سماحة العلامة السيد محمد حسين فضل الله
بنت جبيل - بعد ربع قرن (25 حزيران 2000)

 

Sayyed M H Fadlallah Bint Jbeil 25/6/2000

     "الحمد لله الذي استجاب لكلّ تطلعات هذا الشعب، الحمد لله الذي أعطى دم الشهادة حركةً وانفتاحاً وصدمةً لكلّ الاستكبار، لم تكن دماء الشهداء الذين هم الأساس في كلّ هذا النصر مجرد دماءٍ حمراء تسيل، ولكنها كانت وعياً للإنسان كله ووعياً للإسلام كله ووعياً للقيم الروحية والإنسانية. لم تكن دماء الشهداء دماءً تتحرك من أجل أن تواجه العدوّ مواجهة جهادية جامدة، ولكنها كانت تعيش الوعي السياسي بأكثر مما يتحرك به الاستهلاك السياسي في أكثر من موقعٍ عربي، أو أي موقع في المنطقة، قيمة هذه الدماء أنها لم تبحث عن صوتٍ استهلاكي، كانت تبحث عن أن تكون الحرية للإنسان هنا. وكانت قيمة هذه الدماء أنها كانت دماء المحبة لم تحمل حقداً حتى للذين وقفوا ضدّها، كانت تخاطبهم تعالوا إلى أرضكم وإنسانكم وأهلكم..

المحبة أن تتجسّد أنت روحاً بكلّ عروق هذه الأرض، قيمة الشهداء أن الأرض لم تعد عشباً وتراباً أصبحت إنساناً، ليست كلّ الدماء تصنع التاريخ ولكنه دمنا ـ هنا ـ صنع التاريخ، لقد استراح العالم العربي لكلّ هؤلاء الذين جلسوا على صدره فأبعدوا الأمة عن مصيرها وقرارها، مشكلتنا في هذا العالم العربي أنّ هذا العالم عاش الشخص ولم يعش المؤسسة. للأشخاص عظمتهم عندما يقودون، ولكن الأمة أعظم عندما تتحرّك في الساحة وتتشابك الأيدي والقلوب مع بعضها..

أعتقد أن هذا الانتصار يمثّل قضية قرن في قضية أمة، نحن عشنا في القرن الماضي نتابع الهزيمة تلو الهزيمة، حتى عندما ننتصر كنا نخاف من النصر، وأحياناً نحوّل النصر إلى هزيمة، أما أن يعتبر شخص أو نظامٌ أننا لا نستطيع أن نواجه أمريكا فتلك هي الهزيمة.

لقد كانت الكلمات في كلّ إعلامنا، أن إسرائيل هزمت العالم العربي، فهل يستطيع هؤلاء الشباب أن يهزموها؟! وكان الذين يريدون السياسة في لبنان أن تتحرك بعيداً من محيطها العربي والإسلامي يريدون لهذه السياسة أن تتحرك في باريس وواشنطن. كانوا يريدون لفرنسا وأمريكا أن تتدخل في كلّ شيء، أما أن يتدخل أي بلد عربي أو إسلامي، فإنهم يقولون إن هذا ضدّ الاستقلال.

الاستقلال هو الذي صنع في هذه الأيام من خلال المقاومة، الحرية لا تصدر بمرسوم ، إنها تنطلق من الداخل.. وأنت في كل الضغوط وداخل السجن، الحرية أن تملك أن تقول نعم.

لا بدّ أن نتعلم كيف نستعيد "لاءاتنا" التي حوّلناها إلى "نعم". لقد انتهت مرحلة، ونحن لا نتحدث استعراضياً عندما نقول إن إسرائيل هُزمت، إسرائيل تقول ذلك. لقد حوّل المجاهدون الاحتلال إلى "طاعون" للمحتلّ. ليست المسألة هي عنترياتنا العربية، ولكن واقع المقاومة فرض نفسه على كلّ الواقع السياسي في المنطقة. المسألة الآن كيف نحافظ على هذا النصر، وكيف نقف أمام الذين يريدون أن يحوّلوا النصر إلى هزيمة من خلال الاستغراق في كلّ التفاصيل، لقد حاولوا أن يتحدّثوا عن فتنة في الجنوب، وكانوا يراهنون على "بنت جبيل" المنطقة، و"مرجعيون" المنطقة، كان العدوّ يريد أن يتحرّك السلاح بعد انسحابه لإحداث فتن طائفية، ولكننا قلنا لهم عندما تراهنون على "بنت جبيل"، فإنها كانت من أوائل البلدان التي وقفت ضدّ الاستعمار الفرنسي، ومن أجل القضية الفلسطينية، كان الشباب هنا يريدون للبنان أن يبقى منفتحاً وأن لا يكون انعزالياً، كانت بنت جبيل ككل الجنوب منطقة التعايش، كانت المواقع الثقافية تتداخل، والمواقع الاقتصادية تتعامل، والمواقع الدينية تتعاون. لذلك قال الجنوبيون "لا للفتنة" لأن الاحتلال كان يعمل على زرع الفتنة.

لقد عشنا مع المقاومين في جهادهم بصمودنا، وسنجاهد معهم بوحدتنا الوطنية، لقد كانوا يراهنون على أن المقاومة سوف تجري الدماء أنهاراً وأن الحرب اللبنانية سوف تتجدّد في الجنوب، وقال المجاهدون لقد كان صبرنا في الدماء من أجل القضية، ونحن سنصبر صبرَ الأحرار بعد التحرير، لن يُسمَحَ لبعض الذين يتاجرون بالطائفية أن يستفيدوا من بعض الثغرات، وذهلِ العالم من هذه الحضارية الإسلامية التي أثبت صانعوها للعالم وهم الذين سالت دماؤهم من خلال هؤلاء ودمّرت بيوتهم وشرّدوا، أنهم في الموقع الذي يكبرون فيه عن الحقد. عندما حاربوا، حاربوا بمحبة، محبة الأرض ومحبة الناس، وهم في هذا الموقع سوف يواجهون المسالة بمحبة.

لم تنتهِ القضية، لا تزال إسرائيل تحتلّ جزءاً من أرضنا، وتعتقل المعتقلين منا، ولا تزال إسرائيل مع الأمم المتحدة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة تتحرّك ضدنا، ولا تزال الأمم المتحدة والولايات المتجدة تبحثان عن جائزة تُقدّم لإسرائيل..

ليس للمسلمين في لبنان إلا المسيحيون، وليس للمسيحيين في لبنان إلا المسلمون، فلا تتحدثوا عن تاريخ الامتيازات في لبنان، إن العالم يتغيّر فابحثوا عن دوركم في رحم هذه المتغيرات، هناك لبنان، علينا أن ننتجه من جديد، لقد تحرّرت الأرض وعلينا أن ندخل في معركة تحرير الإنسان من الحقد، لقد بقيت المعركة ضد الطائفية.. إنّ الدين قيمة والطائفية هي عشائرية متخلّفة لا تملك حتى قيم العشائرية.

هناك مسحةٌ حضارية تخدعنا، ولكن هناك عمقاً متخلّفاً يعيش في أعماقنا.. تعالوا عقلاً بعقل وقلباً بقلب، تعالوا البلد الجميل لنغرسه بالمحبة، وأن تكون حركتنا في خطّ الجمال وصنع الجمال في الإنسان.

لم تعد الحزبية في أكثر مظاهرها برنامجاً وخطاً، ولكنها أصبحت عصبية، أن تكون من حزب وذلك يعني أن يرفضك الحزب الآخر. نحن قومٌ ننتج الحقد في عصبياتنا، نحن متعبون اقتصادياً واجتماعياً، لماذا لا نفكّر بالراحة من خلال المحبّة. مشكلتنا في هذا اللبنان ونحن نريد أن ننفتح على مستقبل فكّر فيه الشهداء وأعطوه كلهم، فهل نعطيه بعضنا، متى نرتفع عن الحرتقات في عملنا السياسي، فما أكثر ما قتلتنا كلمة "السرّ".. لذلك كونوا جادين وانطلقوا من خلال ما تؤكدونه في عقولكم، لا من خلال ما تسمعونه في اذانكم، لأن الله سيحاسبكم على كلّ كلمة أيّدتم فيها ظالماً وتجسّستم فيها على الأبرياء.

إنكم تحتفلون بالنصر والسؤال الكبير، هو كيف نستطيع أن ننتج النصر من جديد.. لا تقولوا لأحدٍ فكِّر لنا، لأن تفكيره منطلقٌ من خلال مصالحه.. المرحلة صعبة تحاول فيها إسرائيل التخطيط لمصادرة القضية الفلسطينية وتعمل أمريكا لمحاصرة الواقع السوري، إنهم يطلقون الكلمات: لا بدّ من نزع سلاح المقاومة، وقد قلت أن المقاومة هي الجيش اللبناني الاحتياطي، ولا بدّ من التنسيق بين الجيش اللبناني الرسمي وبين الجيش الشعبي، من يخرج إسرائيل إذا دخلت مجدداً، ما هو الأساس للوثوق بإسرائيل، نحن لا نزال في حالة حرب مع إسرائيل فكيف يطلب ممّن يقود عملية التحرير والمقاومة أن ينزع سلاحه، إن سلاح المقاومة لم يكن يوماً للداخل، لذلك ليكن الصوت واحداً مع استمرار التحرير وإنتاج الحياة السياسية الحقيقية، حتى ننتج الإرادة والقرار، علينا أن لا نستعير قراراتنا حتى من أصدقائنا، بل أن نقول لهم أقنعونا برأيكم ونصير معكم، أما أن نستظهر المواقف، فهذا ما يضرّنا ويضرّ أصدقاءنا، فقد بلغنا سنّ الرشد.

إني أتكلم وأنا منكم ومن عمق دماء قلبي، لأني أعاني وتعانون، إنّ هذا الوطن دمّر جسدياً وأخشى أن يدمّر إنسانياً..

لقد أُبعدت المنطقة المحتلة عن كلّ ميزانية الدولة لعشرات السنين وأخذها كثيرون بعنوان الهدر وغيره، إننا نطلب من الدولة أن تكون في حالة طوارىء لمواجهة حالة الصّفر التي يعيشها أهلنا هنا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، نحن لا نريد أن نسترخي أمام الوعود، ولا نريد أن نُثقِل الدولة. إذا كانت الدولة تتحدث عن الفساد فنحن نسأل، لماذا لا توجّه الأصابع إلى الكبار؟ إننا نقول للدولة إذا كنتم تريدون إعمار الجنوب فأرجعوا كلّ الأموال التي سرقها الكبار وعندها لن تحتاجوا إلى الصندوق الدولي وإلى الدول المانحة، وإلى المساعدات العربية التي تبقى وعوداً عرقوبية، هل تريدون وطناً حراً، كونوا أحراراً في دنياكم يكن وطنكم حراً.

أيها الأحبة، من كل قلبي وعقلي وإحساسي أعود إليكم في بلدي هذه، وفي قلبي أكثر من نبضة محبة وفي عيني أكثر من دمعة محبة، وفي حياتي أكثر من تطلعٍ لصناعة مستقبل نكون في مستواه لنعمل معاً ونجاهد معاً وتنضم اليد إلى اليد والعقل للعقل والقلب للقلب لنـزيد الوطن جمالاً ومن جمال القلب والروح أشكركم جميعاً".


السيّـد يعـود إلى مسقط رأسه - عيناتا


Al-Mabarrat

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic