Bint Jbeil Home



الجنوب تحت وطأة الألغام
مبادرات قاصرة عن إزالة “الاحتلال المقنّع”

 

السفير  (الخميس، 24 أيار 2001)

 

 عبيـر جــابر

ما يزال أهالي القرى والبلدات الجنوبية المحررة، يعانون من مشكلة حلها يبدو بعيد المنال: حقول الألغام المنتشرة على مساحات شاسعة في اراضيهم وحقولهم، وبين الممرات التي تربط منازلهم ببعضها البعض، وتصطادهم الواحد تلو الآخر، وتغتال أطفالهم من دون رحمة. ألغام وقنابل تنفجر هنا وهناك، تقتل البعض وتجرح وتسبب الإعاقة للبعض الآخر. وبعد مرور سنة على الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الجنوبية المحتلة، لم يتخلص الجنوبيون من هذا الحمل الذي يثقل كاهلهم، ووصل عدد ضحايا الألغام والأجسام المشبوهة الى خمسة عشر قتيلا وخمسة وتسعين جريحا، بينهم تسعة أطفال قتلى وتسعة جرحى، (وهم الأطفال حتى سن الرابعة عشرة)، “والحبل عالجرار” إذا لم ندق ناقوس الخطر. 

ليس ببعيد عنا، هناك في الجنوب، آلاف الألغام المزروعة التي خلفها الاحتلال الاسرائيلي وعملاؤه عند حدود المناطق التي كانت محتلة، وفي الممرات بينها وبين المناطق المحررة المتاخمة لها، وفي محيط المواقع العسكرية التابعة لها، كما في الأودية وعلى ضفاف الأنهار وفي كل زاوية يمكن أن يتسلل منها مقاوم لتنفيذ عملية استشهادية ضد الاحتلال او لاغتيال مسؤول منه. 

وتقدر مصادر “حزب الله” عدد حقول الألغام في صور (05)، جزين (09)، مرجعيون (911)، بنت جبيل (39)، النبطية (97)، حاصبيا (91)، صيدا (3)، والبقاع الغربي (06)، أما المكتب الوطني فيقدرها ب 485 حقلاً موزعاً على هذه المناطق تمت معالجة 63 حقلاً منها. 

يصعب تحديد حجم مشكلة الألغام في الوقت الحاضر نظرا للنقص في المعلومات، وبالتالي لا يمكن معرفة عدد حقول الألغام ومساحاتها وأعداد الألغام المزروعة فيها. ولعل هذه الصعوبة في تحديد أماكن تواجد الألغام هي التي تزيد من خطرها على حياة المواطنين، وتمنع أهالي المناطق المحررة من استثمار أراضيهم واستصلاحها حتى التأكد من “نظافتها” من هذا الوباء القاتل المسمى الألغام، وتؤخر عملية اكتشافها وبالتالي نزعها. وكان وزير الدفاع خليل الهراوي قد أعلن خلال جلسة للجنة الدفاع الوطني والداخلية مطلع نيسان الماضي، قيام حملة توعية كبيرة وواسعة للتحذير من مخاطر الألغام ستنطلق من وزارة الدفاع إلى كل المناطق اللبنانية، للحد من الخسائر وتخفيفها قدر المستطاع من خلال نشر الوعي وتنبيه الأولاد الذين يرتادون المناطق المتاخمة أو التي كانت محتلة عن كيفية تحاشي الألغام. لكن هذه الحملة ظلت في إطار عدد من لقاءات التوعية والمحاضرات التي نظمها بالتعاون مع الجمعيات الاهلية والانسانية في القرى الجنوبية الى جانب توزيع المنشورات التي تحذر من الألغام، ولم تتجاوزها الى حقل العمل الجدي عبر إعداد حملة إعلامية واسعة للتوعية. وركز المكتب الوطني لنزع الألغام من جهته، لوحات إرشادية معدنية في الأماكن الخطرة والبقع المشبوهة، لكن هذا بالطبع لا يعني أن الأماكن غير المسيجة ليست خطرة. 

    حملة دولية لدعم لبنان 

ولمعالجة هذه القضية التي يعجز لبنان عن حلها وحده، كرست الدولة اللبنانية جزءا كبيرا من نشاط مسؤوليها لحث الدول المانحة والصديقة على دعم لبنان في حملته لنزع هذه الالغام من أراضيه. لكن هذا لم يكن كافيا إذ ان الوضع ازداد سوءا مع ارتفاع عدد الضحايا. ولتفعيل الحملة التي يقوم بها لبنان أرسلت وزارة الخارجية لوائح الى الدول ذات التمثيل الدبلوماسي في لبنان، ضمنتها حاجات لبنان المادية والفنية من خبراء وأخصائيين ومعدات، لتدرسها الدول وتحدد مدى قدرتها على المساعدة. 

وأبدت البلدان العربية والأجنبية استعدادها لمساعدة لبنان بأشكال مختلفة من هبات مالية وقدم البعض عتادا وآليات، وفضلت دول اخرى إيفاد فرق فنية تضم خبراءها او حتى من الكلاب المدربة للكشف على الألغام. وكانت أبرز هذه المبادرات الهبة الإماراتية التي أعلن أنها ستتولى تغطية تكاليف عمليات نزع الالغام، وأعلن رئيس دولة الامارات الشيخ زايد بن سلطان أنه وضع بتصرف لبنان مبلغ خمسين مليون دولار اميركي للبدء بورشة نزع الألغام في الجنوب. 

ولعبت الحكومة الايطالية دورا مهما في دعم لبنان، إذ قدمت هبة بقيمة أربعين مليون دور كمساهمة منها في عملية نزع الألغام، بالإضافة لتمويلها لورشة العمل الدولية لنزع الألغام التي ستعقد في بيروت الاثنين المقبل. 

هذا بالإضافة الى المبادرة التي قدمتها أوكرانيا بإرسال كتيبة من خلال قوات الطوارئ الدولية للقيام بعملية تنظيف المناطق التي ستتمركز فيها هذه القوات على الخط الأزرق، ثم إعلان الحكومة الاوكرانية استعداد بلادها للمشاركة في عملية نزع الألغام من الجنوب عبر إرسال خبراء مدنيين لهذه الغاية. كما قامت فرق من الوحدات الايرلندية والبولندية بالعمل على تفجير قذائف غير منفجرة في الجنوب. 

وأعلن السفير الفرنسي في لبنان فيليب لوكورتييه ان بلاده تسهم مع عدد من الدول الاوروبية ببلورة خطة ووضع برنامج للتخلص من الألغام. وكان الاتحاد الاوروبي قد أبدى اهتمامه البالغ بقضية الألغام وأعلن التزامه بالعمل لإزالة كافة الألغام المزروعة ضد الأفراد ليس في لبنان وحده وإنما في العالم. ثم جاءت مبادرة الرئيس السلوفاكي رودولف شوستر بعرض مساعدة دولته عبر الخبرات المتوافرة لديها في مجال نزع الألغام. 

كما تسلم المكتب الوطني لنزع الألغام عتادا بقيمة 55 ألف دولار من المانيا . وقدمت روسيا ثلاثة عروض للمساعدة منها إرسال خبراء روس للعمل الميداني وإرسال خبراء لتدريب اللبنانيين على نزع الألغام. أما العرض الثالث فهو المشروع الروسي الإسباني المشترك الذي بوشر تنفيذه في أكاديمية سلاح الهندسة في مدريد، وضمت الدفعة الاولى من المتدربين عشرين عسكريا لبنانيا. 

وقدمت الحكومة الاميركية برنامجا لنزع الألغام بواسطة الكلاب المدربة على ذلك، وبدأ العمل بهذا البرنامج مطلع العام الحالي وسيستمر عشرين شهرا وسترسل المجموعة الاولى من الكلاب، وعددها سبعة، لتنفيذ مهمات في الجنوب اعتبارا من أيلول المقبل بعد الانتهاء من التدريب. هذا الى جانب مساعدات من كندا والنروج وفرنسا وإسبانيا. 

ويربط البعض أسباب تأخر بعض الدول في مساعدة لبنان في إزالة الالغام كونه لم يوقع على الاتفاقية الدولية لحظر استعمال الألغام المضادة للأفراد “اتفاقية أوتاوا”. 

    الخطر في كل مكان 

وتكمن خطورة الألغام في كونها مزروعة بصورة عشوائية غير معتمدة على خرائط، ومن دون لافتات تحذير تشير الى وجودها وتنبه المواطنين إليها، وعلى الرغم من تسييج عدد كبير من الحقول، فإن الكثير من الأراضي لا تزال مشبوهة وتكتشف يوما إثر الآخر مع سقوط الضحايا. فالألغام تنتشر ضمن المناطق السكنية والزراعية بالإضافة الى عدد كبير من القنابل العنقودية غير المنفجرة وغير النظامية. 

ولا يمكن تحديد أماكن تواجد الألغام لأن إسرائيل لم تسلم قوات الطوارئ الدولية خرائط الزرع كاملة، كما ان حقول الألغام التي زرعتها الميليشيا المتعاملة مع الجيش الاسرائيلي كانت بشكل عشوائي. وقال الناطق باسم قوات الطوارئ الدولية العاملة في لبنان تيمور غوكسيل ان “إسرائيل لا تملك خرائط لأكثر من خمسين ألف لغم تركتها بعد الانسحاب من لبنان”، مشيرا إلى أن مسؤولين أبلغوه أن الخرائط التي بحوزة الجيش الاسرائيلي قديمة جدا وغير صالحة لأن الحقول تغيرت معالمها”. وحول الألغام التي زرعها عناصر ميليشيا لحد اوضح ان الاسرائيليين لا يملكون الخرائط للحقول التي زرعها هؤلاء”. 

وحيال هذا الواقع المأساوي، وضعت قيادة الجيش اللبناني المكتب الوطني لنزع الألغام خطة استراتيجية لحل مشكلة الألغام تركزت على إجراء مسح تقني لتحديد أبعد حقول الألغام وتضييقها وتسييجها ووضع إشارات تحذيرية حولها، بالإضافة الى القنابل والقذائف غير المنفجرة، وهذا ما تم حتى الآن. هذا الى جانب تنفيذ برنامج زمني لإزالة الألغام وفقا لجدول الافضليات، بحيث يتدخل فريق الهندسة لمعالجة الحالات الطارئة تلبية لطلبات المواطنين، ويبدو ان درجة فعالية هذه الخطة مرتبط الى حد ما بتأمين المساعدات اللازمة من عتاد وعناصر مؤهلة ودعم مالي. 

وتنفذ وحدات الهندسة في الجيش اللبناني برنامج الألغام وفقا للوسائل المتوفرة لديها، والتي يوضح مدير المكتب الوطني لنزع الألغام العميد الركن جورج صوايا انها “محدودة حتى الآن بانتظار المساعدات”. 

ويتم تشكيل فريق عمل مشترك من الجيش اللبناني والجيش الإماراتي، لوضع برنامج عملي مفصل بغية تنفيذ خطة نزع الألغام وبالتالي إدارة المساعدات التي تقدمت بها دولة الإمارات. وكان وفد من الجيش الإماراتي قد زار لبنان واطلع على الوضع ميدانيا عبر زيارات قام بها الى المناطق الجنوبية، وتفقد خلالها حقول الألغام، وهذا الفريق شارك في إزالة الألغام في كوسوفو العام الماضي. 

    قوات الطوارئ الدولية 

وأثارت قوات الطوارئ الدولية حملة لإزالة الألغام، ولهذه الغاية قامت عناصرها بعمليات تنظيف للممرات المؤدية الى المواقع التي ستتمركز فيها قواتها على الخط الأزرق. وبالإضافة الى الفرقة الاوكرانية التي كانت تعمل بنزع الألغام هناك فريق من المهندسين البولنديين وآخر من الايرلنديين الذين يقومون بتفجير القذائف غير المنفجرة. وفي بعض الأحيان يستنجد المواطنون بقوات الطوارئ عند اكتشافهم للألغام فتتولى تنظيف الحقول حفاظا على سلامتهم. 

ويتوقع مدير مشروع MACC في لبنان “غريغ لاندستروم” أن تنجز عملية إزالة الألغام في فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات، إذا توافرت الإمكانات المادية والمعلومات الصحيحة عن حقول الألغام وفقا لتقديراته. من جهته أوضح الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان ديميستورا أنه مع المساهمة المالية الكبرى للإمارات ستكون أكثر من كافية، وبالتالي يمكن أن يستغرق الأمر ثلاث سنوات ونصف السنة واعتبر ان هذا يشكل تحديا. 

السنة الأولى مرت سريعا من دون ان يغيب الشبح المرعب الذي يسيطر على الجنوبيين: الألغام. هذا الخوف من ترك طفل يركض في الحقل القريب من الدار، لا يزال يسيطر عليهم، الرهبة من رعي القطيع في المرجة التي كانت في الماضي بعيدة والتي باتت اليوم قريبة بعيدة، تبعد مع كل لغم مزروع في رمالها. 

ألـغــام
Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic

 Copyright © 2001 bintjbeil.com . All rights reserved