2001/03/27

Assafir


 "السفير" تفتح ملف الأسرى المحررين
عائلة سمحات: العمالة أو الاعتقال

 عبير جـابر


لم يستطع احد ان يعوض على الطفلة دعاء غياب والدتها عنها، فابنة السنة والاشهر الاربعة لم تكن تعي ان والدتها ذاهبة في مشوار طويل قد يطول لأشهر او حتى لسنوات، ومع ذلك كانت تبكي بحرقة. ولأن الوالدة لم تتركها بإرادتها، بل لفترة <<ساعات>>، كما بلغها عناصر ميليشيا لحد حين حضروا لاصطحابها للتحقيق في مركز ال17، فقد بذلت شقيقتها فوزية (12 سنة) كل جهدها لتعوّض الطفلة وتخفف عنها، حتى انها تركت مدرستها لتبقى الى جانبها، بعدما حل والدها ووالدتها وشقيقها الاكبر ضيوفا لأجل غير منظور في معتقل الخيام.

في التاسع والعشرين من ايلول 1999 ضرب الحصار على بلدة عيناتا الجنوبية المحتلة، إثر مقتل العميل فوزي الصغير واعتقل عدد من ابنائها بتهمة اعطاء معلومات للمقاومة، وكان من بين المعتقلين حسين سمحات وزوجته الحامل نجوى وابنهما احمد. ألقي القبض على الزوج في محل الشاورما الخاص به في بنت جبيل، بتهمة القيام بعملية اغتيال العميل الصغير.

يوم أعد حسين العدة للعودة الى لبنان بعد سنوات الغربة في الكويت، لم يكن يتوقع ما ينتظره هنا، فهو كان قد قرر <<افتتاح محل لأسترزق منه وأبقى الى جانب عائلتي، بدل الغربة، والله يسّرها معي ومشي الحال>>. لكن الوضع الذي كان مستتبا مع حسين لم يكن يرضي اللحدين الذين استدعوه في المرة الاولى للاطمئنان الى حاله وسير اعماله، <<يومها طلبوا مني التعامل معهم للمرة الاولى، وكان ردي انني اريد العمل وتربية اولادي، فعرضوا عليّ العمل معهم ببدل مالي مرتفع وإراحتي، كما ادعوا>>. وكان القدر لحسين بالمرصاد عندما حصلت عملية في بيت ياحون وقتل الصغير، فكانت تهمة جاهزة له لتضعه امام خيارين إما العمالة او الاعتراف بالجريمة.

ولم يكتف العملاء بحسين فاعتقلوا ابنه احمد بعد نصف ساعة من اعتقاله. كان الشاب يساعد والده في عمله عندما <<حضروا وأخذوني من المحل الى ال17، ومنه الى الخيام، وخلال التحقيق بدأوا يسألونني عن علاقتي بالمقاومة، ولم يميزوا بيني وبين الآخرين في عمليات التعذيب على الرغم من صغر سني حينها>>. لا يخفي احمد خلف النظارات الرمادية النضج الذي اكتسبه خلال تجربة الأسر التي مر بها، فقبل سنوات لم يكن بدرجة الوعي التي يتمتع بها اليوم، وهو ابن الاعوام العشرين، فهو كان يشعر بالضعف تحت التعذيب في بعض الاوقات <<لكنني الحمد لله كنت اعود وأسترد قوتي>>.

قبل دخوله الى معتقل الخيام، يتذكر احمد انه كان ينوي النزول الى بيروت لمتابعة دراسته، كان تلميذاً يدرس برمجة الحاسبات الالكترونية، <<كنت اتضايق من الوضع، وخاصة انني كنت ارغب بخدمة بلدي بشتى الطرق، وكان طموحي الالتحاق بصفوف المقاومة>>. وكان احمد يتغاضى عن <<تلطيش>> العملاء له عندما يسألونه <<متى ستنهي المدرسة وتنضم إلينا؟>> فهو كان يعرف ما يريد فعله. لكن الشاب الطامح لم يحقق مبتغاه، فدخل المعتقل وأمضى فيه حوالى تسعة اشهر، كانت ستزيد عن ذلك لولا محطة التحرير التي كانت الباب الذي خرج منه الى الحرية، <<كنت بتمنى شارك في التحرير، صحيح اني ضحيت بوجودي في المعتقل لكن المهم اننا نلنا الحرية>>.

لم يعرف احمد بوجود والدته في المعتقل معه إلا بعد حوالى العشرين يوما، <<ولم ألتق بوالدي إلا بعد فترة عندما كانوا يجمعوننا كل حوالى الشهر مرة، وكانوا يجلسون معنا ولا يسمحون لنا بالاختلاء ببعضنا البعض>>، يقول احمد، وتؤيده والدته بالاشارة الى ان <<كنا نمضي حوالى العشر دقائق معا لكن بوجود العملاء معنا>>.

اقتيدت الوالدة نجوى في اشهر حملها الاولى الى المعتقل، والسبب كان محاولة الضغط على الزوج حسين للتعامل مع ميليشيا لحد، <<لم اكن اعرف ان زوجي وولدي في المعتقل>>، تقول نجوى التي فاجأها المحقق في الخيام عندما قال لها <<بتعرفي إنو زوجك وابنك هون بالمعتقل>>. ولم يكن يكفيها التعذيب الجسدي الذي تتعرض له، فجاء هذا الخبر ليزيد من عذابها وحرقة قلبها <<كنت فكر إنو عذابهم افظع من عذابي، وكان بالي مشغول عليهم دايماً>>. ومما زاد من هم نجوى انها خلال التعذيب تعرضت لنزف حاد وفقدت جنينها.

لا تستطيع نجوى ان تتجنب دمعة تترقرق في عينها، عندما تتذكر ان ابنتها دعاء لم تعرفها عند خروجها من المعتقل، <<ما قرّبت مني، اخواتها فوزية ومحمد كانوا مبسوطين بس هي ما تعرفت عليّ لأني كنت مغيّرة>>، ولم تكن حال الوالد بأحسن منها اذ لم تعرفه ابنته الصغيرة إلا عندما سألها <<بابا بدك سندويش شاورما>>، فنظرت إليه وقالت <<بابا>>، فبعد اكثر من تسعة شهور في المعتقل، لم تستطع الطفلة ابنة السنوات الثلاث ان تميز هذا الرجل الذي عاد الى المنزل إلا من خلال جملة كان يقولها لها دائما.

يروي ابو احمد ذكريات المعتقل التي لا تزال مدموغة في كل جزء من جسده، في عظامه التي تحطمت تحت التعذيب، <<كانوا يضعون خرطوم المياه في اذني وكسروا لي عظاما في جسمي>>. ولم يكتف المحققون بالألم الذي كانوا يسببونه له بل كانوا يهددونه <<تخيلي كان المحقق يقول لي سنحضر ابنتك الى هنا وسنعريها ونريك ما نفعله بها، ولم يكن بوسعي الرد عليه>>. وبعد هذه الفصول من التهويل النفسي والجسدي كان التعويض الذي ناله حسين بصفته أسيراً محرراً، <<ثلاثة ملايين ليرة لا تعوض الاهانات التي كنا نتعرض لها ولا كلمة وسخة كان العملاء يوجهونها إلينا>>.

تدور الدنيا بحسين عندما يصاب بمرض هو او احد افراد أسرته خاصة عندما تكون الحالة طارئة، <<عم نتمرمر (نتعذب) كل ما بدنا نتحكم على حساب الدولة بدنا ورقة من الضمان ومن وزارة الصحة، وورقة من الحكيم ونرفع كتاب وشغلة طويلة عريضة>> تقول نجوى ولا تخفي تنهيدتها على احد، وتردف <<في الحالات الطارئة ماذا نفعل؟>>، خاصة انها خرجت من المعتقل بأوجاع في الرأس وعرضة دائما لحالات انهيار عصبي.

لا يطلب ابو احمد الكثير من الدولة <<كل ما نريده بطاقة نستطيع بواسطتها ان نتعالج من دون الركض بين الادارات الرسمية>>، ففي المرة الاخيرة التي احتاجت زوجته للعلاج اضطر للاتصال بالصليب الاحمر ليسعفها. وليت الامر يقتصر على هذه الحالات، اذ تبدو العائلة <<الأسيرة>> بحاجة مستمرة للعلاج والعناية نتيجة ما تعرض له افرادها تحت التعذيب، <<ألا يكفينا المر الذي عشناه تحت الاحتلال وفي الأسر، لنتعذب اليوم عندما نحتاج لأبسط حق وهو العلاج؟>>، سؤال يطرحه كل أسير محرر ويطرحه أسرى عائلة سمحات، ويتطلب ليس فقط اجابة سريعة بل حلا جذريا.

 

 

 

 

| بريد بنت جبيل |  |  دار الحوار |  | كتاب الزوار |  |  إتصل بنا |