مزارع شبعا اللبنانية المحتلة بين القانون الدولي والسياسة

خلـط بين الخـط الازرق والسيـادة وترسيـم الحـدود

طـريقتــان لإثبـات السيــادة: اتفــاق حــدودي او محـكمــة لاهــاي


النهـار (الأربعاء، 13 حزيران 2001)

    رلـى بيضـون


منذ صدور التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، عادت مزارع شبعا قضية سجالية يتداخل فيها السياسي بالقانوني، والداخلي بالخارجي، حتى كادت تختصر قضية ارتباط لبنان بأزمة المنطقة. والواضح في هذا السياق ان الاطراف المحليين يتقاذفون هذه القضية ويرددون شعارات وعبارات تفتقر الى الدقة. فما هي العناصر القانونية التي تكون قضية مزارع شبعا؟

قبل عام انسحبت القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان بعد احتلاله 22 عاماً. لكن المواجهات استمرت في منطقة واحدة، هي مزارع شبعا التي احتلتها اسرائيل على دفعات بدءاً من عام 1967، وتعتبرها الدولة العبرية منطقة سورية، في حين يؤكد كل من لبنان وسوريا انها لبنانية.

وبينما يتفق معظم اللبنانيين على لبنانية هذه المزارع التي تشكل موقعا استراتيجيا يمتد على 200 كيلومتر مربع، وعلى ضرورة انسحاب اسرائيل منها تطبيقا للقرار 425، تختلف الآراء حول طريقة التعاطي مع الموضوع. فالبعض، وعلى رأسه الدولة، يقول ان لبنان وسوريا ارسلا الى الامم المتحدة كل الاثباتات التي في حوزتهما، وتاليا "قام كل منهما بواجبه"، معتبراً ان ثمة سوء نية من الامم المتحدة والمجتمع الدولي في هذا الاطار. اما البعض الاخر، وقد انضم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب جنبلاط اخيرا الىه، فيدعو الى إتمام الخطوات المطلوبة وفقا للقانون الدولي العام.

سؤال حرب واستجوابه

النائب بطرس حرب

احد اول المطالبين رسمياً بمعالجة قضية مزارع شبعا قانوناً مع سوريا كان النائب بطرس حرب، الذي وجه سؤالاً عن الموضوع الى الحكومة في 14 شباط الماضي، عاد وحوّله استجواباً في 27 نيسان، اذ لم يجد جواب الحكومة بتاريخ 24 آذار، وافياً.

وجاء في السؤال الذي عدّد سلسلة مستندات تثبت لبنانية مزارع شبعا: "لماذا لا تطلب الحكومة اللبنانية من الحكومة السورية عقد اجتماع يصار خلاله الى ترجمة محتوى كتاب الحكومة السورية الى الامم المتحدة الذي تعترف فيه بلبنانية مزارع شبعا، الى عمل قانوني له مفاعيله على الصعيد الدولي من خلال وضع محضر رسمي يعيد تكريس الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا نهائياً، ويتضمن مزارع شبعا ويسقط كل الذرائع التي تقدمها اسرائيل تبريراً لإستمرار احتلالها لقسم من الاراضي اللبنانية (...)؟". واضاف: "ما الحكمة من عدم تحرك الديبلوماسية اللبنانية لتحرير مزارع شبعا واستكمال عملية تحرير كل الاراضي اللبنانية، والاكتفاء بإعلان الموقف المبدئي بوجوب انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا، وهو ما يسمح لإسرائيل ان تكسب الرأي العام الدولي والامم المتحدة الى جانبها في مواجهة لبنان؟"

ومما جاء في جواب الحكومة: "ان الحكومة اللبنانية ما كانت لتحجم عن اتخاذ اي تدبير من شأنه تكريس حق لبنان في مزارع شبعا، وتوثيق هذا التكريس على الصعيد الدولي، الا ان الاحتلال الاسرائيلي لهذه المزارع يحول دون تمكين الجانبين اللبناني والسوري من الدخول الى المزارع المذكورة لترسيم حدودها، على الطبيعة اولاً، ومن ثم تكريس هذا الترسيم بموجب خرائط يوافق عليها الطرفان، (...) اشارة الى ان اي ترسيم لحدود هذه المزارع على الورق سيترتب عليه محاذير مشابهة لتلك التي نتجت من رسم الخط الازرق في المناطق التي لم يجرِ الكشف عليها على الطبيعة من قبل خبراء الامم المتحدة والجيش اللبناني، والتي لا يزال لبنان يتحفظ عليها في ثلاث نقاط".

ويوضح حرب ان السببين اللذين ركزت الحكومة عليهما ردها غير مقنعين. فعن النقطة الاولى يقول: "هناك خرائط لدى لبنان وسوريا وفرنسا وبريطانيا تعود الى مرحلة الانتداب الفرنسي واعلان دولة لبنان الكبير. وهي، وان لم تدخل في التفاصيل حتى المتر على حدود لبنان وسوريا، تشكل منطلقاً جدياً لترسيم الحدود في صورة رسمية وبموجب محاضر لها مفعول قانوني تجاه العالم. وتؤكد هذه الخرائط ان هناك حدوداً بين لبنان وسوريا، وان مزارع شبعا لبنانية. فلا حاجة للجانبين ان ينزلا الى الارض لترسيم الحدود. وكما تمت اعادة تكريس الحدود بين لبنان واسرائيل، من خلال رسم "الخط الازرق"، يمكن عند جلاء الاحتلال الاسرائيلي من المنطقة ان يتم رسم "الخط الازرق" بين سوريا ولبنان."

وعن الملاحظة الثانية التي ذكرتها الحكومة يقول حرب: "القول ان رسم الحدود على الورق تترتب عليه محاذير شبيهة بتلك التي نتجت عن الخط الازرق هو قول مردود، لأن اسرائيل دولة عدوة، بينما سوريا دولة شقيقة، ومطامع اسرائيل مطامع عدو بينما سوريا اعترفت بملكيتنا هذه الارض، ولا يفترض ان نواجه معها المشكلات التي جابهناها مع اسرائيل."

الخليل: لا يمكن الترسيم الآن

النائب علي الخليل

لكن ثمة اطرافاً لبنانيين لا يشاركون حرب موقفه. فيعدد مثلا رئيس لجنة الخارجية النيابية النائب علي الخليل اثباتات عدة عن لبنانية مزارع شبعا، مشيرا الى "ان الاثبات الاهم هو ان سوريا ارسلت الى الامم المتحدة عبر مندوبها الدائم هناك كتاباً رسمياً تؤكد بموجبه ان مزارع شبعا لبنانية، وقد سلم الكتاب الى الامين العام ووضع في وثائق الامم المتحدة وفق الاصول".

ويضيف "ان موضوع ترسيم الحدود بموجب خرائط يبقى وارداً  في الوقت المناسب". ولماذا ليس الآن؟"لأن ترسيم الحدود في ظل الاحتلال تجربة فاشلة ولن يكون صحيحاً. ولدينا تجارب سابقة في هذا الخصوص. فعندما قلنا ان هناك سرقة مياه في المناطق اللبنانية المحتلة، طلبنا من الامم المتحدة التثبت منها، فأوفدت فريقاً قال ان لا اثبات على ذلك. وبعد التحرير تبين انه كانت هناك سرقة للمياه".

الا يمكن توقيع وثيقة لبنانية - سورية وارسالها الى الأمم المتحدة؟ يجيب الخليل: "لا، لأن الترسيم يتطلب توجه خبراء الى الارض وهذا صعب في ظل الاحتلال". وهل من الضروري الذهاب الى الأرض الآن؟ "لا تقبل الامم المتحدة غير ذلك. فالقانون الدولي يستخدم كلمة ترسيم ولا يكتفي بالخرائط. ثم من سيضع هذه الخرائط اليوم؟". ولماذا لا نستخدم خرائط قديمة؟ يجيب الخليل: "نحن نبحث عن خرائط مناسبة. واذا وجدت الخرائط المطلوبة، فالجانبان اللبناني والسوري مستعدان للافادة منها، لكن الامم المتحدة تريد الترسيم. وهو صعب في هذه المنطقة بسبب الاحتلال". ويضيف: "من الواضح ان الاثباتات موجودة، والهدف من المطالبة باكثر هو تعكير الاجواء".

القانون الدولي العام

ويبدو واضحاً ان الجانب القانوني من قضية مزارع شبعا، وكل ما هو متعلق بالقانون الدولي العام في هذا المجال، غير واضح بالنسبة الى عدد كبير من السياسيين والمتعاطين في هذا الموضوع. فالآراء متضاربة وأكثريتها سياسية اكثر منها علمية. وثمة خلط بين امور عدة هي الخط الازرق، وترسيم الحدود، واثبات السيادة.

ولتوضيح هذا الامر، توجهت "النهار" الى احد ابرز المراجع في القانون الدولي، الامم المتحدة، فاتصلت بالمكتب الاعلامي للمنظمة في بيروت وسلمته عددا من الاسئلة، فاعتبرها تقنية ولا يمكن الاجابة عنها في بيروت، وارسلها الى مكتب المنظمة القانوني ومكتب الناطق باسمها في نيويورك. وبعد ثمانية ايام من طرح الأسئلة وصلت الأجوبة: الاحالة الى تقارير الامين العام للامم المتحدة عن الموضوع.

وإحدى الامور الملتبسة هي طرق اثبات السيادة. فيوضح خبراء في القانون الدولي ان ثمة طريقتين لاثبات السيادة على منطقة ما. "الاولى هي توقيع اتفاق بين الدولتين المعنيتين وارساله الى الامم المتحدة التي تؤدي دور الشاهد والحافظ، كما فعلت مثلا فرنسا وبريطانيا عام 1923 في ما يتعلق بحدود لبنان وفلسطين. اما الثانية فهي الاحتكام الى محكمة العدل الدولية في لاهاي لتفصل بين الدولتين، وهي الطريقة التي اعتمدتها بريطانيا وفرنسا لحل النزاع على جزر "إكريو" و"مانكييه" في بحر الشمال، ولجأت اليها  تايلاندا وكمبوديا لحل النزاع على معبد "بريا- فيهيار" واخيرا قطر والبحرين لمعالجة الخلاف على جزيرة الخوار." ويضيف الخبراء ان في امكان لبنان وسوريا اعتماد اي من الطريقتين المذكورتين.

السيادة والخط الازرق

لكنهم يوضحون ان اثبات السيادة اللبنانية على مزارع شبعا ليس مطروحا الآن، وان ثمة فارقاً كبيراً بين السيادة والخط الازرق. "فالامم المتحدة قالت لنؤجل الآن موضوع السيادة وتعالجونه بين بعضكم لاحقاً، اما نحن فسنتولى رسم الخط الازرق". ويضيفون ان الخط الأزرق لا يرتب نتائج متعلقة بالسيادة على مزارع شبعا. وهذا ما اوضحه الامين العام للامم المتحدة كوفي انان في تقريره الصادر في 22 ايار 2000 اذ جاء فيه: "لن يخل اي خط تستعمله الامم المتحدة بإتفاقات الحدود التي تبرمها الدول الاعضاء المعنية في المستقبل".

في هذا المجال يلفت مصدر مطلع على مراحل رسم الخط الازرق الى انه تم التوافق باكراً بين الامم المتحدة ولبنان على خط يترك موضوع السيادة على شبعا معلقاً. حتى انه كلما كان يحصل خلاف على نقطة ما، كان الطرفان يقترحان تكرار "سابقة شبعا"، اي رسم الخط وتأجيل تحديد السيادة.

ترسيم الحدود

المحامية ماري غنطوس

وكيف يتم ترسيم الحدود؟ تشرح المحامية ماري رينه غنطوس، التي تعد دكتوراه عن "مزارع شبعا والقانون الدولي العام" منذ عام "ان تحديد الحدود يتم على مرحلتين وفق القانون الدولي، احيانا تتزامنان وتبدوان واحدة، واحيانا يفصل بينهما وقت طويل يمكن ان يبلغ 200 عام، كما حصل بين فرنسا واسبانيا. فالمرحلة الاولى هي التحديد القانوني والسياسي delimitation politique et juridique، والثانية الترسيم ووضع التخوم   demarcation et abornement، والاولى هي الاهم والاساس. اما الثانية فتتم على الارض ويتولاها تقنيون تحت اشراف لجنة مشتركة من الدولتين. ويقتضي الترسيم على الارض احيانا بعض التعديلات الطفيفة بسبب التضاريس الجغرافية وتتم وفق مبادىء محددة."

وتشير في موضوع الحدود اللبنانية-السورية الى "ان المرحلة الاولى كانت تولتها فرنسا وبريطانيا ايام الانتداب، وقد بلغنا المرحلة الثانية وتم وضع التخوم في بعض المناطق".

ويقول الخبراء في القانون الدولي ان النزول الى الارض ليس الزاميا الآن بالنسبة الى لبنان وسوريا. "فالاقمار الاصطناعية تقدم اليوم ادق التفاصيل. ويمكن رسم خط على خارطة والاتفاق عليه مثلما فعلت قطر والسعودية اخيراً، ثم لجأتا الى شركة خاصة للترسيم على الارض. فالمهم هو الاتفاق وليس التطبيق".

أما الآلية القانونية المطلوبة للاتفاق الحدودي فيشرحون انها تكمن في ان تتفق الحكومتان على الموضوع وتوقعان اتفاقا يضم خارطة توضح الحدود ويقره المجلسان النيابيان ويرسل الى الامم المتحدة. وهذه الآلية لا يحددها نص قانوني واضح، "اذ ان القانون الدولي معظمه عرفي"، كما يوضح الخبراء.  ويضيفون في هذا الاطار ان هذه الخارطة المقدمة رسمياً من الدولتين لإثبات السيادة، أي "الخارطة - الآلية"، مختلفة عن عشرات الخرائط التي قد تتسلح اي من الدولتين بها كحجة ضمن حجج اخرى لدعم مطالبها، أي "الخرائط-الحجج".

التأكيد السوري

والتأكيد السوري للبنانية مزارع شبعا تمثل بكتاب موجه الى الامم المتحدة في 25 تشرين الاول 2000 جاء فيه: "يود الوفد الدائم للجمهورية العربية السورية لدى الامم المتحدة ايضاح ما يلي: 1- ان الذي يهدد الامن والسلم في المنطقة هو استمرار تجاهل اسرائيل قرارات الشرعية الدولية وبخاصة قراري مجلس الامن 242 و338 وعدم استكمال انسحابها من الجنوب اللبناني الى الحدود المعترف بها دوليا، بما في ذلك مزارع شبعا واستمرار احتلالها للاراضي العربية بالقوة منذ حزيران 1967...".

وفي تقريره تاريخ 22 ايار 2000، اورد أنان ان سوريا كانت ابلغت الامم المتحدة موقفها هاتفيا: "وفي حديث هاتفي معي جرى في 16 ايار 2000، ذكر وزير الخارجية السوري السيد (فاروق) الشرع ان الجمهورية العربية السورية تؤيد المطالبة اللبنانية (بشبعا)".

ويعتبر بعض المراقبين ان هذا التأكيد اتخذ شكلاً واضحاً، لكن خجولاً نوعاً ما، مما قد لا يدفع الامم المتحدة الى الاخذ به. اما حرب فيقول: "بهذه الرسالة اعترفت سوريا بملكية شبعا للبنان. لكن هذا لا يشكل المستند الرسمي المطلوب من الامم المتحدة".

ويشير بعض المراقبين الى ان توقيع اتفاق بين لبنان وسوريا في هذا الموضوع وارساله الى الامم المتحدة ليس مطلوبا الآن، لأن السيادة ليست مطروحة الآن. ولكن ذلك اصبح  مطلوباً بعدما تعهد رئيس الجمهورية اميل لحود بإيجاد "صيغة مشتركة لمزارع شبعا موقعة" من البلدين. وذلك في المذكرة التي وجهها لحود الى أنان في 9-6-2000، وجاء فيها ان لبنان وافق على تقويم انان لـ"الخط العملي" الذي اعتمدته الامم المتحدة في شبعا "في انتظار ايجاد صيغة مشتركة لمنطقة المزارع موقعة بينه وبين سوريا لتقديمها الى الامم المتحدة".

الخرائط

وقد ارسل لبنان الى الامم المتحدة خرائط عدة تثبت لبنانية مزارع شبعا. لكن ثمة اعترافاً من اطراف لبنانيين كثر "ان نقطة ضعف لبنان هي الخرائط" اذ ثمة خرائط كثيرة تبين وجود مزارع شبعا ضمن الاراضي السورية. وقال آنان في تقريره الصادر في  22 ايار 2000 انه تسلم في 15 ايار 2000 خريطة لبنانية مؤرخة 1966 تثبت لبنانية شبعا "غير ان في حوزة الامم المتحدة 10 خرائط اخرى اصدرتها بعد عام 1996 مؤسسات حكومية لبنانية، منها وزارة الدفاع والجيش، وجميعها تضع المزارع داخل الجمهورية العربية السورية"، بالاضافة الى 6 خرائط سورية تثبت ايضا انها سورية.  

ويقول حرب "ان الدولة اللبنانية ارتكبت خطأ كبيرا عندما اسقطت مزارع شبعا من الخرائط التي اصدرتها منذ الخمسينات، عندما احتلت سوريا هذه المزارع. وقد يكون من غير المناسب اليوم فتح الملف لتحميل المسؤولية لمن تعاقبوا على السلطة واخفوا هذا الامر عن الرأي العام اللبناني، وخصوصا الذين وضعوا خرائط اسقطت مزارع شبعا. لكن الاهمال لا يسقط حق لبنان القانوني في ملكيتها".

تعليقا على هذه النقطة، يقول الخليل: "من الممكن ان تكون هناك اخطاء وقعت، لكن الثابت ان خريطة لبنان الاساسية كما اعتمدت بعد 1923 تضم شبعا. ولم تتوقف يوما المطالبة بها. وثمة لجنة من اهالي شبعا تزور منذ اعوام طويلة المسؤولين وتطالب باستعادة شبعا. وهؤلاء زاروني في السبعينات وزاروا مسؤولين كثرا".

"التجاذب بين اسرائيل وسوريا"

وقال انان في التقرير الذي اصدره في 22 ايار 2000: "في ما يتعلق بذلك الجزء من الحدود الذي يشترك فيه لبنان مع الجمهورية العربية السورية والذي له صلة بالانسحاب الاسرائيلي لا يوجد، في ما يبدو، سجل دولي رسمي لاتفاق بين لبنان والجمهورية العربية السورية في شأن الحدود الدولية يمكن ان يحدد الخط بسهولة لغرض التأثير في الانسحاب." واستنادا الى ذلك، يعتبر حرب ان الامم المتحدة دعت ضمنا الحكومتين اللبنانية والسورية الى وضع سجل رسمي لاتفاق حدودي بينهما على مزارع شبعا وارساله اليها. ويقترح حرب وضع هذا السجل وايفاده الى الامم المتحدة والطلب منها اعتماده لتطبيق القرارات الدولية وتحديدا في هذه الحال  القرار 425. "ويمكننا آنذاك استخدام هذه الوثيقة لتحويل موقف الامم المتحدة من موقف غير متفهم للموقف اللبناني وداعم للرأي الاسرائيلي القائل ان اسرائيل نفذت الـ425 بكامله وان شبعا تخضع لـ242 وتنسحب منها عند الاتفاق الكامل مع سوريا ولبنان، الى موقف داعم للبنان الذي يقول ان الـ425 لم يحدد الاراضي التي احتلت عام 1978 انما حدد انسحاب القوات الاسرائيلية حتى الحدود الدولية المعترف بها. واذا تم الاعتراف بهذه الحدود الدولية، يصير الـ425 يشمل هذه الارض وتسقط حجة اسرائيل انها نفذت الـ425، ويمكن بالضغوط الدولية والدبلوماسية وعمليات المقاومة المستمرة ان تتخذ اسرائيل قراراً في شأن شبعا مشابهاً للذي اتخذته في خصوص الجنوب. وآنذاك يصار الى تحديد خط ازرق يحدد الحدود بين لبنان واسرائيل، ولبنان وسوريا".

ويضيف: "فالآلية سهلة اذا توافرت النيات السليمة. لكن يبدو ان لبنان ليس في معرض اتخاذ هذه الخطوة لأسباب لا علاقة لها بالحق او بالقانون، بل بالوضع السياسي في المنطقة وبالتجاذب بين سوريا واسرائيل، وبإستمرار المواجهة الاسرائيلية مع المقاومة، بحيث تكون هذه المقاومة مادة ضغط دائمة في مراحل الصراع العربي - الاسرائيلي. من هنا يمكن فهم تلكؤ الحكومة اللبنانية عن القيام بواجبها. وفي غياب العامل السياسي الاقليمي المذكور، كان من الطبيعي ان نرى الحكومة اللبنانية جاهدة لوضع تصور ما، او ممارسة ضغط ديبلوماسي  ما على الامم المتحدة والرأي العام الدولي للوصول الى مرحلة تضع الكرة في الملعب الاسرائيلي لا في ملعبنا، تجاه العالم. وبالتالي يؤدي الامر الى احراج اسرائيل ودفعها اما الى مواجهة الرأي العام الدولي فتخسره، أو الى ان تنصاع الى الموقف وان تنسحب من شبعا فنكون حررنا كل الجنوب. وموقف الحكومة اللبنانية بعدم الذهاب بهذا الامر الى الحد المطلوب ناتج من اخذها في الاعتبار عملية الصراع الاسرائيلي - السوري والعربي - الاسرائيلي والمفاوضات."

وثمة اطراف لبنانيون آخرون، وديبلوماسيون اجانب، يعتبرون كحرب، ان الموقف اللبناني من مزارع شبعا يخدم الى حد بعيد مصلحة سوريا، اذ يبقي جبهة جنوب لبنان مفتوحة، فيواصل الضغط على اسرائيل، ويحافظ على ورقة المقاومة في ايدي سوريا (وايران) ويحول دون استفراد سوريا في عملية السلام واحراجها.  

حملة ديبلوماسية

في المقابل يرفض الخليل هذه النظرية، قائلا: "احياناً يتم تسييس المواقف المتعلقة بموضوع التحرير الذي هو موضوع وطني. ورأينا مختلف. علما ان الموقف الدولي هدفه الضغط على لبنان. ولا يمكن التخلي عن الارض. وسنستمر في التمسك بهذه الثوابت".

ورداً على سؤال عن تعامل الحكومة مع موضوع شبعا وامكان وجود اهمال في هذا المجال، يقول الخليل: "لدي وجهة نظر في هذا الموضوع. يجب ان نطلق تحركاً سريعاً على اعلى المستويات، والاتصال مباشرة بالدول الدائمة العضوية في مجلس الامن لإقناعها بصواب وجهة نظرنا، وعدم الاكتفاء بالاتصالات الديبلوماسية عن طريق السفراء، وكذلك اطلاق حملة اعلامية توضح هذا الأمر، وتكثيف نشاطنا في المنظمة الدولية، خصوصاً مجلس الامن".

وتشير غنطوس الى ان موضوع شبعا دقيق بالنسبة الى لبنان ويجب ان يتولاه ديبلوماسي محنك يتمتع بمعرفة قانونية عميقة، ويجب ان يرتكز لبنان على كل وسائل الاثبات لا على واحدة فقط. وتقول: "الامم المتحدة تقرر ما تريد وتمنح الصفة القانونية التي تريد، مما قد يرتب نتائج ليست لمصلحة لبنان. علما ان الشرعية الدولية الى جانبنا حتى الان، وحتى آنان قال ان لبنان سجل تحفظات على الخط الازرق في شأن شبعا. واذا خسرنا الشرعية الدولية، تصبح مهمتنا اصعب."

وتستغرب "خجل" الدولة في التعاطي مع موضوع شبعا، "وضعف الموقف الرسمي في حين ان الافراد، كعصام خليفة ونور الدين نور الدين، يبرزون الاثباتات والوثائق." وتشدد خصوصا على اهمية محاضر اللجنة اللبنانية السورية المشتركة التي اقرت لبنانية مزارع شبعا وقررت اعتماد حدود الاقضية والقرى العقارية حدوداً دولية في المناطق التي لا ترسيم فيها. "وهذه المحاضر هي البرهان القاطع على السيادة اللبنانية على شبعا".

ويخشى البعض الا يؤدي اثبات سيادة لبنان على مزارع شبعا بالضرورة الى اعتبارها خاضعة للقرار425. حتى ان انان في تقريره تاريخ 22 ايار 2000 قال: "وجدير بالملاحظة ان هذه المناطق (مزارع شبعا) تقع في منطقة تحتلها اسرائيل منذ عام 1967 وتخضع، بناء على ذلك، الى قراري مجلس الامن 242 و338."

وقد صرح عدد من المسؤولين الدوليين اخيرا ان مزارع شبعا خاضعة للقرار 242. ويبدو ان المنظمة الدولية تفضل اساسا ذلك. فقال انان في تقريره الصادر في 22 ايار 2000 "ان الخط الازرق لا يخل بمنطقتي عمليات الاوندوف واليونيفيل، كما وافق عليهما مجلس الامن، وهو ما سيكون عليه الامر لو اعيد تحديد مزارع شبعا بانها جزء من منطقة عمليات اليونيفيل وليس الاوندوف."

الا ان حرب وآخرين يشددون على ان القرار 425 ينص على انسحاب اسرائيل حتى الحدود المعترف بها دولياً، من دون تحديد تاريخ احتلال المناطق. ويلفت كثر الى ان بعض مزارع شبعا احتل قبل صدور القرار 242 وبعضها بعده، مما يعني أنها لا تخضع كلها للقرار 242.

في كل الاحوال، يعتبر المراقبون ان لبنان، اذا اثبت سيادته على شبعا قانونا، يكون حفظ حقه فيها واستعاد دعم المجتمع الدولي. وإذذاك يكون "قام بواجبه" فعلا.

 

ويحتكم الطرفان الى القانون الدولي في حين يبدو ان ثمة خلطا بين امور مختلفة هي الخط الازرق، وترسيم الحدود، والسيادة. وهذا الخلط ظهر حتى في جواب الحكومة عن السؤال الذي وجهه اليها النائب بطرس حرب في هذا الموضوع.  

ولبنان، الذي نعم بدعم دولي قوي خلال مطالبته سابقا بتطبيق القرار 425، وبتفهم مماثل لعمليات المقاومة في ظل استمرار الاحتلال الاسرائيلي لاراضيه، يفتقد اليوم الاثنين، حتى من اقرب اصدقائه. ويستغرب مراقبون كثر "خجل" الحكومة اللبنانية في معالجة موضوع مزارع شبعا، ويعتبر البعض ان ذلك يعود لاسباب اقليمية.

وفي هذا التحقيق لا تحاول "النهار" تعداد اثباتات لبنانية مزارع شبعا التي نشرتها مرارا، بل تقديم قراءة لقضية شبعا، "بين القانون الدولي والسياسة".

 

§ وصـلات:

 

 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic