من منّا الذي تغيّر؟

إسماعيل الصغير

 

 بنت جبيل - حزيران / يونيو 2002 

 
...
عادة الأنهار أن تنحدر من علٍ لتصب في البحر، أما نحن فكنا نصعد الى عل من خلة تبنين الى بيت ياحون … ثم الى صف الهوا…..
 
وظهرت بنت جبيل.

مثل هذه اللحظات تكون منذورة للتراتيل، والبكاء، والوجد، والسجود.

أتذكرين؟

لم يكن ثمة وقت لتأمل الأشجار، والناس، والأرض، والوجوه المنحدرة بصخب… ساعتها كانت الذرات شيئاً واحداً فقط: نهراً يعود المصب.

أتذكرين؟

كان عرس العودة أكبر من الأمل، وأكبر من الحلم… إذ كيف اصدق أن بنت جبيل باتت ملك يميني… أقبل حجارتها، وأطوف بحاراتها، وتأخذني دروبها إلى حيث كانت تأخذني … إلى القلب.

أتذكرين؟

حين كنت ارحل عنك، يقوم في القلب بيت آخر، وملاعب أخرى، وطرق أخرى، ففي خلايا الدم دائما صورتان: واحدة لعدن تظل مقيمة في الميادين، وخلة عيسى، والقيافير، وعقبة مارون، وعين هارا والدبش، والساحة والنبية، ومدرسة سعد، وعين الصغيرة، وحارة الجماعنة، والسد العالي … و … و والثانية لعدن أخرى أعمرها من حجارة القلب… أنسجها… أطرزها بدعاء أمي دغشة الفجر، وبصخب الدواري عند الغروب… فلا يتوقف ذلك الصهيل الآتي من ميادينك، ولا ينقطع الدرب بين الجنتين.

كنت دائما تعرفين كيف تمدين الجسر بين عدن التي نعمرها، في المنافي بحجارة القلب، وقلبك الذي لا يني ينتظرنا… فلا البيوت هي البيوت إذا لم تحمل اسمك، ولا الدروب توصل الى مكان إذا لم تود إلى أبوابك.

الأمكنة الأخرى … أبداً لم تكن بدائل مقنعة، فالأرض السبخة لا يتفتح فيها الدحنون، وأمي لن تكون هناك لأستروح من ذيل ثوبها شميم الزعتر.

أتذكرين؟

كان بيني وبينك عشرون سنة احتلال، وعشرون سنة شوق، وصهيل، ودم، ودموع.

وها انذا أصل…. انسل من صخب النهر لأبحث عنك، فلا أجدك، فكان التي اعرفها هدمها الوقت الذي طال.

هاأنذا أبحث عنك فلا أجدك، ولا أسمع نبض قلبك.. أسير في حاراتك فلا أجدهم: فأين صخب أطفالي، ووطأ العابرين من تعب النهار، ووشوشات المصاطب… أين دكاكينك، وحاراتك، ودروبك التي لا تنام، ورائحة التبغ المعلق في سقوف البيوت؟

من منا الذي تغير؟

دروبك رسمتها على الورق عشرين عاماً… وأنا أعرفها شبراً شبراً … فما بالها اليوم ضيقة … خالية؟

أبوابك … شبابيكك … نقشتها حرفاً حرفاً … وأعرف في كل شباك أين موضع القنديل.. فما الذي تغير وأين غيبت؟

من منا الذي تغير… أأنا الذي استبدل جلده، أم أنت من صار لك لغة أخرى وأبواب أخرى … ووجوه أخرى؟؟؟

أضرب في دروبك … وعبثاً أبحث عنك.

عشرين عاماً لم اكف عن العودة اليك … فالجسر بين الجنتين لم ينقطع.

بأمكان الزمن أن يمحي الأشياء… أن يخفي الأشياء … والحنين كرياح الشمال: تهب فأذا أنت مازلت في القلب … كما كنت دائماً.. فلا شيء يضيع مادام سيزيف يحمل الصخرة.
 

 

 

 

إقــرأ:


الصفحة الرئيسية "شعراء  وأدباء"
 

 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic