من جديد في زنازين الخيام


السفير (الإثنين، 28 أيـار 2001)

عبير جابر

عند درج غرف السجانين في معتقل الخيام وقف مجيد، يتأمل حوله الباحة الخارجية وهي تغص بالناس. لم يمر وقت طويل على مغادرته هذا المكان، فهو يحمل كالكثيرين من المتواجدين هنا لقب أسير محرر، لكنه اليوم يراه بصورة مختلفة، <<هيدي النسمات الباردة ما كنا حاسين فيها جوا بالزنازين>>، يقول كمن اكتشف كنزا كان مخبأ تحت قدميه من دون أن يدري.

بالأمس كان متواجدا في المحيط الجغرافي نفسه الذي أمضى فيه سنوات طويلة من عمره، في <<المبنى>> نفسه، مع التحفظ على الكلمة كون العتقل لا تتوافر فيه أدنى الشروط الصحية للبناء، لكن الوضع كان مختلفا فهو يقف حرا بعيدا عن السجانين، وفي الهواء الطلق تحت شمس أيار، خارج غرف الرطوبة والظلمة.

اختلفت الظروف بين الأمس وأيار الآخر من العام الماضي. فبعد أن كان الأسرى قابعين في الزنازين يطالبون بحريتهم المسلوبة، جاؤوا اليوم، في عيد التحرير ليقولوا كلمة أخرى. فاليوم وبعد نيل الحرية بات المطلوب حياة كريمة، لا يسيّجها العوز ويعتقلها الخوف من الجوع في الغد، فالأسرى المحررون قرروا تذكير الدولة بوعودها من منزلهم الأول حيث أمضوا سنوات عمرهم في الظلام من دون أن يراهم أحد، واليوم باتوا في النور لكن أحدا لا يراهم، ولا يشعر بمعاناتهم.

بالأمس القريب اعتصموا وأضربوا عن الطعام لأيام ونالوا الوعد تلو الآخر <<فأنتم فرسان التحرير>> كما كانوا يخاطبون، لذا كان أفضل مكان للاحتفال بعيد التحرير هو <<هون>> خلف قضبان المعتقل. لكن الاعتقال هذه المرة كان مع سجانين <<منا وفينا>> كما يعلّق أحدهم مازحا، فالحاج محمد اضطر للعب الدور البشع واخذ يتنقل مع علاقة المفاتيح بين الغرف ليطلق سراح أحد الذين ملوا البقاء بين الجدران العفنة.

كانوا حوالى المائة أتوا من أماكن مختلفة، كما عندما اعتقلتهم اسرائيل في الماضي، في زنزانات الأمس، <<هيدي زنزانتي>> يقول بلال، محدثا أحد الزوار من خلف الباب الحديدي المغلق. <<هون مضيت سنيني السبعة>> يخبر محمد الزوار المحيطين به، فيعلق أحد العابرين <<ما صدقوا كيف طلعوا من هون ليش رجعتوهم؟>>.

وتقف أم عدنان على أعتاب الزنزانة الافرادية <<هون عاشت بنتي سهى (بشارة) ست سنين ونص>>. وتركض كفاح فور وصولها الى المعتقل لتعانق رفيقاتها الأسيرات متنقلة بين <<الغرف الجماعية>>، كما هو معلّق عند مدخلها، لتسأل فريدة عن أخبارها وتحضن طفلها، وتطمئن عن أخبار سناء وسنية وغادة وتعرف جديد هنادي التي لم ترها منذ مدة طويلة. وما هي الا لحظات حتى بدأ سيل الذكريات يأخذهم معه الى سنوات خلت عندما كان السجن يجمعهم.

بات المكان جزءاً منهم <<هون كنا نتحمّم، وهون كان تختي>>، أماكن حفظوها عن ظهر قلب كما المرارة التي ذاقوها فيه. ولأن العيد جمعهم من جديد كان لا بد من الاحتفال بطريقة خاصة فكان الغداء يوزع عليهم كما في الماضي <<مجدرة عدس ورز بس هالمرة مع ملح وزيت وفتوش>> تقول احداهن، ويردف محمد كما أننا <<نتناوله كل واحد في صحن وليس في صحن واحد للجميع>>، كما افتقد الأسرى المحررون لطعم الصدأ المعلق في طعامهم من أسفل الباب حيث كان السجان يمرره لهم.

مُرّة هي الذكريات وبشع طعم الحرية في الذل.

 
 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic