مشروع لإنقاذ الليطاني... قبل فوات الأوان
يمتد من القعقعية إلى الخردلي ويشمل 3 أقضية و12 بلدة


السفير (الأربعاء، 6 حزيران 2001)


سعدى علوه

صحيح ان المناطق التي ظلت تحت الاحتلال الاسرائيلي على مدى اثنين وعشرين عاما، عانت وأهلها الأمرّين من ممارسات العدو واستباحته للانسان والأرض، لكن تلك العزلة القسرية سمحت بالحفاظ على ثروات المنطقة الطبيعية والبيئية من الخراب والتلوث الناجمين عن النمو العشوائي والعمران غير المدروس والذي أرخى بظلاله على جزء من الاراضي المحررة نتيجة الهجمة العمرانية للعودة والتغاضي الرسمي عن إنجاز مخطط توجيهي يحول دون وقوع كارثة بيئية. 

وعلى الرغم من الفوضى التي عمت منذ سنة، ما زال بالامكان التصرف للحفاظ على طبيعة القرى <<وريفيتها>>، وحماية الجبال والمناطق الحرجية التي تستغيث تحت ضربات الكسارات والمقالع والمرامل وسموم الزفاتات، وصولا الى مصادر المياه المهددة باجتياح مخلفات الصرف الصحي ومكبات النفايات العشوائية، من دون ان ننسى الشاطئ الممتد من صور الى الناقورة الذي يعتبر الشاطئ الوحيد النظيف في لبنان حتى الآن. 

ومع ذلك فإن الأصوات التي ترتفع مطالبة بمخطط توجيهي شامل للمنطقة وحمايتها، لا تلقى الأصداء المناسبة، إذا ما استثنينا <<الترحيب الشفهي>> الذي لا يُترجَم عمليا. 

ومن بين المشاريع الهادفة الى إرساء نظام ما يحمي المنطقة، قدم المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، قسم دراسات التنظيم المدني، <<مشروع درس وتنظيم جانبي نهر الليطاني ووادي الحجير بين جسر الخردلي وجسر القعقعية>> بهدف <<معالجة وتنظيم المنطقة الممتدة من جسر الخردلي حتى جسر القعقعية، حيث تم استعراض الحالة الحاضرة للوادي بجمع عدد من المستندات والخرائط والصور الجوية المتوفرة>>، كما يؤكد رئيس المركز الدكتور علي فياض. 

ويقول فياض ان المستندات المتوافرة تبين حجم الخسارة الفادحة للوادي وللمنطقة المحيطة به وللوطن ككل الامر الذي يشكل حافزا للمضي قدما في تنفيذ المشروع المذكور. 

ويلاقي المشروع ترحيبا من نواب المنطقة الذين اطلعوا عليه ومن مدير عام التنظيم المدني جوزف عبد الاحد ومن مخاتير وبلديات القرى والبلدات الواقعة في نطاقه. 

ويهدف المشروع الى تنظيم الامتداد العمراني ووضع الاسس التنظيمية لإعادة التأهيل البيئي بما فيها إقامة محميات طبيعية على الاملاك العامة حيث تتوافر الظروف المناسبة والتأسيس لبيئة سياحية يكون محورها النهر ونقطة ارتكازها قلعة الشقيف وذلك عبر إبراز المعالم السياحية والاثرية المتوفرة في معظم البلدات. 

ويشمل المشروع أراضي من أقضية النبطية ومرجعيون وبنت جبيل تمتد على مسافة 3150 هكتارا وبطول اربعة عشر كيلومترا، ويضم بلدات قعقعية الجسر وزوطر الغربية وزوطر الشرقية ويحمر وارنون (قضاء النبطية) ودير ميماس والطيبة ودير سريان وعلمان القصير والقنطرة (قضاء مرجعيون) والغندورية وفرون (قضاء بنت جبيل). 

ويرى فياض انه <<لم يعد هناك من مجال للسكوت عن ورشة البناء الضخمة والعشوائية التي تجتاح المناطق المحررة وعن الكسارات التي تبتلع ما تبقى من جبال واحراج وتقضي على الثروات الطبيعية وتلوث الهواء، بالاضافة الى مكبات النفايات العشوائية التي <<تزين>> مدخل كل بلدة وقرية والحفر الصحية والآبار ذات القعر المفقود التي تأخذ بالمياه الآسنة الى نهر الليطاني والى المياه الجوفية. 

أما وادي نهر الليطاني فيتعرض الى <<هجمة>> شق طرقات، منها طريق من <<الطيبة>> الى ضفاف النهر في الوادي بطول ثلاثة كيلومترات، تسببت كما يصفها الاهالي <<بقلب الجبل رأسا على عقب>> وتبدو للقادم للوهلة الاولى وكأنها بؤرة للكسارات او المقالع. 

وكان جنود الاحتلال قد قاموا بشق طريق تصل جسر القعقعية بعلمان وتوصل قضاء النبطية بقضاء مرجعيون. 

وهناك خطر آخر يهدد الوادي المطلوب حمايته وهو خطر متمثل في الوعد الذي قطعته جهات سياسية فاعلة لأهالي يحمر، بشق طريق من يحمر الى قضاء مرجعيون عبر وادي الليطاني وبطول ثمانية كيلومترات بمحاذاة النهر، الامر الذي سيهدد الجبل والحياة النهرية، الامر الذي سيهدد الجبل والحياة النهرية ومجرى النهر وكل الاخضرار والثروة الطبيعية في المنطقة، كما إنه سيجعل الوصول الى وادي الليطاني سهلا مما يرفع من احتمالات التلويث الناتجة عن المتنزهين واحتمال انتشار المرافق السياحية. 

ويشير فياض الى الصيد بالديناميت وعبر الكهرباء والمنتشر عشوائيا في النهر والقائم <<على قدم وساق>> وهو ما يقضي ليس فقط على بذور الاسماك وصغارها وإنما على كل الحياة النهرية والثروة السمكية في النهر. 

وتشتهر المنطقة المحيطة بوادي نهر الليطاني نظرا لعمقها وصعوبة الوصول الى كل اجزائها، بكثرة الخنازير البرية والثعالب والطبسون والنيص والنحل البري والحمام البري... مما يجعلها من أغنى المناطق بالتنوع البيولوجي والنباتات النادرة وخصوصا في ظل استباحة المناطق الاخرى. 

وعلى الرغم من عشوائية تحويل مياه الصرف الصحي العائد لبعض القرى، نحو الوادي ومنها قرية دير ميماس التي تذهب مياهها الآسنة الى النهر مباشرة وبالقرب من مضخة مياه الشفة التي توزع الى اثنتي عشرة بلدة، إلا أنه لم يفت الاوان بعد لتجنيب مجرى الليطاني الوصول الى التلوث الفعلي وتجريده من كونه نهرا حيا وبيئة مناسبة للحياة النهرية. 

وتسبب التغاضي المزمن عن المنطقة الى استفحال ممارسات تجار الاخشاب والحطب ومشاحر الفحم فعملوا على قطع مساحات لا بأس بها من الاحراج والاشجار الموجودة، وعلى الرغم من ذلك لم يزل هناك الكثير لحمايته. 

ويرى المهندس ناصر همدر الذي اعد التقرير التمهيدي للمشروع انه من الممكن تطوير الوادي وحتى شق الطرق عند الضرورة ولكن هناك تصميمات خاصة للطرق الجبلية ضمن المناطق التي تحتاج الى وضعها تحت الدرس تمهيدا لتنظيمها وإنصافها. 

في المقابل، يمكن للقادم الى الجنوب وخصوصا المناطق المحررة، ان يلحظ الضرر البيئي وعشوائية البناء والتوسع العمراني والانتهاك الصارخ لكل قواعد التنظيم المدني ومراعاة جمالية المكان وثرواته الطبيعية. فهناك على جسر الخردلي وجسر القعقعية وعلى طول مجرى الليطاني والحاصباني والوزاني، وفي اي بقعة يمكن الوصول إليها، يقوم المواطنون بعيدا عن اي مراعاة للقواعد البيئية والصحية والطبيعية بانتهاك حرمة المكان وبالتسبب كل من موقعه بكل الاذى الممكن، بعيدا عن اي نوع من انواع الرقابة الرسمية والذاتية. 

صحيح انه ليس لدينا في لبنان الكثير من الصناعات الضخمة والخطيرة، مما جنبنا حتى اليوم حصول كوارث بيئية تلويثية يستحيل حلها، ولكننا في المقابل نخسر من طبيعتنا وبيئتنا بالتدريج ما يكفي للقضاء علىها خلال سنوات معدودة، فبعض الدراسات يشير الى ان ثلاثة في المئة فقط من مساحة لبنان لم تزل مغطاة بالاشجار، فيما المعدل العام يجب ان يتجاوز العشرين في المئة. فهل نعي مخاطر تجاهلنا للبيئة واولوياتها، قبل ان ننضم الى الصحارى ولكن غير النفطية منها؟

 
 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic