|
بسم الله الرحمن الرحيم
"إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"
لستُ من هواة التكهّن والضرب في عالم الغيب أو قراءة الطالع أو "المستقبل". لكنني، قبل أسبوع، وفي حمأة الجدل الدائر حول "الموالاة" و"المعارضة"، وفي معرض دفاعي عن موقف وليد جنبلاط، سألتُ: "ماذا لو وضعوا له أو لإبنه تيمور سيارة ملغومة، أو لعلهم يقتلون رفيق الحريري، إذ لم يعد لهم من رادعٍ على ما يبدو؟ هل عليه أن ينتظر قتله حتى يصرخ "أنقذونا من براثن هذا الوحش"؟؟؟
منذ تلك اللحظة التي نطقت بها بهذه الفرضية المفزعة وأنا على وجلٍ من تحققها. لهذا، حين أيقظتني زوجتي صباح الإثنين، وهي في حالٍ من الوجوم، قائلة: "قم، لقد قتلوا رفيق الحريري!" شعرت كأنني كنت شريكاً في هذه الجريمة، أو كأنني ساهمت بشكل ما في قتل رجلٍ طالما تعرضتُ للنقد بسبب دفاعي عنه وعن الحلم الذي زرعه في قلوب الكثيرين، ممن آمنوا بقيامة لبنانٍ آخر غير هذا الذي لا يزال يتخبّط بأمراض التعصّب الطائفي والمذهبي والمتعلّق بأذيال الماضي في تقديس أو تخوين البشر، والعاجز عن اللحاق بركب التطور الإنساني، خاصة على صعيد التنظيم والمأسسة وبناء النظام السياسي الديموقراطي القادر على تجديد دمه بشكل سلمي قائم على المراقبة والمحاسبة وانتخاب الأفضل.
إذاً، قـُضي الأمر!
لست لأخوض هنا في مغامرة توزيع التهم، كما يفعل الكثيرون اليوم، ابتداءً من الناس البسطاء الذين أحبوا رفيق الحريري وأحبهم، رغم الفارق الشاسع بينه وبينهم، وانتهاءً بتلك الدول التي لن تألوا جهداً في استغلال هذه الجريمة الجبانة لتحقيق مآربها ومخططاتها.
إلا أن أسئلة كثيرة تؤرقني، خاصة بعدما سمعته طوال هذان اليومان من كل هذا المديح الذي اندلع فجأة في حق الشهيد، حتى ممن كانوا حتى صباح استشهاده يجلدونه بتهم العمالة والخيانة والسرقة والنهب وما شابه من نعوتٍ وقدح وذم. هل كان يجب أن يموت رفيق الحريري لكي "يتعرفوا" إليه ويرحموه ويترحموا عليه، على عكس مشيئة الله بربط حياة من خلقهم بالتعارف فيما بينهم؟ لماذا تكون قيمة وكرامة الميت لدينا أعلى شأناً من قيمة وكرامة الإنسان الحي؟ لماذا لم يتقدم أحدٌ منكم ولو خطوة واحدة لملاقاة الشهيد، قبل استشهاده، في مقامٍ حواريٍ جاد، خاصة وأنه ما عُرف عنه قط رفضه للحوار والنقاش وابتداع الحلول الوسط؟ لماذا تماديتم في كراهيتكم وحقدكم عليه حتى رأيتم لحمه يحترق أمامكم، وربما على يدي من خلعتم عليهم ثوب القداسة والنزاهة والتقدير؟؟؟
عسى ولعل دم الشهيد الرئيس رفيق الحريري يكون عبرة لكل الناس في هذا الوطن العذب، وخاصة لهؤلاء الذين ينصّبون أنفسهم أولياء على البشر، بأن نرى إلى الآخر، مهما بلغت درجة اختلافنا معه، بعقلٍ منفتحٍ ومنطقٍ وحكمة وبعيداً عن التقديس أو التخوين. قد تكون هذه هي "نقطة الخيانة" التي تحدث عنها وليد جنبلاط قبل يومين من الجريمة، وعسى ألا تكون آخر ما يقول الرجل!!!
|