حسان
الزين
 |
|
المحامي
شبلي الملاط
|
تضيف
النظارتان مستطيلتا الشكل والاطار
الأسود السميك بعض الأعوام الى عمر
المحامي شبلي الملاط، وقد تجاوز
الأربعين بعام واحد. لم يقصد ذلك،
ويضحك حين يسمعه. فتختفي عيناه أكثر
فأكثر خلف الحد الأعلى من النظارتين،
يبدو الشعر الأسود كثا وكبيرا،
وينتشر الشاربان في مساحة أوسع،
بعدما يتقلص الخدان لصالح الشاربين
المتروكين بعبث ومن دون تشذيب، ربما.
لم
يفتعل ذلك، انها العفوية التي تجعله
يبدو رجلا قديما، او عتيقا بثياب
كلاسيكية وجديدة ورفيعة في قماشتها
وحياكتها. يخون أناقتها وقوانين “شياكتها”،
فتبدو غريبة عليه، او هو غريب فيها،
كأنه لا يطيقها، “لكنها لزوم الشغل”،
أسمعه يقول. ولعله لهذا يختارها
فضفاضة ونظافتها توحي بأنها غُسلت
كثيرا، وكثيرا ما غسلت قبل ان تتسخ،
لترق.
لم
يفتعل ذلك الذي لا يبدو طارئا عليه،
الذي يبدو من عمره، وما يزيد الى
عمره، ما يزاوج بين هيئته وهويته. قلة
هم الأشخاص الذين تقول هيئتهم هويتهم..
وشبلي الملاط واحد من هؤلاء، من أولئك
الواثقين بأنفسهم المتخلين عن سلطة
الشكل، او السلطة الشكلية، التي
تُصنع كما تكوى الثياب.
إذاً،
تتظهر صورة شبلي الملاط منهمكا في
عمل، مأخوذا في جهد مزمن، قلقا على
زمن بكامله، لكأنه دقائق تشرف على
العبور، كما لو انه ما زال يحتفظ
ببصمات من أعوامه، من الطفولة، من
المراهقة التي يوحي انه عبرها بتهذيب
أقرب الى الافراط، الى الشباب الذي
جمع ما بينه وبين الرجولة، كما فعل مع
الدراسة والتعليم، مع البحث والوجود.
فشبلي الملاط الذي درس الأدب
الانكليزي (الجامعة اللبنانية
الأميركية) إلى جانب دراسته الحقوق في
الجامعة اليسوعية حيث يدرّس اليوم،
شعر منذ الصغر بأن جده شبلي الملاط
(19611875) هو “شاعر الأرز”. لكن الحفيد (مواليد
1960) ادرك باكرا ان المشترك الابداعي
الأدبي بينهما لا يكثر عن السنة التي
جمعتهما حيث ولدا (بعبدا) وهي حصة
قليلة من عمر شاعر ناهز المئة.. ومع
ذلك “حاولت كتابة الشعر، غير ان
اوراقي تبقى سرية ولعلها لناحية
قيمتها الأدبية دون مستوى العلنية”..
الا انه وضع كتابا مع أحد ابنيه: “تامر
رسم، وأنا شاركته في كتابة النصوص (بالفرنسية).
وانجزنا 15 نسخة فقط من المؤلف”. وهذا
ليس بغريب على عائلة أشبه بمؤسسة
أجيال، وقد تلاقى فيها التحصيل
العلمي بمؤونة أدبية وأخلاقية، تلاقى
فيها الاجتهاد الشخصي، او الخاص،
بالاحساس بالمسؤولية تجاه العام،
الذي لا تحده طائفة او دين. وهكذا كان
المحامي وكان الشاعر. كتب شبلي الملاط
(الجد): “سيان ان صحت لنا وطنية/ ما جاء
في الانجيل والاسلام”.
يستغرب
شبلي الملاط ان يوضع وحده تحت الضوء
القوي. “الدعوى بحق ارييل شارون
ولاثبات حقوق (بعض) ضحاياه في صبرا
وشاتيلا جهد جماعي” يقول ويضيف: “مساهمتي
التي اقدمها وأنا مسؤول عنها هي تقنية
قضائية.. وانها لمسؤولية ضخمة ان يكتب
الرئيس سليم الحص ما كتبه” (“مقاومة
في رجل” “السفير” 2/7/2001). “لعلي كنت
بادرت وحدي الى تقديم الشكوى إذا لم
أجد غيري. لكن وقد توافر أكثر من محام
فإن العمل جماعي بامتياز. ولو وجدت
محاميا أجدر لناحية الاختصاص، إذ ان
اختصاصي هو الجزائيات الدولية،
الأساسي والمفيد في الدعوى، لكنت
تراجعت، او دعوته الى التقدم، علما
بأني لم أُقدم لكي أتراجع. وعلى كل حال
الصعوبة ليست في ان يكون المرء محاميا
لضحايا صبرا وشاتيلا، فكل محام في
العالم يعتز ان تناط به هذه المهمة،
بل الصعوبة في ان يكون محاميا للدفاع
عن شارون، وأنا أدرك المخاطر التي قد
تنجم، ليس على المستوى الشخصي، فحتى
الآن لم أخف ولم أفكر في أني صرت غريم
شارون، إنما على المستوى العملي،
فإلى تأثير انهماكي في ملف الدعوى
واجراءاتها ومراحلها في أعمالي
اليومية، من دون نسيان ايجابيات
الدعوى بالنسبة إليّ كمحام، فإن
البعض، ولا سيما في أميركا حيث أعمل
استاذا في جامعة “يل”، كان له ردة
فعل سلبية. فقبل ان نتقدم بالدعوى كنا
قد اتفقنا مع احدى المؤسسات
الأميركية لعقد ندوة قانونية، لكن ما
ان رُفعت الدعوى توقف الاتصال بيننا.
اختفت المؤسسة عن السمع”.
“لا
اختبئ خلف أصبعي حين أقول ان الدعوى
هي قضية انسانية بالدرجة الأولى،
سواء بالنسبة إليّ أم في العموم. فأنا
لست هاويا للسياسة التي لا يمكن لأحد
في منطقتنا ان يتجاهلها، وكما في
السابق كذلك اليوم لم احترفها.. وشغلي
كمحام يفرض عليّ أمورا تبعدني عن
السياسة. فإذا ما كان في امكان
الانسان ان يعمل ليرتفع مرتبة “وطهارة”
من دون الدخول اليومي في عالم
السياسة، فلماذا لا؟ وهذا هو المرتجى
بالنسبة إليّ. فالعمل السياسي اليومي
لا يستهويني. وقد توافرت في السابق
مناسبات، مثل الانتخابات، وعرضت عليّ
بعض المسؤوليات ولم يقنعني الأمر.
عملي كباحث ومحام أفضل عندي لأنه أعمق
مستوى من السياسة. صحيح أني أخذت
مواقف سياسية في تأييدي لسعد الدين
إبراهيم ونوال السعداوي، إلا ان تلك
المواقف التي أفخر بها بقيت ضمن مساحة
الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان”.
ولهذا
السبب الشخصي متقاطعا مع دوافع
قانونية حرصا على القضية اشتغلنا
لفترة طويلة من الوقت اثر اجراء
التعديلات القانونية في بلجيكا التي
اتاحت لنا التقدم الى قاضي التحقيقات
في بلجيكا بملف دعوى لمحاكمة ارييل
شارون بتهمة ارتكاب جرائم في حق
الانسانية في مخيمي صبرا وشاتيلا،
بسرية لكي ننجز ملف الدعوى. ولو لم
نتبع تلك الاجراءات لكانت تسللت
السياسة الى القضية وربما أجهضتها
قبل ان تصل الى المحكمة البلجيكية.
ولعل ابتعادنا عن السياسة يحمي
القضية. فالسياسة ليست بيدنا على
الرغم من أهمية الافادة من عناصر
سياسية كتأييد ريتشارد فورد، الذي
شاهده المواطن العربي في فيلم “المتهم”،
للقضية. انه رجل شجاع ومواقفه سند قوي
جدا لكونه ينتمي الى طائفة “المتهم”.
فذلك يخدمنا في اظهار حقيقة شارون
أمام العالم.. وخصوصا الغرب. فقد علمني
القانون الدقة، ولا سيما في الكلام،
والانسان مسؤول عن كلامه. ولو ليس في
يدنا أدلة كفيلة بنجاح الدعوى لما
أقدمت. ملفنا قوي والأهم ان تتمكن
المحكمة من وضع شارون بين يدي القضاة.
فهو، بالتأكيد، سيحاول ألا يمثل
أمامها.
ومع
تجنب شبلي الملاط السياسة لحماية
الدعوى وملفها تؤدي ذاكرته الشخصية (والعائلية)
وثقافته دور الخلفية في رسم صورته
كشاب يبادر، مع آخرين، الى الدعوى ضد
رئيس وزراء اسرائيل لإدانته كمجرم
حرب. “فما زال مشهد إضاءة شارون للقصر
الجمهوري في بعبدا حاضرا قويا مؤلما
في ذاكرتي” يقول: “أضاء مقر الرئاسة
الأولى كفاتح، لينتشي بمشاعر المحتل
وحوله بلد جعله صحراء للعتمة. ما زلت
اذكر هذا المشهد بحسرة لم يفرغها
اشتراكي في تظاهرة أمام البيت الأبيض
اعتراضا على مجازر صبرا وشاتيلا
وتضامنا مع ضحاياها.. وكنت وصلت للتو
الى واشنطن للالتحاق بجامعة جورج
تاون.. عرفنا يوم السبت بوقوع المجازر
فنزلنا الى الشارع مع حنا بطاطو. ومنذ
ذاك التاريخ وأنا أسأل كيف تثبت
محاكمة كاهانا ضلوع شارون في المجازر
ويقتصر عقابه على تجريده من حقيبة
وزارة الدفاع؟ ولعل هذا السؤال كان
الخطوة الأولى في رحلة لم أخطط لها”.
وفي
الخلفية ذاتها، في الخطوط نفسها،
خيار شبلي الملاط وانحيازه ضد العنف،
يقول: “قناعتي ثبتت على اللاعنف
وسيلة للتغيير، ولعل تحركي في الدعوى
القضائية ضد شارون من وحي السؤال: ما
هي الطريقة الفاعلة لتحقيق العدالة
من دون اللجوء الى العنف؟ وأفكاري
لهذه مستوحاة من أشخاص في القرن
العشرين، مارتن لوثر كينغ، غاندي
وكمال جنبلاط الذي جمعته بوالدي (وجدي
الملاط نقيب سابق للمحامين في بيروت
وأول رئيس للمجلس الدستوري استقال
منه) صداقة تمتد الى مئة وعشرين سنة،
وما زلت أذكر عندما زار باريس للمرة
الأخيرة في تشرين 1976، كنا انتقلنا
للعيش هناك هربا من الحرب.. فقد زارنا
في البيت ولكني وصلت لدى مغادرته،
فرفع لي التحية من خلف زجاج السيارة..
وكانت تحيته الخاطفة آخر مرة شاهدته
فيها فبعدها بشهور قليلة أغتيل”.
وعود
على بدء، يقول: “لا أتجاهل ان هؤلاء
الثلاثة حاولوا اثبات ان اللاعنف
طريق للتغيير.. وقد قتلوا ولم يقاوموا.
فالسؤال الأصعب في القرن العشرين هو
انتصار اللاعنف على العنف. أما آلياته
فمنها القانونية. وإذا ما كان من خيط
يعبر مؤلفاتي: “الشرق الأوسط في
القرن العشرين”، “الرئاسة
اللبنانية”، “تطور الفقه الاسلامي”
و”الديموقراطية في أميركا”، فهو هذا
الخيط الذي يضعني دائما في المحاولة
المستحيلة للجمع ما بين المثالية
والمحاماة.. وكأن المحامي والمثالية
لا يجتمعان. وها أنا مجددا في
المواجهة. فهناك قضية كلفني بها 28
شخصا، وتشكل انتصارا للضحايا كافة،
وعلى الرغم من ذلك لا محل للمثالية.
فالقضية والنجاح فيها يحتاجان الى ما
هو ملموس.. وهذا صعب، انما هو تحد،
وتحد كبير.