من الأخضر العربي إلى حسن قصب
بالأحمر كفناه.. بالأخضر كفنا..


اللـواء  (الأربعاء، 11 تموز 2001)

عفيف دياب

أمين سعد
الأخضر العربي

الزمان: لحظة هزيمة العدو المحتل.

- الشمس ترسل خيوطها، وتلال جبل الشيخ تتلون بريشة الأشعة البيضاء الدافئة، وخط المواجهة على موعد مع تحقيق انتصار آخر... والعدو الإسرائيلي يستر عورته تحت الدشم الإسمنتية... وطائراته تحطمها رياح الشمس الحارقة ولا تقوى على دخول الغيوم الحاملة.. النصر.

المكان: كفرشوبا..

- هناك، كان يقف الأخضر العربي حاملاً بندقيته، معتمراً الكوفية العربية، رافعاً علم العرب.. يتصدى بجسده لمن اغتصب فلسطين..

سموه الأخضر: لأن تلال كفرشوبا خضراء على مدار الزمن.. وجبل الشيخ دوماً ناصع البياض.. ومنه ترى دمشق العرب في حركة دائمة لا تنام.. فهي العرب وكل العرب، فسموه العربي.

حمل بندقيته.. واستشهد عند تلال العلم، رافعاً علم العرب، فغنت كفرشوبا: بالأحمر كفناه. فنام الأخضر العربي مرتاحاً وهو يحرس فلسطين.

الأرض لنا..

حسن قصب

الزمان: ظهر نهار السبت، الثامن من تموز من العام 2000.

- الشمس ترسل خيوطها، وتلال جبل الشيخ تتلون بريشة الأشعة البيضاء الدافئة، وخط المواجهة على موعد مع تحقيق انتصار آخر.. والعدو الإسرائيلي يستر عورته تحت الدشم الإسمنتية.. وطائراته تحطمها رياح الشمس الحارقة ولا تقوى على دخول الغيوم الحاملة.. النصر.

المكان: كفرشوبا..

- هناك، كان يقف حسن قصب حاملاً الأرض فوق راحتيه.. معتمراً الكوفية العربية، رافعاً علم العرب.. يتصدى بجسده لمن اغتصب أرض كفرشوبا..

سموه الفدائي: أرض قريته ما زالت محتلة، والرصاص هو الرد.. وجبل الشيخ دوماً ناصع البياض.. ومنه ترى الجولان العربي.. ودمشق لا تنام، فهي العرب وكل العرب فسموه الحسن .

قال: اليوم، وبعد صلاة الظهر، سننطلق في مقاومة أهلية، ونزيل الشريط الشائك ونستعيد أرضنا المحتلة .

قالوا: اليوم وليس غداً .

قال: اليوم.. وليس غداً .

قالوا: ..وليس غداً .

قال: الآن .

قالوا: هيا بنا .

قال: لقد وصلت .

ظهر السبت: انطلق موكب التحرير من ساحة الأخضر العربي في كفرشوبا، مروراً بالقرب من تراب استشهاد الأخضر، وتابعوا جنوباً، ووصلوا..

صرخ حسن:

- لنقطع هذا الشريط.

- وانطلق كالرصاص.. هز الشريط، فسقط، دخل الى الجل الأحمر وصرخ: تابعوا.. تقدموا. حمل حجراً ورماه على خوذة جنود الإحتلال وتدحرجت الحجارة: بيني وبين أهلي رميت حجراً... جمحة فرس.. خطوة فوق الشريط.. وخطوة فوق خوذات الحرس .

هرب الجنود نحو الأودية.. ورفع حسن العلم وصرخ: لقد حررنا اليوم مساحة من أرضنا وغداً سنتابع المسيرة حتى تحرير كل أرضنا هنا وفي الجولان والقدس قبلتنا .

- الزمان: نهار الأحد، 9 تموز 0002: كفرشوبا تودع حسن قصب، وتفقد بدرها.

في الليلة الظلماء.. وغنت:

بالأحمر كفناه، بالأخضر كفناه .

 


الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد حسن قصب

تمر بهدوء ودون ضجيج وتخلف وغياب المعنيين

 

هيثم زعيتر

تأتي الذكرى السنوية الأولى لرحيل ابن كفرشوبا حسن عبد الله قصب سريعاً.

نائب الأمين السابق لــ حزب البعث العربي الإشتراكي في الجنوب، قضى بالأمس القريب في حادث سير مروّع على طريق عام المصيلح تعرض له مع عائلته يوم السبت في 8 تموز 2000 إثر عودته من بلدة كفرشوبا، حيث كان قبل ساعات قليلة يقود مسيرة شعبية حاشدة اقتحمت بوابة الجل الأحمر وأزالت الأسلاك الشائكة، ودخلت مسافة كيلومترين في أراضي البلدة في محاولة لتحريرها من الإحتلال الإسرائيلي، حيث عاش سنين عمره وهو يحلم بتحقيق حلمه الذي عاش من أجله طويلاً، وهو أن يرى بلدته كفرشوبا في العرقوب محررة أسوة بباقي المناطق الجنوبية.

تمر الذكرى السنوية الأولى على رحيله بهدوء ودون ضجيج.. ومازال الحزن يلف المكان، وعائلته تعاني مرارة الفراق.. والبعد المفاجئ للرفاق.

ولأن العظماء دائماً خالدون، فقد أطلق على بوابة الجل الأحمر اسم بوابة حسن قصب على مقربة من المكان الذي ناضل فوق هضابه واستشهد فوق رباه رفيقه الأخضر العربي في العام 1969 بعد معركة الروس ضد العدو الصهيوني.

وجاء إطلاق إسم حسن على البوابة كي يبقى اسمه خالداً، وتبقى ذكراه ماثلة على مر الأزمان والأجيال.

هكذا وبهدوء رحل حسن قصب.. وها هي الأيام تمر بسرعة البرق وتمضي معلنة حلول الذكرى الأولى لرحيله، ولكن للأسف قلة قليلة جداً من الأوفياء تذكرت موعد 8 تموز، فشاركت عائلته في احيائها، فيما العديد من المعنيين كان الأجدر بهم المشاركة، إذ لم يكن بالإمكان اقامة احتفال تأبيني، ولكن غابوا.... لما لم تعد الذاكرة تسعفهم بتذكر التاريخ، لعل أموراً تشغلهم كما شغلتهم عن عائلته طوال الأيام الماضية، حيث لم تسمع صوت العديد منهم منذ انقضاء فترة الحداد..

أبا محمد ربما وأنت الشهيد الآن موجود في مكان أفضل بكثير من المكان الدنيوي، فكيف لا وما نرجوه أن تكون مع الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم) وانت الذي اخترت اسم ابنك الوحيد تيمناً باسمه..، وكذلك مع الأنبياء والصديقين والشهداء الصادقين.

وربما لو قدر لك العودة الى هذه الدنيا، لما استطعت أن تمكث فيها لثوانٍ معدودات، قبل أن تتمنى العودة السريعة الى مكان الخلود.

ولكن يا أخي وصديقي.. لا بد أن تعرف ما هو مصير الأهل والأحبة، والقضايا التي دافعت عنها وعانيت من أجلها الكثير الكثير..

وأحسبك وكما كنت تفضل القضايا العامة والقومية على قضاياك الخاصة والعائلية والشخصية.

فها هم أبطال المقاومة يواصلون نضالهم ضد المحتل الإسرائيلي، حيث يتخذون من قرب مثواك في كفرشوبا دساكر لمواجهة العدو المحتل لأراضي بلدتك ومزارع شبعا، وانت تحس بوقع أقدامهم أكثر من البعيدين عن المنطقة.

وكذلك على مقربة منك في فلسطين الحبيبة التي ناضلت لأجلها، انطلقت ثورة أطفال الحجارة في وجه المحتل المغتصب.

وهناك في الجولان، ما زال أبناؤه يرفضون محاولات التطبيع وفصلهم عن سوريا الأم.

كما أن هناك في قلب العروبة دمشق شاباً تسلم سدة الرئاسة وهو الدكتور بشار الأسد، والذي جاء انتخابه بعد أيام من وفاتك، حيث كنت تسرع الخطى قادماً من بلدتك كفرشوبا الى دارتك في الرميلة للمشاركة بالتحضير للاستفتاء لانتخابه خلفاً لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي سبقك بالرحيل قبل عدة أيام.

وها هو وكما والده مازال يعطي للعالم يوماً بعد آخر دروساً وحكماً بالمبادئ والقيم والتمسك بالحق العربي..

أما بشأن قيادة حزبك في لبنان، فان انتخابات قد جرت وأدت الى تغيير جذري في قيادة الفروع والشعب وصولاً الى القيادة القطرية السابقة التي وللأسف نكث بعض القيمين عليها بالعهد والوفاء بمتابعة قضيتك.. فنسوا أو تناسوا.. أو ربما انشغلوا.. بل عفواً ربما فضلوا المصلحة الخاصة على القضايا القومية!

وما يأمل من القيادة الجديدة ومن أمينها القطري تحديداً النائب عاصم قانصوه، أن يتابع قضيتك وقضية عائلتك.

أما عن عائلتك.. فماذا عساي أن أقول؟

ها هو العم أبو حسن مازال مصدوماً بفراق وحيده، ويقبض على الجمر وهو يردد:

إذا كتب عليَّ خطاً مشينا 

ومن كتبت عليه خطى مشاها 

والوالدة أم حسن التي كانت تأمل أن تفتديك.. لا يفارقها محياك، وهي تحدث نفسها عمن كان يواسيها ويطمئن الى صحتها.

أما رفيقة دربك الهام الصابرة الصامدة.. فهي تتكبد حرقة الفراق وضنك الحياة.. وها هي بدأت تتشافى من آثار الحروق البليغة وتوزع ما استطاعت من قوتها بين هموم العائلة ومطالبها ومتابعة ملفاتك المكدسة.

أما حبيبك محمد .. فهو كما عهدته يؤكد انه سيبقى يدافع عن القضايا القومية والوطنية التي ربيته عليها، وهو نجح في الصف الرابع الإبتدائي في مدرسة القلعة وتفوق على الآلام والجراح التي أصيب بها.

وها هي ابنتك ديالا .. أنهت سنتها الثالثة عمارة في جامعة بيروت العربية ولكن بتفوق، حيث حلت الأولى بين زملائها.. وكذلك هو الحال مع مايا .. التي حلت أيضاً الأولى بتفوق في السنة الثانية هندسة مدنية في الجامعة العربية أيضاً، فيما ميسون .. أنهت بنجاح سنتها الأولى في معهد العلوم الإجتماعية في الجامعة اللبنانية ، وسهى.. نجحت وبتفوق أيضاً في الصف الأول ثانوي في ثانوية صيدا الرسمية للبنات .

أما سمر .. فهي لم تعد الى المدرسة بعد لأنها مازالت تعاني آثار الحروق البليغة التي أصيبت بها..

أبا محمد .. هذا هو الحال بعد مرور عام على رحيلك..

نعم عشت مظلوماً.. ورحلت عظيماً.. ورغم كل المتناسين والمجحفين سيبقى هناك من يُحبك، كما كنت أنت تحب الجميع.. فتكن السباق لمصافحة من أساء إليك.

 

 

 

الأخضــر العــربي

 

 
 

 


 

Home - English Contact Us Discussion Board Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic