Send E-mail to Writer
نضال القادري
أوتاوا، كنـدا
السبت، 2 نيسان « أبريل » 2005
ديمقراطيون في السياسة، رغما عن أنفك يا بسمارك!!!
يبدو أن لعبة الكر والفر، بين ما يسمي موالاة ومعارضة في لبنان، لم تنته فصولها ولن يكون بالأمر السهل تجاوز القطوع الذي تمر به، فبالرغم من التصريحات التي لا زالت تشدد على أن المعارضة لن تشارك في جنازة مشروع المولاة التي حان دفنها منذ وقوع التفجير الأول الذي أودى بحياة رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وبحياة 18 لبنانيا أخرين، ولا زالت تصر على عدم مشروعية الرئيس المكلف الذي لا يرقى إلى المسؤولية، بل هو بعاجز عن إدارة شؤون البلاد والعباد بتفاصيلهم اليومية، وبأن الشرعية الشعبية إنتقلت إلى المعارضة بتلويناتها الطائفية الجديدة التي لطالما كان يعاب عليها أنها من لون طائفي واحد ولا تمثل ولا تشكل أكثرية عددية أو حتى سياسية.

وبالعودة للموالاة، لا زالت تصر على أن الشارع معها ويؤيد وجودها وهي لا تزال قوية العود، تساندها أربعة أطراف رئيسية لها وزنها السياسي والطائفي على الساحة اللبنانية، وهي لا زالت تملك الورقة الأقوى وتتوزع بين الأحزاب والتيارات الرئيسة وحلفائها: حزب الله، حركة أمل، الحزب السوري القومي الإجتماعي، وتيار الوزير سليمان فرنجية والأحزاب الناصرية بكل تشكيلاتها، إضافة إلى شخصيات سياسية لها وزنها الذي لا يمكن الإستهانة به.

بعد اليوم، لا يمكن للمتابع أن يحار في أمره في السياسة اللبنانية، فكل شيء وارد وقابل للعيش وللمساكنة، أو حتى للزواج بالإكراه، فالقوى المتصارعة لا تصطف على مشروع واحد، ولا تختلف على مشروع واحد، ولكل فصيل من أطرافها أغنيته الخاصة ومعزوفة الخاصة، ويسانده حلفاء في الداخل والخارج، وخير تعبير ما قاله زعيم المعارضة وليد جنبلاط:"الأن لم نعد وحدنا، نحن أقوياء..". لم يشر السيد جنبلاط إلى ما كان يقصد بذلك، ولم يفسر للذين معه وحتى لمن هم بأضداد ما معنى كلامه، فقط كان يرفض لغة التخوين، وبنبرة (...) كان يطلق التصريحات والرسائل بكل تشكيلاتها يمنة ويسارا، فهو القوي بعد اليوم ـ لم يعد وحده ـ وهو الذي يطلق أبواق معركة السيادة والحرية والإستقلال، مستعينا بحلفائه الجدد الذين لم يسعفوا لبنان طيلة 30 عاما مضت، إذا أخذنا بعين الإعتبار بأن لبنان كان أسيرا "محتلا" خلافا لإرادة أبنائه، طيلة المدة المذكورة، من قبل دولة دخلت أراضيه بالإكراه وقت كان الموت مجانيا من دون مقابل، وربما قد نسي "الزعيم" أن فاقد الشيء لا يعطيه وأن المبشر بسيادة لبنان لا يجب أن يستعين بأعداء الأمس "أمريكا / إسرائيل" مباشرة أو بالواسطة لإحلال سيادته الخاصة ويرفع العلم الفرنسي فوق جثة الوطن القتيل.

أما إذا تحدثت عن الموالاة، فحدث ولا حرج في الكلام عن العلك السياسي (...) والكلام الرنان الذي لا يخلو من الوعيد أو من التكرار الممل.. دائما، العبارات نفسها يرددها المولون:"نحن مع الخط – الخط الوطني القومي – حلفاء الخط…"، والمؤسف بأنهم يسايرون في السياسة أعداء الماضي في معركة مجانية سخيفة، فالبارحة كان الجنرال "عون" خائنا، يعكر صفو علاقتنا بدولة شقيقة، ويهتك حرمة لبنان وسمعته أمام لجان الكونغرس الأمريكي..إلخ. التهم كانت تأتي من أعضاء الحكومات الموالية لسورية طبعا، وكان أشراف السياسة مثل إمرأة القيصر يجاهرون بإستقلالية القضاء في لبنان، ويحاضرون في عفة أهل مكة وهم يدرون بشعابها المرئية والمسموعة والمخبوءة، وكأن المواطن في لبنان مخلوق من المريخ لا يفقه أن هناك شيء إسمه الفصل بين السلطات، ولا يعرف تاريخ لبنان في القتل والإغتيال السياسي والجسدي، والمفرط في الضحك أن كانت التصاريح تتكسر في مؤتمرات المدعي العام التمييزي على الدوام برتبته القضائية ولاحقا برتبته الوزارية.. اليوم، وبسحر ساحر، الجنرال "عون" قد صار وطنيا، والموالاة تحترمه جدا، وتميز مواقفه عن بقية المعارضة، والمضحك المبكي هم وزراء الحكومة من رتبة "مساحي البويا" الذين ينطبق فيهم المثل:"يحجون والناس راجعة"، وبأحسن الأحوال أكثرهم يصارع ليلتحق بأذناب طائفته وقد لا تنفعهم كراس صالحة لمرة واحدة:"لا بدمر عيدوا، ولا بالشام لحقوا العيد"، يطالبون بعودته إلى الوطن لتحقيق المصالحة الوطنية، ويطالبون بخروج "الحكيم" سمير جعجع من سجنه، هذا السجن الذي لطالما أقرت المارونية السياسية المتمثلة في بكركي بأنه مسجون فيه لدواع سياسية غير حكيمة، برغم صدور 5 قرارات قضائية ضده، برأه القضاء بواحدة لعدم كفاية الدليل، وبرأته السياسة من أعواد المشانق بالمرات الأربع الباقية، فكان السجن بإنتظاره لمدى الحياة."الحكيم"!! السجين مدى الحياة، سيخرج من السجن، ليس لإنتهاء الحياة وبدء القيامة من بعد الحياة، بل لإنتهاء "القضاء"..

للسياسة في لبنان، شؤون تتملكك الحيرة فيها، وشجون تطرب لها في أوقات الشدة، وفي الأفراح التي لا تزال عامرة بقدرة قادر، وبسحر من عصى "موسى" التى نسيها في دهاليز لبنان الوسخة، هذه العصى (...) التى ينتشي أهل السياسة في ضروبها العامرة فوق جثة الوطن القتيل.

لا يمكن أن تكون مواليا إلا بالسحر والشعوذة في لبنان، ولا يمكن أن تكون معارضا إلا بالسحر والشعوذة أيضا.. فموال لمن؟! ومعارض لمن؟! وهل يكفي أن تصطف في طابور لتحسب في الموالاة أو المعارضة؟! وهل يكفي أن يقول مفتي الجمهورية اللبنانية أو بطريريك الموارنة (وسائر المشرق) أن الأمور ليست على ما يرام حتى نعي لمشاكلنا وعللنا؟! وهل يكفي أن تكون أكثرية في فرقة طائفية ما تصطف في طابور معين مقابل أقلية أو أكثرية بالمقارنة حتى يقال أن هذا التجمع وطنيا، وأن الطابور الأخر لا يمثل إلا أشخاصه؟! وهل أن السياسة تفهم فقط كما أرادها "بسمارك" أي 51% حمارا منتخبا يتحكمون برقاب 49% لإخوة لهم قد غلب الله على أمرهم؟!

ربما كان ذلك صحيحا في زمن لا تحسب فيه نسبة القوة والنفوذ للسفارات الأجنبية وأجهزة الإستخبارات، إلا أن بسماركيو لبنان قد طوروا الفكرة وكانوا تقدميين في الطرح فخلقوا نظرية "النوعية"، وأحسنوا تبديلا في نظرية "العددية" القاتلة، وأشاعوا بأن الله ما كان إلا ليحب المحسنين. أما إذا أبصرت الحكمة في أوقاتنا الحرجة فلا ترى عاقلا لتأخذ منه، وحتى أن يضرب المثل القائل:"خذوا الحكمة من أفواه المجانين" فذلك لا يصح بعد اليوم. لقد تحولت السياسة إلى طوابير، فلا يحق لك إلا أن تقف أو تنضم إلى معادلة قوامها أن تختار ما بين معتوه ومسعور، وفي كلا الحالتين، لا لست بمشكور!!! 
أرسل المقال أرسل المقال إلى صديق:
آراء وأفكار - الصفحة الرئيسية