر تهديداً لحياة اللبنانيين اليومية من قضية الصراع مع العدو؟

- أخيراً، ماذا، لو قدّر الله، انتهت الفترة الثانية من عهد الرئيس لحود وكانت الأوضاع الإقليمية على ما هي عليه اليوم أو على أسوأ من هذا، على اعتبار أننا لا زلنا نعيش في مثل هذه الظروف منذ أكثر من خمسين عام، هل سيتم حينها تعديل الدستور، ولمرةٍ واحدة واستثنائية أيضاً وأيضاً؟؟؟

 

**********

     ... لكن، وبما أن الأمر قد انقضى، ولم يعد يفصلنا عن هذا الإجراء سوى توقيع من اتُمروا على التنفيذ، سواء اعترضوا أم رحّبوا أم وافقوا على مضض، لا يسعنا سوى التمني أن يتمكن العماد لحود في عهده القادم على تخطي كافة المشاكل التي تواجه الحكم والوطن وأن يثبت أولاً خطأنا وثانياً صوابية هذا الإجراء الذي كان لا بد وأن نعلن موقفنا المعارض له، على الأقل من خلال ما تبقى من فسحة للديموقراطية في هذا الوطن، صرنا نشك في قدرتها على البقاء...

أرسل المقال إلى صديق: 

أرسل المقال

§ وصـلات:

  
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic