سماحة العلامة السيد محمد حسين فضل الله
يفتتح "مؤتمر إحياء تراث علماء جبل عامل"


بيّنـات (الأربعاء، 30 أيار - مايو 2001)

افتتح سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله"مؤتمر إحياء تراث علماء جبل عامل " في مجمّع فاطمة الزهراء(ع) في صيدا بتاريخ 8-3-1422هـ 30 أيار ـ2001 م ، بحضور حشد من الشخصيات السياسية والعلمائية، يتقدمهم ممثل رئيس الجمهورية الوزير نزيه بيضون ، وزير الثقافة غسان سلامة ممثلاً رئيس الحكومة رفيق الحريري، وممثل عن قائد الجيش، ، النائب علي الخليل ، سفير الجمهورية الإسلامية في لبنان محمد علي السبحاني.

  بعد كلمة ترحيبية من فضيلة الشيخ عفيف النابلسي بسماحة السيد فضل الله والحضور ، ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله كلمة جاء فيها:

  أن يبرز اسم جبل عامل فإنك تتمثل كل هذه المنطقة من لبنان التي كانت في مدى أكثر من قرن تضج وتتحرك بأكثر من خط ثقافي يتجاوزها ليتحرك في أكثر من موقع في العالم، فعندما تذهب إلى العراق تجد جبل عامل ينفتح على أكثر من نتاج علمي يتحرك العلم فيه ليستزيد منه، فيبدع من خلاله، وهكذا عندما تنطلق إلى إيران فإنك تجد أكثر من علم كبير كان يملأ إيران بالثقافة في اكثر من موقع فقهي وأصولي وعلوم الفلك والحساب وما إلى ذلك، وإذا وصلت إلى الهند رأيت أن لجبل عامل أكثر من إسم هناك من آل خاتون ومن علماء عيناثا وغيرهم.. لأن هؤلاء العلماء كانوا لا يعيشون فكرة أن يستغرقوا داخل مواقعهم بل أن ينفتحوا على أكثر من موقع لينهلوا منه علماً وليعطوه علماً، ولعلنا نجد في هذه الخصوصية العاملية الخصوصية اللبنانية، فنحن نعرف أن اللبناني إلى أي موقع انتمى كان يعيش سياحة العلم والمعرفة ويحرك ثقافته في ثقافة الآخرين، لأن قصة أن تكون المثقف هو أن تكون المنفتح والممتد، والذي يعيش إنسانيته في إنسانية الآخر. أما الذين يختبئون في داخل ذاتياتهم، فإنهم يملكون بعض المعلومات، ولكنهم ليسوا مثقفين … الثقافة هي أنت، عندما تنساب في شخصيتك، لتكون دماً فكرياً يعطي ذاتك عنواناً جديداً.

  أضاف: ولعل مشكلة هذا التاريخ من الثقافة في لبنان ـ ونحن هنا مع شخصية مثقفة هي معالي الأستاذ غسان سلامة ـ هي أن الذين كتبوا هذا التاريخ لم يعطوا لجبل عامل الكثير ، نحن نقرأ الكثير عن الشعراء والأدباء من جبل لبنان والشمال ـ ونحن لا نتحدث بلغة طائفية ـ ولكننا نجد أن هناك غياباً لعاملة فيما كتب، وإذا درسنا ثقافة عاملة الدينية والأدبية ودرسنا الكثير من حركة الصراع السياسي التي كانت لا تنحصر في دائرة ضيقة لرأينا أن تاريخ ثقافة لبنان قد خسر الكثير من مواقع الإشراق في الصورة، وأتصور أنه لا بد من إعادة كتابة التاريخ الثقافي.

  وتابع: نحن نعرف أن جبل عامل أول من انفتح على القضية السياسية في المنطقة بانفتاحه على القضية الفلسطينية منذ أواخر العشرينات.. وهكذا في موضوع الوحدة العربية، كان إنسان جبل عامل الإنسان المثقف، حيث أنه لم يعش السياسة على أساس أن تكون لعبة بل أن تكون قضية، نحن نعرف أن الكثيرين ممن عاشوا في مواجهة الإستعمار دخلوا السجون واستشهد بعضهم، ولم نجد في ما كتب من تاريخ لبنان ذكراً لعاملة، إن مسألة أن يكون لبنان واحداً هي مسألة أن تجمع كل لبنان الثقافي والسياسي والجهادي والاجتماعي في الماضي والحاضر من أجل أن يتحسس الإنسان في هذا البلد إنسانيته ولا يعيش في وثنية طائفية.. لأننا أصبحنا وثنيين نعبد ما صنعناه من صنم، نعبد الأرض والشخص والطائفة، ويُخيل إلينا أننا نعبد الله.

  وأردف: ونحن هنا في مدى هذا التاريخ نلتقي بالشخصية التي عاشت الثقافة منذ طفولتها قلقاً.. لأن هناك من يعيش قلق المعرفة عندما يفتح عينيه على الحياة، والشهيد الثاني كان العالم الذي بدأ رحلته العلمية منذ الرابعة عشر من عمره. كان يهاجر من "جباع" الى "ميس".. كان لا يسمع بعالم في أي منطقة إلا ويقصده بعيداً عن كل المذهبيات والمناطقيات، وهو المسلم الشيعي، شعر أنّ مصر تنتظره. وكم هي المسافة ولا سيما في تلك الأوقات بين جبل عامل ومصر. وذهب إلى مصر ودرس ما كانوا يأخذون به من علم، وشعر وهو المسلم أنه لا بد أن يطلّع على كل التراث الإسلامي من أهل البيت(ع) ومن علماء أهل السنة. وهكذا درس على بعض العلماء صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وأخذ الإجازة بالرواية.. وهكذا نفذ إليهم بالحوار.

  كان يفكر وهو في مصر أمام هذه التنوعات المذهبية والدينية بقلق.. لماذا يتحرك الناس في التزاماتهم الفكرية والدينية وغيرها على أساس أن يقلّدوا أو يتّبعوا، والإتّباع ليس فكراً، التقليد ليس ثقافة. أن تتبع أن تلغي عقلك، لأنك عندما تتبع من فكّر، فأنت تحاول أن تتقمص شخصيته. أن تكون الصدى، والكثيرون من الناس لا يحبون أن يكونوا الصوت، وعندما يحمل الصوت مضموناً للتحدي فإنه يشكل خطراً، ومشكلة كل الذين عاشوا التحديات في التاريخ وفي الواقع أنهم كانوا الصوت، وتحملوا كل الأخطار، وتحدثوا بصوت مسموع..

  كان من فكر الشيخ الشهيد أن يكون المجتمع كله مثقفاً، ولكن بأحجام مختلفة لا أن نبقي أكثرية الناس على "عواميتهم" إذا صح التعبير. الله جعل العلم مسؤولية الجاهل، ومسؤوليتنا أن نعلمه، أن يحاور، أن يجادل، وأن لا يقبل شيئاً في السياسة قبل أن يفكر، ولكن بعضنا يريد أن يُجهّل الناس ليبقى الطاووس بينهم، وسياسة التجهيل يريد الكثيرون أن تظل طابعاً للواقع السياسي والاجتماعي وما إلى ذلك.

  وقال: مشكلة الإنسان كله في الماضي والحاضر والمستقبل عندما يخنق عقله إنحناء لعقول الآخرين.. كان الشهيد الثاني يفكر بما نسميه في هذه الأيام بالحرية.. إن علمك لا يغنى عندما تعيش في داخل زنزانتك، ولكنه يغني عندما يتحرك في الهواء الطلق، ونحن شعب نحب الزنازين كثيرا،ً قد نرجم الزنازين في السجون، ولكننا أدمنا الزنازين السياسية والدينية، لكل منّا زنزانته. أدمنا ذلك في البيت، الزوج يقول لزوجته وأولاده: الكلمة لي.. وتمتد المسألة ويقف الحاكم ليقول: لا كلمة لأحد، الكلمة لي… ثم يأتي المحتل ويقول: لا كلمة للشعب، وتتحرك كل قابلية الخضوع للمستعمر، وربما لا يحب بعض الناس أن يرحل المستعمر، لأنهم تعودوا أن يُرّتب لهم أمورهم.. كما يقول "مالك بن نبي": إن بعض الشعوب تختزن في داخلها قابلية الاستعمار.

  وأضاف: بعض الناس يقول الحرية تجلب الضلالة، ولكنني أقول: ضغط الحرية هو الذي يجلب الضلالة، الضغط يجعل الفكر فكراً شهيداً، وبعض من ضغطت على حريتهم انتشرت كتبهم في العالم ولو تركوا لما قرأ كتبهم أحد.. إذا كانت بعض المفاهيم شائعة في موقع فإن التطور الثقافي والسياسي والإعلامي أصبح لا يسمح بذلك، لذلك علينا أن نعيد القراءة في ذلك.

  لقد كان الشهيد الثاني حرّ الفكر، كان عندما يبحث الفكرة لا ينظر إلى موقف "المشهور"، كان يبحث المسائل من موقع حرية الفكر للفقيه، ونظر إلى الفوضى العلمية في الخوذات حيث لا يعيش العالم أخلاقية العلم فكتب كتاب "منية المريد في آداب المفيد والمستفيد".. كان الإنسان الذي عاش عصره ومجتمعه، كان مجتمعه مجتمعاً متعصباً، وكان يعرف أن المتعصب يوحي بالجريمة.. أن تتعامل مع الآخر من خلال الدين أو الإنسانية، ولكنه سقط شهيداً من خلال جريمة التعصب الغبي..

  أنا أدعو إلى قراءة الشهيد الثاني أصولياً و حديثياً وفقهياً.. كان الرجل ينقد المناهج العلمية. كان ينقد المناهج الأصولية آنذاك، فكيف إذا جاء الشهيد الثاني إلى المناهج الأصولية الآن ورأى هذه الفلسفة التجريدية ؟ وكم هو الوقت الضائع الذي يُخربّ ذهنية الفقيه بالذهنية الفلسفية التجريدية.. ولو كان في هذه الأيام حيث الكثيرون يطلقون كلمات التكفير، لاندفع الكثيرون يكفروّنه لأنه قال كلاماً لو قاله بعض الناس الآن لأسقط البعض السماء على الأرض، كان مبتلى بالجهلة، ولا يزال الكثيرون يتحركون بالجهل..

  "الشهيد الثاني" إسلامي عربي إنساني، فتعالوا نعيش الشهادة لفكره وعلمه كما نعيش الشهادة لدمه الذي سقط من خلال التعصب، وما زالت دماؤنا تسيل من خلال التعصب والفتن الطائفية، ومن خلال الخط الصهيوني الذي يعيش التعصب ضد الإنسان كله، ولكنه تعصب يحاول أن يخطط وأن يتعلمن، ويحاول أن يوحي أنه في خط الإنسانية والسلام… تعالوا ونحن في منطقة تقتلها العصبيات، إذا كان ولا بد من التعصب تعالوا و"عقلنوه" وإن كان التعصب لا يقبل ذلك في ذهن الإنسان.. مشكلتنا أننا نعيش خارج ذواتنا.. عندما يولد الإنسان في مذهب أو دين، فلا بد أن يبقى في هذا الإطار حتى الوفاة لتلاحقه الطقوس نفسها من الولادة إلى الموت..

  لنعش مع الله، فالله محبة، حتى الأرض تعالوا "لنؤنسنها" فلا نجعلها صنماً، تعالوا فنلتزم الأشخاص ولا نحولهم أصناماً.. علينا أن لا نرجم العالم بالحجارة حتى وإن اختلفتا معه. أن نرشقه بالفكر.. ولكن آه... الغريزة هي التي تحاور الفكرة، ما أكثر الجهلة باسم العلم، وما أكثر المتخلفين باسم التقدم .

  "غالبت عالماً فغلبته وغالبت جاهلاً فغلبني".

 
 
 

 
 
     إبحث في موقع بنت جبيل

 

Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic