الفراشة

 محمد علي شمس الدين

 

 بيت ياحون - تشرين ثاني / نوفمبر 2003 

 


“الى التي ماتت في الشهر الجميل آمنة / أمّي”

في الليل 
في الحَلَك العظيم 
وعند تشابك الأحياء بالموتى 
وولولة الرياح 
دفنتُ أمي 
وأهَلْتُ آخر حفنة فوق التراب من التراب 
وقلت: ها إني أعود لعلّني 
أجد الجميلة تستريح على سرير جمالها 
في البيت 
حيث تمدُّ نحوي كفّها البيضاء 
تسألني معاتبة لماذا غبت يا ولدي؟ 
وتعلم أنني ما غبت 
لكنّ الجميلة دائماً 
ينتابها قلق الغياب 
وأنها تنأى 
وتبعد حين تقرب 
ثم تنأى 
ثم تنأى 
كي تُرى حُلماً 
وقد أبصرت حلمي...... 
....... 

ويقول جاري: 
أمس زارتنا الجميلة 
وارتأت أن نبدأ الألعاب 
من ورديّة الأطفال 
رتبنا الحصى لُعباً 
وكانت تنحني في ثوبها الورديّ 
تعبثُ بالحصى 
وترتب الأشياء 
من بدء الحكاية للنهاية: 
هكذا سيكون: 
هذا بيتنا وسكنت فيه 
وذاك زوجي وهو يكدح أو يصلي 
أو يغار على الجميلة من مرور سحابة فوق الحمى 
أو نظرة لفتى يمر على الطريق 
ويرسل الأشعار 
كي يصل الصدى لأميرة خلف الحمى 
ويقال إن جمالها 
أعلى من الأسوار 
إن الله حين رأى بياض الثلج 
قال: يكون في وجناتها 
ورأى اخضرار العشب 
قال: يكون في نظراتها 
ورأى ترقرق نبعة الريحان 
قال يكون في كلماتها 
والنهر 
أوله من “الصافي” 
وآخره على أقدامها يجري 
ويذهب في اندفاع مياهه للبحر 
ترفعه السماء الى الغيوم 
وحين نظرت في أعلى الغيوم 
رأيت ثمّة وجه أمي 
ويقال إن الله سمّاها على اسم الرحمة الأولى 
فآمنة التي مثل الحمامة لم يشبها السوء 
ما زالت الأسماء رحمتها 
وتسحب في مدار الشمس رايتها العظيمة 
فالسلام على التي ولدت محمد 
(وهو نور النور) 
واغتسلت ضحى بالماء 
فانبعثت على الأشياء صورتها البهية 
فهي أول ما يٌرى عند الصباح 
وآخر الأحلام عند تشابك الأحياء بالموتى... 
وقبل هلاكها... 
....... 

ورأيت رؤيا: 
في الليل 
في الحلك العظيم 
وبعدما ألقيت آخر حفنة 
فوق التراب من التراب 
ولم يعد في القبر غير جمالها العاري 
رأيت فراشة في الضوء تخفق 
فاتبعت جناحها بين القبور 
وعدت نحو البيت 
كي أجد السرير 
سريرها الملكي 
مرتجفاً 
وتغمره الدموع 
وأن فراشة 
حطّت هناك على السرير 
كنقطة بيضاء في الحلك العظيم 
سألت نفسي: 
هل رأيت 
وهل سمعت 
وهل تعود لكي تراني؟ 
وسألت نفسي: 
أين تذهب روحها البيضاء 
كيف؟ 
ومن سيؤويها 
اذا ما أقفل الحفّار حفرتها 
و”رنّ المعول الحجري” 
في هذا الفراغ الجوهري من الزمان؟ 
...... 
ومددت كفي... نقطة الضوء الفراشة لم تخف، وأخاف، لكن 
..... 
..... 

ليس برداً ما يصيب أصابعي، وأخاف، لكن 
ليس حُمّى... 
فجمالها المضني على الأسلاك 
شردني، 
وقد أبصرت رؤيا: 
في الليل 
في الحلك العظيم 
وعند تشابك الأحياء بالموتى 
وولولة السماء 
رأيت أمي
 

الصفحة الرئيسية "شعراء  وأدباء"

محمد علي شمس الدين: الرؤيا الشعرية تسبق الزمن

في "صحبة" محمد علي شمس الدين - فاروق مواسي

 

  
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic