2001/03/9

Assafir


رايات سوداء وغضب في عيناتا وطيردبا
الأهالي خائفون على الجثث ويطالبون بمحاسبة المقصرين

كامل جابر


لبست بلدة عيناتا جارة بنت جبيل من ناحيتها الشمالية، ثوبا أسود من رايات ارتفعت فوق أعمدتها وشرفاتها ومعالمها حزنا على أبنائها الستة الذين اغتيلوا في كنشاسا. وخيم الأسى على كل مظاهر الحياة في البلدة التي شهدت ساحتها تجمعات هنا وهناك تداولت ما أكدته عناوين الصحف والاخبار القادمة من العاصمة او عبر الهواتف النقالة ومنها اتصالات من الخارج.
لم يبق من عائلتي نصر الله وخزعل خنافر في عيناتا غير أقرباء قلائل، فكل من يمت بصلة الى العائلتين المنكوبتين انتقل الى ضاحية بيروت الجنوبية القريبة من السياسيين المهتمين والمتابعين مؤخرا بعض تفاصيل الكارثة التي حلت، قبل ان يعودوا ليل أمس الى بلدتهم بعدما أيقنوا ان الجريمة قد وقعت.
فعائلة نصر الله فقدت نبيه عبد الرسول نصر الله البالغ نحو 45 عاما والمتأهل من قريبته ليلى سمحات ولهما أربعة اولاد: حسن، حسين، بيسان ووائل، وفقدت كذلك شقيقه رضا البالغ نحو 38 عاما والمتأهل من ملاك وهبي ولهما صبيان وطفلة رضيع لا تتجاوز الشهرين.
أما عائلة خنافر فمصيبتها كبيرة جدا، فهي فقدت الى محمد علي العبد خزعل خنافر (60 عاما) الذي كان يعاني من شدة المرض، ولديه التوأمين حسن وحسين البالغين 17 عاما، بعدما نجا شقيقهما الثالث علي (21 عاما) الذي تمكن من الهرب قبل وقوع الكارثة، والمعلوم ان الأشقاء الثلاثة ولدوا في زائير (الكونغو حاليا) التي هاجر اليها والدهم منذ سنوات طوال.
وفقدت العائلة كذلك ابراهيم محمد خزعل (خنافر) البالغ 22 عاما، والدته ليلى خزعل الذي سافر مؤخرا بعدما أنهى خدمة العلم في لبنان، وقد استطاع شقيقه بلال كذلك الهرب قبل ان يقع في أيدي من اعتقل اقرباءه ثم أعدمهم لاحقا.
يقول الشاب حسين نصر الله ابن عم الضحيتين نصر الله: <<العجب ثم العجب من دولتنا ورؤسائنا، كأنهم لا يعنيهم ما جرى او حدث، أسابيع مرت ونحن نتخبط حول مصير أولاد عمنا واخوتنا وهم لم يحركوا ساكنا، مثلما فعلوا يوم اعتقال ماري معربس (...) أين سفير لبنان في الكونغو؟ ألا يعنيهم مصير 11 مواطنا فقدوا منذ نحو شهرين وأعدموا؟ كأنهم كانوا على معرفة بمصيرهم وكانوا يحاولون خداعنا>>.
في بنت جبيل التي كانت تشهد سوق الخميس لم يكن احد من عائلة عبده حسن سعد، وجده المختار الذي تتوسط دكانه الطريق الى حي البركة، فتحها صباحا ثم غادر، الى أين؟ لم يعرف أحد.
من حاريص الى صديقين فطير دبا، لم نعثر على أقرباء ليوسف بكري، فوالده من صير الغربية في قضاء النبطية ووالدته من طير دبا، غير ان العائلة جميعها في بيروت.
أجواء مماثلة لتلك التي في عيناثا، كانت تخيم على بلدة طير دبا (صور) التي فقدت حسان قاسم مغنية (30 عاما) وشقيقه الأصغر محمد (22 عاما)، والدرب الى منزلهما غصت بالسيارات والمعزين، فهما قد فقدا والدهما، منذ تسع سنوات، ولهما شقيق ثالث في جنوب افريقيا يدعى حسين (33 عاما).
تأهل حسان من فاطمة الحاج علي ولهما ولد عمره سنتان اسمه علي. سافر الى الكونغو حين كان في السابعة عشرة وعمل في التجارة العامة مع لبنانيين من آل زيدان، ثم اشتغل في الاستيراد ولاحقا في نقل المحاصيل في البر. منذ ثلاث سنوات سافر شقيقه محمد الى لندن وعاد الى لبنان، ثم غادر الى الكونغو منذ نحو خمسة أشهر، منها شهران فقد خلالهما مصيرهما.
يقول نسيب حسان، خضر الحاج علي: <<وصلتنا منذ يومين معلومات تفيد ان الاسرى ال 11 اعتقلوا في منزل يوسف بكري حيث كانوا يختبئون في أعقاب الفوضى التي حلت في كنشاسا، وبعد اعتقالهم، وفي اليوم الثاني أعدم يوسف بكري ومحمد مغنية مع اثنين آخرين. وبعد نحو أربعة أيام أعدم السبعة الباقون، وهذا الكلام من أقرب المقربين لصهري حسان. كنا خلال هذه الفترة على اتصال مع أحد اركان الجالية اللبنانية في كنشاسا الشيخ حسين مهدي، تحدثت اليه شخصيا اكثر من عشرين مرة وكنت احصل في كل مرة على التطمينات، وانهم يواصلون المراجعات والاتصالات هناك من اجل الافراج عن الاسرى في وقت لم نتمكن فيه من الاتصال بسفير لبنان هناك، شحادة المعلم. لكن في نهاية المطاف كانوا جميعا قد أعدموا، ونعتقد ان جميع المسؤولين كانوا على علم بإعدامهم ولم نتلق منهم غير جرعات مهدئة ومخدرة>>.
ويضيف خضر: <<الوضع، الآن مأساوي ولا نعرف ما هو مصير الجثث خصوصا بعد الكلام عن تفاوض حولها، ويقال انها رميت في النهر. نطالب باستقالة سفير لبنان في الكونغو ووزير الخارجية ومدير عام وزارة المغتربين لأنهم قصروا كثيرا في هذا الموضوع. ونطالب كذلك بحد أدنى، في قطع العلاقات مع دولة الكونغو وعدم استقبال أي وفد أو أية هيئة رسمية من هناك، ولن نسكت على أي تهاون في ذلك لأن الذين قتلوا لبنانيون ومسؤولون عن عائلات، أيتام وعائلاتهم تيتمت، هم ليسوا جيفا حتى تضيع أرواحهم هدرا. نطلب من الدولة اللبنانية برؤسائها ووزرائها ونوابها ان تعمل على تحصين اللبنانيين تجاه ما يتعرضون له في الخارج وان تعمل على استعادة ممتلكات وارزاق واموال الذين اغتيلوا لأن لديهم عائلات تحتاج الى العلم والحياة، فصهري قاسم كان مسؤولا عن عائلته مذ كان في السابعة عشرة>>.
وختم متمنيا على رئيس الجمهورية عدم استقبال أي ممثل أو موفد من الكونغو احتراما لأرواح هؤلاء المظلومين.
ينتقل الطفل علي حسان مغنية في أروقة منزل والده التي خيمت عليها اجواء غير طبيعية بمفهومه الطفولي، يحصل على <<ألبوم>> صور والده ووالدته، يقلبه صفحة صفحة، يناغي والده <<بابا حسان>> حينا ووالدته فاطمة حينا آخر، ثم ينصرف الى لهوه الفوضوي بفعل الظرف الطارئ ولا يتوانى بين الحين والآخر عن السؤال عن والده حسان، كأنه يعرف بفطرته مصيره المأسوي.

رحلة العذاب من عيناتا إلى كنشاسا

حداد وردود فعل ساخطة
الموت الأسود ... بين غربتين!  "على الطريق" - طلال سلمان

 

 

 

 

| بريد بنت جبيل |  |  دار الحوار |  | كتاب الزوار |  |  إتصل بنا |