|
التظاهرة "المليونية"، التي جيّشها وقادها "حزب الله" في بيروت أول أمس، الثلاثاء، تحت عنوان "الوفاء لسوريا" على ما قدّمته في سبيل وحدة لبنان ومقاومته، أعادت التوازن إلى المشهد السياسي اللبناني، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. كان لا بد من ذلك، بعد أن احتلت شعارات العداء لسوريا، دولة وشعباً، الشاشات العالمية على مدى أسابيع ثلاثة، منذ جريمة اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الماضي. تلك الشعارات التي أعادت استذكار الكثير من الشعارات العنصرية التي كانت مزدهرة زمن الحرب الأهلية ضد السوري والفلسطيني والعربي بشكل عام. وقد زاد من حدة هذا المشهد، الإستغلال السافر من قبل الإدارة الأميركية، والرئيس بوش مباشرة، ومن قادة إسرائيل في محاولة لإذلال سوريا ودفعها إلى خروجٍ مهين من لبنان شبيه بما تعرّضت له إسرائيل في أيار 2000.
لهذا، ولأن خروج الجيش السوري من لبنان يجب أن يتم حسب اتفاقية الطائف وبصورة تحفظ كرامة هذا الجيش وكرامة سوريا، التي على جميع اللبنانيين أن يدركوا أنها من كرامة لبنان، جاءت التظاهرة التاريخية تحت شعار الشكر والإمتنان لسوريا لتصب في مصلحة الوحدة والحرية والإستقلال والإستقرار في لبنان.
على أن توظيف هذه التظاهرة في محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بالتجديد للرئيس عمر كرامي وحكومته التي أسقطها الغضب الشعبي على جريمة اغتيال الرئيس الحريري، ورفض التحقيق الدولي في الجريمة (وهو ما يبدو أنه أدى إلى استبعاد الرئيس سليم الحص)، وإبقاء كل شيء على ما كان عليه قبل 14 شباط، كل هذا بالإعتماد على الرصيد الشعبي لحزب الله والمقاومة سوف تكون له نتائج خطيرة جداً على هذه المقاومة أولاً، وعلى الوحدة والإستقرار في لبنان وأيضاً على سوريا.
إن الرئيس إميل لحود، الذي يفترض بأنه يمثل الموارنة والمسيحيين في الدولة اللبنانية حسب التوزيع الطائفي المعتمد في إتفاق الطائف، متهم من قبل غالبية الموارنة بأنه يعتمد على دعم "الشيعية السياسية"، ممثلة بحزب الله وحركة أمل، وهو (أي الرئيس) ما كان ليحلم بالتمديد له لمدة ثلاث سنوات أخرى دون هذا الدعم. إلا أن القيادات المعارضة للتمديد، والتي كان على رأسها الشهيد الرئيس رفيق الحريري الذي رضخ للأمر السوري على ضوء التهديد الذي وجَه له، اتهمت سوريا وحدها بأمر التمديد للحود وحاولت "تحييد" الشيعية السياسية عن تهمة المشاركة أو المساهمة في إخراج هذا القرار.
وحتى بعد اغتيال الرئيس الحريري، بقيت غالبية القيادات المعارضة، وعلى رأسها النائب وليد جنبلاط، تحاول تحييد "حزب الله" والمقاومة عن الإنقسام السياسي الحاد بين الموالاة والمعارضة وترفض الزج بالقرار الدولي رقم 1559 في المعادلة وتنادي بالإنسحاب السوري حسب اتفاق الطائف.
لكن، هل كانت القيادة السورية ستقبل بتنفيذ شق الإنسحاب من لبنان حسب اتفاق الطائف لولا وجود القرار 1559؟ بالطبع لا، والدليل هو مرور 13 عشر عاماَ على موعد انسحابها دون أن يلوح ما يشير إلى ذلك، باستثناء عمليات إعادة الإنتشار الفولكلورية التي كانت تحدث بين حين وآخر.
كما ان الخطاب السياسي الهادىء لحزب الله وأمينه العام، السيد حسن نصرالله، في مناسبات عديدة والدعوة الدائمة إلى الحوار للكشف عن حقيقة جريمة اغتيال الحريري، أدت إلى ازدياد الشعور لدى القوى المعارضة بحتمية رفض أي أمر يتناول المقاومة بالسوء وبتحييد هذه المقاومة عن السجال السياسي الداخلي.
أما اليوم، وبعد أن انتهت المشاورات النيابية إلى وقوف الشيعة السياسية بشكل كامل وموحد، ممثلة في المجلس النيابي بكتلتي "التنمية والتحرير" و "الوفاء للمقاومة"، وراء إعادة التجديد للرئيس عمر كرامي لترؤس الحكومة، في ظل رفض غالبية الشارع السني لمثل هذا الأمر، يعني أن الرئيس عمر كرامي المجدد له، تماماَ كما الرئيس إميل لحود-الممدد له، سيأتي بدعامة "الشيعية السياسية" فاقدا" لتمثيل غالبية من يفترض به تمثيلهم حسب "اتفاق الطائف" !
هل حقاَ هكذا ندفع عنا الفتنة؟
كنا نظن أن مراجعة سياسية هادئة لا بد أن تقود إلى حتمية الإعتراف بخطأ التمديد، حتى رأينا اليوم هذا الهروب إلى الأمام والوقوع في خطيئة التجديد. يبدو أن الهوة لا تزال كبيرة بين ما بلغته "الشيعية السياسية" من رشد على صعيد القضايا الاستراتيجية للأمة وما تزال تعاني منه من "مراهقة" على صعيد قضايا الوطن الداخلية المعقّدة، وهو أمر في غاية الخطورة على الجميع...
|