أولويــات جنــوبية

النهـار  (31 آذار 2001)

منى فيـاض

لم يتوقع احد من منظمي ندوة "قرى جنوب لبنان الحدودية، الحاجات واولويات التنمية" الشهر الماضي، ان تكتظ قاعة فندق الدانا في ابل السقي بكل هذا الحشد من المشاركين الذين بلغوا ما يقارب المئة وخمسين مشاركا في اليوم نفسه لحصول آخر عملية للمقاومة في كفرشوبا والتي ردت عليها اسرائيل بقصف القرى الحدودية. هذا بالاضافة الى غضب الطبيعة وبردها التي كانت تمهد للطقس العاصف الذي عرفه لبنان في الايام التي تلت الندوة. 

ما سبب هذا الحضور الكثيف والمشاركة النشيطة والمنظمة من جانب فاعليات جنوبية منوعة ومختلفة التوجهات والمشارب؟ هل ساهم في احضار هذا الحشد المشاركة الجدية لمستشار سفارة المملكة الهولندية الذي بقي حاضرا ومستمعا ومدونا باهتمام لكل المطالب وقدم واعدا بعد ذلك بنقلها الى المجموعة الاوروبية من اجل درسها وتنسيق العمل على تحقيقها؟ ام هو الاهمال والتخلي الذي يشعر الجنوبيون انه لم يكد يفارقهم حتى عاد بأقوى مما كان عليه من قبل؟ فماذا يخسرون من المجيء؟ 

كانت الندوة قسمت محاور عدة: 

الزراعة والصحة والتربية والتعليم وكذلك الصناعة والبيئة والسياحة والبنى التحتية. واعطي لكل محور حوالى ثلاثة ارباع الساعة وبالتساوي تقريبا. تم البدء بمحور الزراعة وتوالت المداخلات والكلمات وجعل الوقت يمر وبعد مرور اكثر من ساعة صار من المطلوب الانتقال الى المحاور الاخرى من اجل معرفة الحاجات والمطالب ولكن عبثا لم يفلح المنظمون في جعل النقاش يتخطى المحور الزراعي. وكلما جرت محاولة من اجل تقديم رؤيتهم حول المشكلات الصحية (خاصة ان مشكلة مستشفى مرجعيون كانت لا تزال قائمة) او للاشارة من جانب البعض الى المشكلات التربوية واضطرار الطلاب، على المستوى الجامعي خاصة، للانتقال الى صيدا او بيروت كان النقاش ينشدّ نحو الزراعة مرة اخرى! 

سألت نفسي هل يعتقد الجنوبيون ان لا اهمية للمطالب المتعلقة بالقطاع التربوي والصحي والسياحي والبيئي؟ ووجدت ان الالحاح على المشكلات الزراعية لا يتعدى الاهتمام بما هو في منتهى الضرورة لحياتهم اليومية. وان نطلب منهم الانتقال مما هو اساسي ومعيشي يومي الى التربية والعناية الصحية يشبه مطلب ماري انطوانيت الشهير من الشعب الفرنسي ان يتناول البسكويت بسبب عدم توافر الخبز. 

يبدو ان الاولوية لدى اهل الجنوب بمختلف مناطقهم وطوائفهم تأمين هذا الخبز بالذات. من هنا لاحظنا البرامج المتطورة التي اقترحت من اجل حل المسألة الزراعية التي وحدها تؤمن لهم الصمود والكرامة. مطالب متعلقة بالزيتون، من العناية بالاشجار نفسها الى تأمين معصرة زيت لكل قرية، والتي يسبب غيابها وبعدها عن القرى صرف نصف ناتج محصول الزيت على النقليات. اقترح احد المزارعين، وبالكثير من عزة النفس، تأمين مجرد قرض لقريته من اجل شراء معصرة للزيت يتم تسديده على اقساط لسنوات عدة من جراء تشغيل هذه المعصرة. 

كما قدمت اقتراحات تشكل حلولا عملية ممتازة لتأمين مشاركة ذات مردود للاهالي والمستثمر نفسه، واقامة مشاريع صغيرة مثل تقديم ارض لمزرعة ازهار هولندية يجني منها المستثمر ارباحا ويساعد من يريد على العناية بها وتسويقها (التشديد على الخبرة التسويقية). كذلك الامر بالنسبة الى الابقار او النحل او الفطر... ناهيك عن مطالبتهم ببناء معامل لتصنيع المنتجات الزراعية المعروفة في المنطقة من فواكه وزيتون... كذلك تأمين دعم الاطباء البيطريين وتأمين المختبرات كي يتمكن هؤلاء من معرفة امراض المواشي من اجل القضاء عليها. ناهيك عن تقديم مساعدة من اجل مكافحة امراض الزيتون ومختبر لفحص درجة حموضة الزيت لأن ذلك يتسبب احيانا بمشكلات تعوق تصديره الى الخارج. 

كانت المطالب عملية ولم يتوجه الجنوبيون بمطالبهم الى الدولة (في ما عدا اعفاء المواد الاولية التي تلزمهم من الرسوم الجمركية) وكأنهم يشعرون بعبثية التقدم بمطالبهم كي تقوم الدولة بدعمهم. بل ذهب البعض الى حد اقتراح تمويل وتنمية ذاتيين واقترح جمع ضرائب محلية على شكل حسم نسبة معينة من فواتير الماء والكهرباء. وما عدا اقتراح التنمية الذاتية هذا (ذكرني ذلك بمطلبنا في كلية الآداب والذي يقترح منذ مدة ان تبقى الرسوم التي يدفعها الطلاب للتسجيل في الفرع نفسه كي يتأمن مصدر تمويل للتمكن من شراء مقاعد وتجهيزات اساسية مشابهة لأن المناقصات تكلف هدرا كبيرا في الوقت والمال)، توجه الحضور الى ممثل المجموعة الاوروبية ولم تكن مطالبهم مساعدات على شكل هبات ولكن مساعدات تبادلية واستثمارية. 

لسان حالهم يقول: تريدون مساعدتنا هذا ما نريد تفضلوا اشتروا محاصيلنا وشاركونا واربحوا ولكن اعطونا الخبرة. الخبرة على مستوى اقامة المشروع والخبرة من اجل تسويقه. والعمل على تأمين دورات تدريبية ومعامل ومحترفات... 

وعي جديد ومطالب عملية تحمل مسؤولية خياراتها ولا تريد شفقة او هبة لكن تشارك وتعلم وتبادل خبرة. 

لم ينسَ الجنوبيون الاشارة الى استحالة الاستثمار في ارضهم من دون تأمين الماء، ولم ينسوا قبل ذلك تنظيف ارضهم من الالغام وتخليصها من المجارير والنفايات التي تتراكم على مداخل القرى. 

كذلك لم ينسوا الاشارة الى تنمية الانسان الضرورية لتنمية الارض ولكن مقابل مطالبهم الحياتية الضرورية بدا الامر وكأنه شعار يضيع في خضم هموم العيش التي تسحق هذا الانسان وتجعل التربية والصحة مطالب ترفيهية يمكن تأجيل البحث فيها "فعلينا ان نشبع اولا". 

 
 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic