علي وحسين وربيع آخر ضحايا الألغام الإسرائيلية في الجنوب
حقول الألغام على امتداد الحدود يعقّد تفكيكها غياب الخرائط

السفير (28 آب 2000)

 كامل جابر



لم تعثر والدة الطفلة آلاء ماضي (8 اعوام)، بعد لحظات من دوي انفجار هائل ودخان كثيف حجب بين سيارة صهرها وبين سيارة زوجها، إلا على خرقة ممزقة من فستان ابنتها وسط حطام السيارة التي رماها انفجار لغم ارضي ضد الآليات الى مسافة عشرة أمتار من المكان الذي حاول والد آلاء، عدنان احمد ماضي (38 عاما)، ان يركن سيارته <<الاوبل>> في استراحة جاءت بعد جولة عائلية على المناطق المحررة حديثا في الجنوب اللبناني، على غرار ما قامت به معظم العائلات الجنوبية واللبنانية فرحا بالتحرير الذي جاء بعد عشرين عاما او اكثر من الاحتلال الاسرائيلي.

ولم تكن آلاء هي الوحيدة التي تحولت في هذه اللحظة المجنونة الى أشلاء، فإبنة خالتها لمى حمادة (14 عاما) لاقت المصير نفسه، وهي كانت تجلس الى جانب آلاء في المقعد الأمامي حيث تركزت نقطة الانفجار، اما الوالد فأصيب بجروح خطرة، والوالدة رأت كل ذلك بأم عينها من سيارة شقيقتها زوجة احمد حمادي والد الضحية لمى، وأصيب جراء هذا الانفجار خمسة آخرون جلهم من الأطفال.

جاء هذا الانفجار بعد سلسلة من احداث مشابهة جرت سريعا بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب، غير أنه كان اكثرها إيلاما ووقعا، فالقوات الاسرائيلية المنسحبة على عجل وبالشكل الذي تم، خلفت وراءها الآلاف من الالغام الارضية ضد الافراد (اكثر من 130 ألف لغم) والقذائف والقنابل الموقوتة في محيط مواقعها ومرابض مدفعيتها التي كانت تشكل لها سياجا حاميا اوليا في حال تعرضت هذه المواقع لأي هجوم من عناصر المقاومة.

فبعد ساعات قليلة لليوم الاول من الانسحاب عن منطقة النبطية (24/5/2000)، وقع الفتى عمار سرحان (12 عاما) في فخ لغم أرضي في محيط موقع علي الطاهر المطل على بلدته كفرتبنيت تسبب ببتر ساقه اليسرى على الفور وبجروح بليغة في الاخرى، وبعد نحو نصف ساعة ادى انفجار لغم مماثل قرب موقع السويداء المشرف على عربصاليم الى بتر قدم الفتى نبيل محمود الحسن (10 اعوام) واصيب بجروح وحروق في ساقه ويده. وبعد يومين وقع انفجار مماثل في محيط قلعة الشقيف ادى الى بتر قدمي شابين من بلدة جبشيت، ثم جاء حادث سيارة عدنان ماضي ليبقى الباب مشرعا على ألغام وحوادث مماثلة تجاوز ضحاياها حتى منتصف الشهر الجاري ثمانية قتلى و26 إصابة بليغة ومتوسطة، كان آخرها أطفال وفتيان مجزرة برعشيت، الشقيقان الشهيدان علي وحسين حسن شهاب وربيع داود حناوي والمصاب ابراهيم حسن شهاب.

والمناطق والطرق الجنوبية تبقى هي الاخرى مصدرا للقتل والاصابات المماثلة، فهناك المئات من الالغام التي زرعتها المقاومة على تنوعها وفئاتها (وطنية كانت أم إسلامية أم عقائدية او فلسطينية وغيرها) في اكثر من مكان او موقع، فالمعارك كانت احيانا بين كر وفر، المقاومة تزرع الكمائن للاسرائيليين، والاسرائيليون ينصبون الشرك للمقاومين، وكم من لغم زرعه مقاوم ثم سقط، ليسقط معه عنوان هذا اللغم، او شاءت الظروف والاحوال والعوامل المتعلقة بالطقس والطبيعة بتغيير معالم الأمكنة او مطارح الالغام.

وهنا تتخوف المراجع الاهلية والمدنية في اكثر القرى الجنوبية، وخصوصا تلك التي كانت تقع على ما يسمى خط التماس من استمرار هذا الخطر المستتر تحت حجر او وسط حقل او طريق الى سنوات طوال ما بعد الانسحاب، فالمنطقة عانت على مدى اكثر من عشرين عاما من الاحتلال المباشر، وقبلها جراء القصف الاسرائيلي، من آثار الالغام والقنابل العنقودية التي اطلقت اسرائيل الآلاف منها بعد اجتياح العام 1982 وتسببت بمقتل عشرات الاطفال والرعاة او إصابة المئات، ففي محلة تول قرب النبطية سقط في السنوات العشر الاخيرة خمسة أطفال بسبب القنابل العنقودية او الالغام الاسرائيلية المفخخة وأصيب عشرة غيرهم، كان آخرهم الطفل احمد رائد مقلد (5 أعوام) الذي سقط يوم عيد مولده في الثاني عشر من شباط 999.

وفي العام 1993 سقطت التلميذة عناية محمود سلطان (9 أعوام) في انفجار لعبة مفخخة قرب بلدتها الصوانة، ثم في العام 997 سقط الراعي خضر شحادة (23 عاما) من فرون (20 شباط)، وماجد جابر (55 عاما) وابراهيم ناصر الدين (37 عاما) في انفجار عبوة على شكل حجر من الاسمنت قرب النبطية (6 أيار)، والعامل حسن علاء الدين (18 عاما) والراعيان محمد حسين المعاز (70 عاما) وقاسم محمد كامل المعاز (17 عاما) قرب بلدة مجدل سلم (5/12/97)، هذا عدا عمن سقطوا قبل هذا التاريخ او بعده، وعن عشرات الجرحى والمعوقين.

وما زال أبناء بلدة حولا الحدودية يتذكرون العشرات من ابناء البلدة الذين قضوا نتيجة الالغام التي زرعها الاسرائيليون بعد العام 1948، بعد احتلال فلسطين، اذ لم يكن يمر عام إلا ويسقط احد ابناء البلدة العاملين في الزراعة وتربية الماشية.

الى محكمة العدل
وقد تقدم المواطن علي احمد شباني من سجد، بشكوى ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في لاهاي لإلزامها بدفع تعويضات له بسبب إصابته في العام 1995 جراء انفجار لغم ارضي اسرائيلي بينما كان يقوم بأعمال زراعية في ارضه في منطقة الريحان الجنوبية. وقد تسببت هذه الاصابة بضعف شديد في بصره مما جعله عاجزا عن ممارسة اي عمل لإعالة أسرته المكونة من زوجته وأربعة اولاد، وهذا ما دعاه كذلك، وفي خطوة يائسة، للاعلان عن نيته في عرض ابنته الصغرى <<قمر>> للبيع، بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي وصل إليها.

إن تعاقب الاعمال الحربية على مدى هذه السنوات من الصراع العربي الاسرائيلي خلف وراءه مشكلات اجتماعاعية كبيرة، بسبب هذه الحالات الكثيرة والمتنوعة من الاصابات المؤدية الى الوفاة والاعاقات الجسدية والنفسية بين المواطنين، وهي اثرت بشكل مباشر او غير مباشر على النمو الاقتصادي والسكاني في اماكن تواجدها، فكيف يمكن تشجيع التوسع الديموغرافي في محيط يخبئ العشرات من الالغام المدفونة او المطمورة؟ وكيف سنحول حقل ألغام سابق الى منتزه او مجمع سكاني؟

سؤالان يضافان الى كثير من الأسئلة التي تقلق أبناء الجنوب وخصوصا في المرحلة المقبلة التي لا تبشّر بدايتها بالخير.

صعوبات التفتيش



هناك صعوبات تواجه الجيش اللبناني في عملية إحصاء الألغام وأمكنتها، فالاحتلال الإسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي كان يحول دون إحصاء الحقول والبقع المشبوهة في الأراضي المحتلة أو المناطق القريبة منها، وهذه العملية ما زالت متعذرة بسبب عدم توفر الخرائط المطلوبة، وإن كانت بعض عمليات المسح قد طاولت المناطق القريبة من مراكز تواجد الجيش في أكثر من منطقة. ومن الصعوبات التي تواجه الجيش هي أن معظم حقول الألغام لا تتوافر لها مخططات زرع مما جعل ذلك من الصعب التعرف الى حدود الحقل بدقة أو الى موقع اللغم، ومعظم المخططات المتوافرة غير دقيقة خصوصا أن معظم الألغام والحقول كانت تُزرع ليلا على خط التماس أو في أماكن معرضة للعمليات العسكرية مما كان يدفع بالمسؤول عن الزرع الى تنظيم المخطط أو الرسم أو الخريطة في أماكن بعيدة عن مكان الزرع مستندا الى ذاكرته في ذلك.

قائد الوحدة الأوكرانية العاملة في نطاق قوات الطوارئ الدولية والمكلفة إزالة الألغام أولي كوفرنيوك أكد ان معظم الخرائط التي حصلت عليها وحدته من القوات الإسرائيلية هي غير دقيقة، ولفت الى ان حقلا مساحته 800 متر مربع قرب منطقة المنارة اللبنانية، أزالت منه وحدته 83 لغما أرضيا ضد الأفراد. وهناك عشرات الحقول على امتداد 123 كيلومترا في المناطق الجنوبية تخبئ عشرات الألوف من الألغام التي زرعتها إسرائيل في محيط مواقعها أو على جوانب الطرق القريبة من الحد الفاصل بين لبنان وفلسطين المحتلة (تقول بعض الدراسات ان لكل ستة أطفال في لبنان لغما مخبأ تحت الأرض، إنما في الجنوب اللبناني هناك ستة ألغام لكل طفل جنوبي).

واللغم سلاح فتاك يستخدم عادة مطمورا أو مموها لينفجر اثر مرور شخص أو آلية عليه، أو أحيانا على مسافة قريبة منه. وهناك علامات يمكن التنبه من خلالها لوجوده منها:

  • -  طبيعة الأرض بحيث تكون الأعمال السطحية فيها تدل على آثار لغير الزراعة التقليدية.

  • -  الأماكن التي كانت جبهات قتال أو مناطق فاصلة بين جبهات القتال أو غير مأهولة أو تحوط بمواقع عسكرية أساسية أو قواعد تموين أو معسكرات.

  • -  بقايا هياكل حيوانات نفقت نتيجة ألغام.

  • -  تشوهات تصيب البيئة أو الطبيعة.

  • -  بقايا آليات عسكرية أو سيارات مدمرة.

  • -  علامات تحدد موقع الألغام أو حقول الألغام.

فئات الألغام
والألغام تنقسم الى ثلاث فئات أساسية:

  • -  الألغام المضادة للأفراد: وهي حوالى 360 نوعا تصنّع في نحو 55 بلدا، حجمها صغير وتحتوي على كمية من المتفجرات تتراوح عادة بين 10 و250 غراما، تنفجر اثر تعرض أجهزة الإشعال الخاصة بها لضغط يتراوح بين 5 و50 كيلوغرام (وهناك استثناءات).

  • -  الألغام المضادة للآليات: تحوي بين 2 و9 كيلوغرامات من المتفجرات، وتنفجر اثر تعرض أجهزة الإشعال فيها لضغط يتراوح بين 100 و300 كيلوغرام، وهناك استثناءات.

  • -  الألغام المضيئة: لا تحتوي على متفجرات، وهي مخصصة لإنارة المناطق الصالحة للتسلل في أثناء الليل.

الضحايا
بالاستناد الى تعريف منظمة الصحة الدولية فإن ضحايا الألغام هم من الأفراد المصابين والمتأثرين جسديا ونفسيا واجتماعيا بسبب اللغم، ويتبين من مراقبة حوادث الألغام ما يأتي:
الوفيات الفورية: يكون بسبب النزف الدموي الصاعق بفعل تمزق الأوعية الدموية على مستوى الدماغ والقلب والشرايين الرئيسية بفعل شدة الانفجار.

الإصابات العظيمة: بتر كامل أو جزئي لطرف أو أكثر، أو كسور مترافقة في الأطراف السفلية أو العلوية أو في القفص الصدري أو الجمجمة بسبب قذف جسم المصاب الى ارتفاع معين وارتطامه بالأرض، أو الاصابات الشريانية بفعل تمزق الأوعية الدموية الرئيسية أو المتفرعة من أماكن البتر والكسور، أو الاصابات العصبية الناجمة عن إصابات الدماغ أو النزف فيه أو إصابة النخاع الشوكي بفعل إصابة العمود الفقري، أو تمزق تام أو جزئي في الرئتين نتيجة العصف الناجم عن الانفجار، أو الحروق المترافقة، أو فقدان السمع أو البصر أو الإعاقة الجسدية أو النفسية.

مع المصابين
لا يؤلم الفتى عمار سرحان ابن الثانية عشرة، غير الملل وحرمانه من زيارة أصدقائه وزملاء الدراسة بعدما أدى انفجار لغم أرضي تحت قدميه قرب موقع علي الطاهر المطل على بلدته كفرتبنيت صبيحة دحر العدو الإسرائيلي عن المناطق الجنوبية، الى بتر رجله اليسرى من فوق الركبة، والى إصابة الثانية بجروح بليغة.



<<السفير>> اطلعت على وضع الفتى عمار حسين سرحان، المصاب الأول في انفجار لغم أرضي بعيد الانسحاب الإسرائيلي، والتقت أولاً والده الذي يعمل باليومية، بينما انصرفت العائلة والأقارب الى العمل في شك الدخان على غرار معظم المزارعين الجنوبيين، ويجلس عمار بينهم على كرسي مخصص، فقال الوالد: <<عشنا الأمرّين من الاحتلال الإسرائيلي من قصف وقنص وترعرع أولادنا على الخوف، لم يكونوا ليعرفوا حدود البلدة، وبعد دعوة الأهالي للمشاركة في فرحة النص والتحرير، كان ابني من ضمن الذين قصدوا المواقع للمشاركة في هذه الفرحة، طلبت منه عدم التوجه الى هناك فلمحت في وجهه أثرا للحزن، خصوصا أن أولاد جيله والشباب والمسنين جميعهم شاركوا في ذلك، وقصد موقع علي الطاهر المشرف على بلدتنا كفرتبنيت مع مَن قصدوا وابتهجوا ودبكوا، وفي أثناء العودة جرى ما جرى. وكان نصيبه في ذلك من بين العشرات ممن حوله. نؤمن بالقدر والنصيب، نتمنى على الجميع الحذر والتنبه وخصوصا في الأماكن القريبة من المواقع أو حقول الألغام>>.

وعن مدى إصابته قال: <<الساق اليسرى بُترت من فوق الركبة، والرجل اليمنى ربما تحتاج الى سنة أو أكثر من العلاج حتى تعود إلى طبيعتها، والله أعلم، فهي كانت مصابة بشكل بليغ، والعظم فيها كان ظاهرا وتحتاج الى ترميم وعلاج فيزيائي، أجريتُ له عمليتين على نفقة وزارة الصحة العامة، غير انه يحتاج الى علاج مستمر ومصاريف وتركت عملي حتى أتفرغ لعلاجه، لا إمكانية عندي لذلك، لكن يفرجها الله>>.

ويقول عمار (مولود بتاريخ 18/12/1988): <<ذهبت للمشاركة بفرحة التحرير، ولتفقد المواقع أنا وشقيقي وابن عمي، وفي أثناء العودة من موقع علي الطاهر بغية التوجه الى موقع الدبشة، عبرت طريقا من حجار وصخور، شعرت بأني طرت عن الأرض ثم ارتطمتُ بقوة ورأيت الدخان ثم سمعت صوت الانفجار، علمت في لحظتها ان لغما انفجر بي، حاولت الوقوف فرأيت رجلي قد بُترت والأخرى مصابة ثم جاء من يحملني الى المستشفى وكانت النتيجة ما أنا فيه الآن، تركت المدرسة وسأخضع في بداية العام المقبل لامتحان لأنه تعذر عليّ المتابعة في نهاية العام الحالي، أشعر بالملل لأنني لا أستطيع الخروج من المنزل>>.


 

 

 

| بريد بنت جبيل |  |  دار الحوار |  | كتاب الزوار |  |  إتصل بنا |