رحلة بين مواقع الصمت والحديد على طول الشريط الشائك
 
مقاومون ينتظرون عند بوابات فلسطين


السفير (الإثنين، 2 تمـوز 2001)

ابراهيم الأمين

تقترب السيارة الخاصة من خط الحدود حتى أمتار فأقل بقليل، قبل أن تلامس الشريط الشائك الذي أكمل الإسرائيليون تشييده على طول الحدود. "الطابات" الصغيرة المرصوفة باتقان على طول الشريط المقسم الى أكثر من جزء تعمل طوال الوقت تقريبا، وفي كل مرة تسجل الشاشة حركة لمس للشريط أو محاولة دفع له، يضطر الإسرائيليون لأن يتصرفوا على أساس ان هناك خطرا ما، والرادارات الحرارية تتحرك فورا، ومعها الكاميرات المنتشرة مثل أعمدة المواقع، ويجري نصبها على رأس التلال المرفوعة فوق المواقع، أو فوق خزانات المياه المنتشرة في كل مكان، أو على أعمدة الاتصال التي تتولى رصد كل أنواع الحركة المحيطة بالمواقع أو بحدود المستوطنات التي تنتشر مثل الفطر على طول الحدود الممتدة لأكثر من مئة وعشرين كيلومترا من رأس الناقورة حتى جبل الشيخ. 

الاسترخاء والهدوء لا يتيحان لأحد رؤية أفضل من الصورة المتاحة. لحظات وتكون على باب موقع خاص بالاستخبارات العسكرية، ويمتد داخل الأراضي اللبنانية بعمق عشرين مترا أو أكثر بقليل، وهو موقع يأخذ شكلاً لطيفا: دشم عسكرية هي هي، وتمويه يجعل الجيش الإسرائيلي فرقة واحدة. قطع الاسمنت المرتفعة إلى أعلى من الطبيعة التي تسمح للبنان في بعض الأماكن التفوق في الارتفاع، وأشكال عديدة من الكاميرات المتحركة مع قطع مثل الطبول تتعمشق على أعمدة مختلفة الأحجام والأشكال والألوان. وداخل الموقع أو على بابه تُرصد أصوات خافتة أو نصف مرتفعة، وما ان تسجل الرادارات وصول جسم غريب تتحرك مجموعة من الكاميرات دفعة واحدة. وبوضوح يمكنك الانتباه إلى أن هناك من أخذ وضعية جديدة، وفي اللحظات الأولى، لا يعرف الجنود هوية الضيف، والحيرة تعود إلى أسباب مختلفة. وداخل الموقع مجموعة من الضباط والجنود التابعين لوحدات الرصد والاستخبارات. وما إن تخطو قليلا إلى الأمام، إلى بُعد قصير جدا، يخرج أمام عينيك مدنيون من عسكريي الموقع، وفنيون يقومون بصيانة دائمة لتقنيات لها من يعرفها شكلا ووظيفة وحتى كلفة ليوم الحساب، والتعليمات الصارمة بأخذ كل أنواع الحيطة تتيح لمن بيده زمام المبادرة التبصر بهدوء لمعرفة ما يجري داخل هذه الأكوام من الحديد والباطون. 

والإرباك الذي يصيب الجنود الصهاينة يتيح لمن يريد اللعب بأعصابهم الوقت الكافي. وفي أوقات الفراغ حيث يكون المقاومون في إجازات داخل مواقعهم، يمكن للوحدات العسكرية الإسرائيلية الموزعة على طول الشريط أن تمضي ليلتها وهي تتنقل للمعرفة أو للتدقيق بهوية من يلمس الشريط الإلكتروني. فذات مرة كان الضيوف مواطنين ضلوا الطريق، وفي مرات كثيرة كانوا من المقاومين، لكن ليس لوقت قصير كانوا من الحيوانات الشاردة أو التي شردت فصارت تلاعب الشريط بحثا عن سبيل للدخول. وما ان يأتي الصباح حتى يباشر الجنود الإسرائيليون منافسة عمال التنظيفات، فتنطلق فرق التثبت نحو الطريق الاسفلتية المعبدة حديثا، للتأكد من وجود آثار أقدام بشرية خشية أن يكون المقاومون قد نجحوا في التسلل نحو أرض فلسطين. لكن الجهد المركزي يبقى لأجهزة الرصد التقنية التي تفيد بوجود شيء ما في الجهة المعادية وعلى الوحدة العسكرية المعنية اتخاذ الإجراءات اللازمة: استنفار من الدرجة التقليدية التي تفترض من جنود الموقع، اتخاذ وضعية قتالية داخل الدشم المموهة، وصولا الى اختفاء كل حركة ظاهرة للعيان، مرورا بوصول سريع لسيارات "الهامر" المصفحة إلى محيط الموقع، ومن فيها من الجنود مكلفون التأكد من هوية الضيوف. والأوامر واضحة: ممنوع إطلاق النار إلا في حالات الخطر من الدرجة الأولى، وهذا يعني أنه مسموح للجنود إطلاق النار في حال حاول مجهولون تجاوز السلك الشائك، أو في حال أطلقت النيران أو شعر الجنود بخطر الاختطاف. وهاجس عملية الأسر الشهيرة لا يزال مسيطرا على الوحدات العاملة هناك، ولذلك ممنوع على الجنود التحرك وحدهم من دون مواكبة مؤللة. ولا يخرج المشاة إلى مناطق ملاصقة للحدود بل إلى مناطق أبعد بقليل، وعادة يكون الأمر متصلا، إما بعمل مدنيين تابعين لوزارة الدفاع في إصلاح طريق أو في إعمار موقع، ويتخذون مواقع قتالية بارزة لعيون المقاومين الذين يسجلون كل حركة هناك. وإذا تقرر إرسال دوريات مؤللة فلا يمكن التنقل بسيارة وحيدة بل بثلاث وفي مرات قليلة يسمح لسيارتين بالتنقل لكن مع احتياطات كبيرة. 

وعلى بُعد أمتار قليلة من المواقع الأساسية تبرز العلاقة المعقدة: الإسرائيليون خسروا في عملية الترسيم مواقع كثيرة كانت تشرف على المناطق اللبنانية وصولا إلى الساحل البعيد، وجهود الدولة والجيش اللبناني صارت أمرا واقعا حاول العدو الالتفاف عليها من خلال الضغط لكي تستلم قوات الطوارئ الدولية هذه المواقع. وفي بعض الحالات تبدو حركة القبعات الزرق هناك مفيدة جدا للإسرائيليين. ولكن الأمر لا يتعلق فقط بمرتفع يستثمر للسياحة. وإذا كان الطقس مناسبا (عسكريا يمكن أن يكون الطقس الغائم مناسبا) فبمقدور المقاومين امتلاك أعين السمك المفتوحة على الجوانب لترى كل شيء، والمساحة الطويلة المفتوحة على طول الحدود لا تتعب المقاومين في التنقل بين تلال وأودية، وإن كانت الصورة في المزارع هي غيرها في بقية المناطق، لأن الجبهة هناك مشتعلة، والاستنفار قائم بصورة غير منتظمة، والأوامر المعطاة للجنود الإسرائيليين هناك تقول بإطلاق النار كلما شعر حامية المواقع بالحاجة إلى ذلك، وصار ممنوعا على الجنود أن يشاهدوا مقاومين من دون ملاقاتهم بالرصاص، لكن في المناطق الأخرى يصبح الموقف معقدا للغاية، فلا الجبهة مشتعلة ولا المقاومة أعلنتها عمليا منطقة قتال. كما أن العدو غير قادر على التمييز بدقة بين المدنيين أو بين العسكريين، لا سيما أن أحدا من كل سكان المنطقة أو من الجنود ليس في ذهنه صورة أو مشهد لمقاتل من "حزب الله" في وضعية المقاوم الموجود في المزارع. 

وفي الأمكنة الأقل اكتظاظا بالسكان، ثمة مواقع إسرائيلية تلتف من حول مستوطنات تبدو من أمكنة خاصة بالمقاومين أوضح من القرى اللبنانية المحاذية: شريط من البيوت الجاهزة تحيط به مشاتل وحدائق صغيرة مرسومة ومصنوعة بعيدا عن ريف الجليل الفلسطيني، وشوارع مقطعة بحسب القياسات التي تجعل هذه المناطق مشابهة لمناطق بعيدة نحو الجنوب، وثمة حركة خفيفة لمدنيين يعملون في مؤسسات حكومية أو بلدية تخص مجالس المستوطنات. وقبل وقت غير طويل أنجز العدو خطوطا دفاعية تخص المستوطنات نفسها، وللحظات تبدو كأنك أمام حزام أمني داخل ثكنة عسكرية تتولاها عدة ألوية تتبع للقيادة الشمالية، وتقوم حراسات مستقلة للمستوطنات نفسها. كذلك جرى تشييد شريط شائك حول حدود المستوطنة نفسها لكي يوفر أمانا إضافيا عن الشريط الفاصل عن الأراضي اللبنانية. والسيارات الحديثة نسبيا التي تتحرك بتقطع في تلك المنطقة، تعكس حالة الإرباك التي يعيشها سكان بعض المستوطنات، إذ أن النزوح لم يتوقف منذ الانسحاب الأخير، وحتى الرغبة بالهروب من الجبهة الجنوبية بسبب ضجيج الانتفاضة لم يوفر الحوافز الكافية للقدوم إلى أمكنة تعج بالجنود الذين يسرقون فواكه المستوطنين عند كل مساء، أما أهل المستوطنة من الذين وصلوا إليها قبل وقت بعيد، فصاروا مهووسين بالأمن إلى حدود أن كل ضيف يزور المنطقة يصبح احتمال جاسوس ل"حزب الله"، وتصير الحسابات كثيرة مثل الأصوات التي ترتفع عالية في اجتماعات مجالس المستوطنات المحلية حيث تدور المعارك حول الإجراءات الإضافية الواجب اتخاذها من جانب الحكومة لمنع التدهور من جهة، والحصول على المزيد من المساعدات الخاصة لبناء مواقع وخطوط دفاعية تحول بيوتهم الصغيرة إلى ثكنات تشبه مقر قائد اللواء الغربي في المنطقة الشمالية، الذي باشر إجراءات الانتقال إلى موقع أكثر أمانا، بعدما أدرك بالخبرة والمعطيات أنه من المبالغة القول إنه يقدر على إدارة معركة من موقع يمكن لمقاوم مزوّد بقناصة عادية شل الحركة فيه. 

منذ وقت غير قصير والمقاومة ترسم اللوحة بكل التفاصيل، وجنودها المنتشرون في كل مكان صاروا أكثر اطلاعا على جغرافية فلسطين الشمالية، ولا يهتمون لتسمية الأشياء بعبرية تسهل علاقتهم بواقع من يهتمون لأمره. وعلى المرتفعات المطلة على شبعا وكفرشوبا، ثمة جنود إسرائيليون يعيدون قراءة قصص رفاقهم الذين نجوا من حرب لبنان، وعلى بُعد كيلومترات قليلة ثمة اجتماعات تعقد لإطلاق الطبعة الثانية من حركة "الأمهات الأربع"، أما على الطريق الضيق الذي يأخذك إلى المرتفعات العملية، فيمكنك أن تشاهد مناطق بعيدة داخل فلسطين وعلى ساحلها الشبيه بساحل لبنان وثمة عيون تميز كل ما في هذه المناطق من ناس وهويتهم ومن مصانع ومراكز صناعية أو عسكرية، وثمة نماذج في الخيال العسكري لاختيار الطريقة الأفضل في إشراك سكان الشمال كله وسكان من هم قريبون من الشمال في معركة ستكون قاسية للغاية إذا ما أقدمت إسرائيل على توسيع العدوان خارج مزارع شبعا المحتلة، وهو الأمر الذي تحافظ المقاومة على صورته منذ الانسحاب من الجنوب قبل أكثر من عام، فعلى طول الشريط الشائك، تنتشر مستوطنات مثل دمى الكرتون ولا تحتاج لوقت طويل ولا لجهد كبير إذا ما رفع "السيد" يده ملوحاً لفلسطين!

 

 
 

 

 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic