2001/03/9

Assafir


 رحلة العذاب من عيناتا إلى كينشاسا
حزن جارف في عائلة عبد الرسول نصر الله:
أكتبوا، لا نريد مسؤولاً في بيتنا للتعزية

 ح أ


قبل أن نودّع <<أبو نبيه>> ومن كانوا حوله، قال ولده علي: <<أكتبوا في جريدتكم أننا نتمنى على جميع النواب والمسؤولين عدم المجيء إلينا لتعزيتنا لأننا سنقفل أبواب بيوتنا بوجوههم>>.

لوعة ما بعدها لوعة وحزن جارف يختار <<أبو نبيه>> احدى الغرف المغلقة، لإفراغ بعض حمولته، غير ان الصوت يأتي ويُبكي جميع الحاضرين قبل ان يصل علي ويقول له: <<يا والدي ألا تؤمن بمشيئة الرب... إنها مشيئته ولا حول ولا قوة إلا بالله>>.

ندر أن تجد بيتا في عيناتا لم ينل حصته من الغربة والاغتراب، حتى أصبح المورد الاغترابي ركيزة أساسية لحياة القرية التي عانت عذابات الاحتلال طيلة ربع قرن، فهجر الكثيرون من أهلها ودمرت المواسم وتغيرت أحوال كثيرين وتبدلت نواحي الاغتراب وظلت القارة السوداء تفتح ذراعيها للراغبين بتجربة حظهم لعلهم يجدون فرصة عمل تعوض الحرمان الذي زاد من وطأته واقع الاحتلال الطويل.

<<أبو نبيه>> عبد الرسول نصر الله، رجل عصامي ربى عائلة تميزت بعزة النفس وجهادها في سبيل حياة أفضل.. من عيناتا الى كينشاسا رحلة طويلة مر في طواحينها الوالد واولاده الاربعة نبيه ويحيى ورضا وعلي... عملوا بكد وسعوا الى بناء ذواتهم حتى تكون لأولادهم من بعدهم فرصة علم وعمل لم تتوفر لهم بفعل الظروف القاسية التي مروا بها...

ومثل الكثيرين من أبناء الجالية اللبنانية في كينشاسا كانوا مع كل خضة تشهدها جمهورية الكونغو، يضعون كل جنى العمر في لعبة حظ... واستبشروا خيرا عندما أتى قطاف التحرير في أيار الماضي، فكل واحد منهم يحلم ببناء بيت وأسرة في قريته، وجاءهم خبر وفاة والدتهم بمرض السرطان الخبيث في الصيف الفائت، فتعذر على يحيى ورضا ان يشاركا في تشييعها بسبب ظروف العمل الصعبة.

في يوم مقتل الرئيس الكونغولي لوران ديزيريه كابيلا في السادس عشر من كانون الثاني الماضي، اقتحمت مجموعة من القوات الحكومية مبنى يقطنه لبنانيون في كينشاسا. جاؤوا تقول الرواية يبحثون عن عبده حسن سعد وهو شاب من بنت جبيل جاء لتمضية السهرة عند أصدقائه من بلدة عيناتا... وعلى وقع اقتحام الأبواب وعويل النساء، خرج الجميع من شققهم للاستفسار وبينهم نبيه ورضا نصر الله وأبناء قريتهم محمد علي خزعل وولداه حسن وحسين وقريبهم إبراهيم خزعل.... وكانت حصيلة المداهمة توقيف اثني عشر مواطنا.

وتحسبا لتعريض حياة العائلات للخطر، بادرت النسوة الى الانتقال مع أطفالهن إلى السفارة الايرانية بعدما حاولوا طرق أبواب سفارتهم فوجدوها مقفلة وحاولوا الاتصال بسفيرهم شحادة المعلم فوجدوا خطه الخلوي أخرس، وظل كذلك لأكثر من أسبوعين، وعندما أجاب على اسئلة المستفسرين اكتفى بالقول: <<الأمر ليس مسؤوليتي ولا تراجعوني في الأمر بعد الآن>>...

وفي موازاة قلق العائلات والجالية في كينشاسا، تحرك ذوو المخطوفين المفقودين في بيروت، فألفوا لجنة سعت للقاء المسؤولين، <<فإذا بالأبواب توصد بوجهها ثلاث مرات من قبل رئاسة المجلس النيابي كما يقول علي نصر الله عضو اللجنة وكذلك في وزارة الخارجية عندما قرر وزير الخارجية ان يقابلهم لتخفيف الضجة التي احدثوها اثناء اجتماعه بأحد المسؤولين الاجانب>>.

ومثلما اصطدمت اللجنة باللامبالاة الرسمية، واجهت تقصيرا إعلاميا فادحا. ويقول عم الشابين نبيه ورضا: <<كنا نتمنى ان يعتبروا ال11 شابا يساوون شعرة واحدة من شعرات ماري معربس التي أقاموا الدنيا وأقعدوها لأجلها، فإذا بها تكافئ المسؤولين على اهتمامهم وطائراتهم ووزرائهم الطيارين من بلد الى آخر لأجلها، بإنكار لبنانيتها>>.

ويقول <<أبو نبيه>>: في ذكرى أربعين الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين ذهبنا الى مسجد الامام الصادق ونصبنا <<كمينا>> للمسؤولين وعندما عرفوا اننا هناك، هربوا جميعا وزراء ونوابا، ولم يتجرأ احدهم على مقابلتنا. ثم ذهبنا لنقل شكوانا الى المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان فإذا به يستقبلنا بسؤال رددنا عليه بالقول: نحن يا <<سماحة المفتي>> نحب كل إنسان نرى فيه الخير، وبهذا المعنى نحب <<السيد>> ونحبك>>.

وحده <<حزب الله>> شرّع أبواب قيادته وإعلامه للجنة الأهالي وساهم لقاء امين عام الحزب السيد حسن نصر الله برئيس الحكومة رفيق الحريري في فتح الطريق امام لقاء مطول بين الاهالي ورئيس الحكومة، وكان الوعد بإرسال مدير عام المغتربين هيثم جمعة الى كينشاسا ولما وصل امس الاول (متأخرا 45 يوما)، كان قد سبقه وزير <<العدل>> الكونغولي مويزي كونغولو بإعلان نبأ مقتل اللبنانيين المفقودين في كينشاسا، فإذا بمهمة المبعوث الرسمي الرفيع المستوى كما أوردت الوكالة الاجنبية هي مهمة بحث عن أسماء ولملمة جثث بعد ان فات الأوان.

يقول علي نصر الله شقيق نبيه ورضا: <<الأسف كل الأسف لأننا نحمل هوية لبنانية... لو اهتم المسؤولون بالقضية بالمستوى المطلوب لما كنا وصلنا الى ما وصلنا إليه... الدولة كلها قصرت معنا وكذلك الاعلام، والكلام لم يعد يفيد لأن الجريمة حصلت>>.

حتى الآن، لا يتقبل أهالي عيناتا التعازي رسميا بضحاياهم المفترضين فالأمل بأن يكون قد نجا أحدهم بالصدفة، أيا يكن اسمه لعل ذلك يخفف وطأة المذبحة ويأتي من يروي ما حصل في تلك الليلة الجبانة.

 

 

 

 

| بريد بنت جبيل |  |  دار الحوار |  | كتاب الزوار |  |  إتصل بنا |