بنت جبيل تريد مجلساً بلدياً قادراً على التنمية
بوادر صراع سياسي عائلي قد يحرم المدينة فرصة انتظرتها


السفير (الثلاثاء، 28 آب 2001)

كامل جابر

بنت جبيل السوق

لا تتميز حركة الاستعدادات للانتخابات البلدية والاختيارية في بنت جبيل، وعورة وتنافرا عن الطرقات الداخلية لعاصمة القضاء الموغلة في التاريخ والمواقف الوطنية والعروبية. ومع بدء العد العكسي لقفل الابواب الرسمية امام الترشيحات يسلك ملف بنت جبيل الانتخابي الاتجاه الاكثر تعقيدا وتشويشا، فلا حزب الله وحركة امل، افلحا حتى الآن في وضع تصور للائحة او نواتها، ولا العائلات التي لا يستهان بوزنها ودورها، تمكنت من التوافق بعيدا عن التجاذبات السياسية، ولا اليسار حسم امره منفردا أو مجتمعا مع حلفاء متوقعين.

واكثر ما يخيف ابناء بنت جبيل، ان يتحول هذا الاستحقاق الى عامل تفرقة وتشرذم بدلا من التوحد حول عناوين المطالب والاحتياجات الملحة لمدينتهم بعدما أرهقها الإهمال والتجاهل وحوّل بناها ومرافقها الى تالفة ومعدومة، ثم جاء التحرير بعد طول احتلال حاملا اليهم بهجة العودة الى احضان الوطن، لكنهم لم يجدوا الأم التي تضمد بعطفها النقص والحرمان على مختلف المستويات والاصعدة. وقد بدأت تلوح بوادر الصراع في أفق تقديراتهم، فهم الى اليوم لم يتمكنوا من قراءة النوايا الحقيقية لكل طرف او جهة، متفرقة او متحالفة، ولم يلمسوا العناوين والمشاريع المقترحة لتوحيدهم حول مجلس بلدي يلبي طموحاتهم واحتياجاتهم ويسد غياب البلدية الاصيلة والمتنقل بديلها بين ايدي الرعاية التي ادارت الازمات ولم تحلها فتراكمت، في وقت بدأت الهجمة السياسية نحو انتخاباتهم تهمس على الوتر العائلي احيانا وعلى الوتر الخدماتي و”التوظيفي” في احيان اخرى، الامر الذي قد يتسبب في تراجع حماسة المتنورين من اطباء ومهندسين ومحامين ممن قرروا الانكفاء والابتعاد تحت عنوان إن “الآتي آت” وربما من “فوق”.

وعلى الرغم من اللقاءات المتعددة المتراوحة بين عائلية وحزبية وسياسية وبين هذا الطرف او ذاك، لم ترشح الى اليوم لائحة محددة او مكتملة في بنت جبيل، اذ ان غياب الثقة يلقي بثقله على الاطراف، المتحالفة والمتباعدة. ويمكن القول ان المتنافسين على ساحة بنت جبيل كثر يتوزعون على النحو الآتي:

العائلات، وهي القوة المهمة في بنت جبيل، ولا يمكن لاي طرف حزبي او سياسي تجاهلها، والدليل على ذلك هو ان القوى السياسية شاملة اعلنت جهرا وبشكل واضح وصريح انها سوف تعطي للعائلات دورها في اختيار ممثليها، في الوقت الذي تخاف فيه هذه القوى من عدم إرضائها، وخصوصا اذا ما تقدم الى الانتخابات حشد من المرشحين، لا يمكن استيعابه في “الحصص” والتمثيل.

حزب الله، المتجه الى التحالف مع مختلف عائلات البلدة، محاولا الاستفادة من خلل تجربة الانتخابات البلدية في العام 1998، علما بأن محاولات “السفير” للحديث مع كوادره المسؤولين عن ملف بنت جبيل اصطدمت بعدم الرغبة بالكلام ربما تفاديا لأي تفسير حول صعوبة الائتلاف مع “امل”.

حركة “امل”، ومعها بعض رموز العائلات.

القوى اليسارية المستقلة: وينطلق روادها من محاور عائلية متنوعة، ويستخدم بعضهم رصيده السياسي وتاريخه النضالي في نسج عناوين الاستحقاق المقبل.

بعثيون وقوميون سوريون: هم اقرب الى اللائحة الائتلافية ولهم امتداد نحو العائلات التي يمكن ان تدعم هذا التحالف.

“تيار الشباب المؤمن” المنسجم مع مرجعية العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وهو تيار يترفع عن التحالفات والصراعات ولا يتدخل في أجواء المعركة، وترشح عن مصادره رغبة التوافق حول مجلس بلدي متجانس.

أما اللقاءات الجارية علنا او تحت جنح الظلام، فيمكن حصر عناوينها بالآتي:

لقاءات لكل عائلة على حدة، بعضها وصل الى حد الإجماع على مرشح او اكثر، والبعض الآخر لم يتوصل بعد الى التوافق. وبقي الامر متروكا للظروف المحتملة. ويخاف البعض من عملية “حرق” الاسماء المعلنة قبل أوان اللوائح، ما جعل البعض يتأخر بتقديم طلب الترشيح قبل الحسم.

لقاءات بين “حزب الله” وحركة “أمل”، وهي غير معلنة النتائج والتفاصيل على الرغم من تأكيد الطرفين ان التوافق والائتلاف حاصلان لا محالة، وانهما لن يتجاوزا العائلات أبدا، ويصرح البعض من هذا الطرف او ذاك عن امكانية فتح التحالف على المستقلين والحزبيين.

لقاءات بين الحزبيين اليساريين والمستقلين والتي من الممكن ان تقضي قريبا جدا الى تشكيل نواة لائحة مستقلة، او تتحد لاحقا من خلال الحوار المتجانس مع القوى الثانية في لائحة توافقية. ولم يجر حتى الآن بينها وبين طرفي التحالف اي لقاءات خاصة حول عنوان الحوار والائتلاف.

ويتخوف البعض من ان تؤدي اللقاءات الجانبية لقطبي التحالف ومن خلال عملية “الفيتو” على اشخاص معينين الى تركيبة “هزيلة” لا تعبر عن طموحات اهالي بنت جبيل. ولذلك تدعو بعض الشخصيات المتابعة لمجرى الاستعداد للانتخابات البلدية، الى ان تكون اللعبة الديموقراطية كاملة حتى تتيح لأبناء المدينة حرية الاختيار والإتيان بمجلس بلدي قوي وتماسك وفاعل ونزيه.

وحول التحالفات ومجراها يقول النائب علي بزي: “عُقدت لقاءات حزبية بين مختلف القوى الحزبية من دون استثناء في الوقت الذي اجتمعت فيه العائلات لتسمية من تراه مناسبا. أخشى من عدم الارتقاء الى هذا الوعي والدخول في مهاترات وسجالات حول هذا الاسم او ذاك وهذه العائلة او تلك، وننسى اولا: صعوبة ودقة المرحلة التي يمر بها الوطن بشكل عام والمناطق المحررة بشكل خاص من حصار اقتصادي واجتماعي ومعيشي ضاغط. وثانيا: رهان الدوائر الخارجية على هدم استقرار هذه المناطق بغية تمرير مشاريعها المشبوهة على لبنان. وثالثا: ان هذه المناطق بأمس الحاجة الى رواد وأكفاء في اطلاق مشاريع التنمية.

واضاف النائب بزي: “ربما نلمس عقبات ناجمة، من ان اسماء كثيرة تتسابق الى هذا الاستحقاق بعيدا عن الاختصاصات والكفاءات. المطلوب التنوع، وبنت جبيل زاخرة بالطاقات. وأنا أستغرب في مدينة كبنت جبيل ألا أرى حتى الآن أيا من العنصر النسائي قد قدم الى هذا الاستحقاق، وآمل في ان يخيب استغرابي في الأيام القليلة المقبلة”.

وتحدث حسين بيضون عن طموح ابناء المدينة “في مجلس بلدي مميز وكفوء وقادر ومتخصص وجريء ونظيف الكف ومنفتح على الجميع، وعلى مسافة واحدة من الكل ليقوم بعملية إنقاذ حقيقية للواقع المزري والصعب في بنت جبيل من خلال مشاريع تنموية تُخرج المواطن مما يعانيه من قلق على مختلف المستويات”. ولفت الى ان بنت جبيل محكومة بفعل نشأتها وتاريخها بنسيج حزبي واجتماعي وسياسي من المفترض ان ينعكس في انتاج مجلس بلدي يلبي طموحات وحاجات الاهالي “هناك عائلات شكلت على الدوام مصدر غنى للبلدة في مختلف مرافق الحياة وهناك قوى سياسية امتدت على مساحة الوطن من بوابة بنت جبيل، ولا يمكن تصور مجلس بلدي خارج هاتين الصورتين”.

ويقول إحسان بزي: نحن نقدر كل نقطة دم بُذلت في سبيل تحرير الارض، من وطنية واسلامية. لكن لنعمل سويا ومعا في سبيل ايجاد مجلس بلدي متجانس يليق بالمدينة ودورها. نحن نمثل (القوى الديموقراطية واليسارية)، ونشكل كتلة لا يستهان بها من شباب البلدة ومثقفيها واهلها، ونستقطب مجموعة كبيرة من الناس حول شعار وحدة المدينة ومجلسها البلدي. اننا نفتح صدرنا للائتلاف المتجانس، وإذا لم نوفق بذلك فعندنا امكانيات لخوض معركة تمثل وجهة نظر الديموقراطيين والوطنيين والمثقفين، وهذا نابع من رؤيتنا للخلافات التي بدأت تستحكم بعائلات المدينة التي نحترمها ونجلها، ومستحيل تجاهل دورها في تشكيل المجلس الذي نطمح إليه. وهناك توجه نحو تفتيتها وليس وحدتها. ومع احترامنا للقيادتين السياسيتين لحركة امل وحزب الله، إلا أن الطريقة التي يعمل بها على الارض غير صحيحة ونخشى من سيطرة منطق “فرّق تسد”، من اجل مكاسب شخصية”.

ويقول الحاج سعيد بزي: “نستغرب ما يجري مؤخرا من استدعاء وجر لعائلات المدينة، متفرقة، الى دارة احد المراجع، وهو ما يتنافى مع الديموقراطية والتحالف اللذين جرى الحديث عنهما”.

ويعتبر اهالي بنت جبيل ان الانتخابات البلدية هي من أهم الاستحقاقات في تاريخ المدينة، لأن مجيء مجلس بلدي يعني الكثير لهم ولها بعد غياب اكثر من ثلاثة عقود (بعد حل المجلس الاخير) حيث فقد العمل البلدي وجوده و”فلسفته” ووظيفته حتى غاب كليا عن تفكير المواطن. وجيل “الخمسين” في بنت جبيل لم يشارك بعد في مثل هكذا استحقاق. والمدينة “لطيمة” بحسب تعبير احد ابنائها، وهي من دون أب او أم، وما تطور فيها حتى الآن هو من جهد ابنائها.

تحتل بنت جبيل مركزا جغرافيا مميزا، أكسبها أهمية سياسية واقتصادية بارزة. وتمتد حدودها من يارون ومارون الراس (المتاخمتين للاراضي الفلسطينية المحتلة) جنوبا، الى عين إبل من الغرب، وعيناتا من الشمال والطيري وكونين من الشمال الغربي، وعيترون من الشرق. يبلغ عديد اهلها نحو 45 ألف نسمة، وعدد الناخبين فيها 15623 صوتا منهم 4163 ناخبا في الانتخابات النيابية العام الماضي، وهم يتوزعون على نحو 98 عائلة اكبرها: بزي (3007 اصوات) وبيضون (2415 صوتا) وسعد (959 صوتا) وشرارة (795 صوتا) وجمعة (468 صوتا) وفرج (454 صوتا). يقيم منهم نحو خمسة آلاف في البلدة ويتوزع الباقي في دول الاغتراب بين الولايات المتحدة الاميركية وكندا واستراليا وافريقيا والخليج العربي، ومنهم نحو ثمانية آلاف في العاصمة بيروت.

في بنت جبيل، لا عودة للنازحين والمغتربين ولا عودة للاستثمارات من غير توفر جميع الأمور الانمائية والخدماتية. ويثقل النقص في الخدمات والمشاريع كاهل المدينة. ومن يعبر طرقاتها يرَ صعوبة حركة التنقل في أحيائها العتيقة والشعبية بسبب الحفر والخنادق، مع غياب لشبكات الصرف الصحي والمياه والهاتف (الغائب). وما تشهده المدينة من حركة عمرانية في وسطها التجاري، يعود فقط لأبنائها الصامدين طوال فترة الاحتلال وللمغتربين من أبنائها.

في وسط المدينة وعلى الجانب الآخر من الانتخابات، تدور في مكتب قائمقام بنت جبيل ابراهيم درويش ورشة لا تهدأ قبل ساعات المساء، تستقبل طلبات الترشيح وتراجعها لتوافق عليها لاحقا بقرارات ادارية. ويلاحظ المسؤولون المختصون إقبالا لافتا وخصوصا مع بدء العد العكسي لقفل باب الترشيح. ويواجه الموظفون في الجهاز الاداري صعوبات من ضغط العمل الذي يتعدى ساعات الدوام ويتضاعف تحت شعار “سياسة الباب المفتوح”.

وتحدثت مصادر قريبة من القائمقام درويش عن ان الاجواء العامة “هي اجواء ديموقراطية عادية وتشمل تداخلات ذات طابع سياسي واجتماعي وعائلي وتتم ضمن الحدود المتاحة للممارسة الديموقراطية للمجتمع المحلي في لبنان”.

وتوقعت مصادر القائمقامية اشتداد الاقبال والضغط على طلبات الترشيح في اليومين الاخيرين من فترة تقديم الطلبات. وسُجل في دائرة استقبال الطلبات حتى صباح السبت المنصرم أكثر من مئة متقدم الى الانتخابات البلدية والاختيارية، تتراوح اعمار عالبيتهم بين 35 عاما و55 عاما، بينهم اثنان دون الثلاثين، ومرشحة واحدة.

 

تاريخ بنت جبيل البلدي

يقول الدكتور مصطفى بزي: “انتخب أبناء بنت جبيل آخر مجلس بلدي بتاريخ الرابع من آب العام 1963 من 12 عضوا يرأسهم موسى الزين شرارة، ونائبه عباس سعد ومعهما: عبد الأمير شامي وإبراهيم دباجة وعز الدين بيضون وعلي السيد محمد وبهجت محمد بزي ويوسف سليم بزي وإبراهيم جابر بزي وعبد النبي فرج وعباس بيضون والسيد علي جمعة. وقد أعد لهذه اللائحة النائب الراحل علي بزي وعبد اللطيف بيضون مع موسى الزين شرارة بتوافق مع القوتين العائليتين الكبيرتين (بزي وبيضون) والتيارات الحزبية في البلدة. وشهدت المدينة في حينه أول تجربة ديموقراطية، إذ تنافست اللائحة الفائزة مع لائحة ثانية برئاسة حكمت بزي الأسعدي الولاء مع تجمع العائلات وعضو حزبي وحيد مؤيد من البعث.

وبعد مدة تقاعس عدد من الأعضاء عن حضور جلسات المجلس البلدي، ثم بدأت الخلافات تظهر بين الأعضاء حول بعض الأمور الخاصة بتنفيذ المشاريع في المدينة، وبرزت من جديد الصراعات العائلية، ما أدى الى استقالة جماعية قبلت بموجب قرار محافظ الجنوب الرقم 363 تاريخ 28/1/1967. ثم تسلمها قائمقام بنت جبيل غسان حيدر بناء على المرسوم 10840 بتاريخ 9/9/1968 وتراجعت خدماتها في عهد القائمقام حيدر في وقت شهدت انفاقا هائلا على مسائل لا علاقة لها بالخدمات. وكانت من أغنى بلديات لبنان وتقدم أموالا لعدد من البلديات على سبيل الاستدانة، غير انه وخلال فترة وجيزة أفرغت من صندوقها على غير المشاريع. وفي العام 1994 تسلمها موسى دبوق ثم القائمقام إبراهيم درويش في آذار 1996 وشهدت بعض التحول ضمن امكانياتها”.

تأسست أول بلدية في بنت جبيل قبل الحرب العالمية الأولى، وبعد العام 1918 كرست رسميا، وتم تعيين الحاج محمد سعيد بزي رئيسا لها، وبعده عينت السلطات الفرنسية نايف محمد سعيد بزي رئيسا (بعد العام 1920) ثم الحاج عبد الحسين بزي، وأحمد الحاج محمد سعيد بزي قبل العام 1950. وفي العام 1952 جرت انتخابات بلدية ونجح اليها موسى الزين شرارة ومعه: نمر عباس سعد (نائبا) وعلي الحاج محمد بزي ومحمد الحاج خليل بيضون وحسين سليم مصطفى وعبد الأمير شامي وعلي أحمد جمعة ومحمد علي الزين فرج ونعمة أسعد بيضون.

وقد أتت الأحداث التي تعرضت لها المدينة من قصف إسرائيلي واعتداءات ثم اجتياح العام 1978 على جميع ملفاتها وسجلاتها القديمة وأوراقها ومعاملاتها واحترقت بالكامل ولم يبق منها وثيقة تاريخية.

ويذكر أبناء البلدة ان البلدية التي كان يرأسها عبد الحسين بزي عبدت الطرقات فيها في وقت كانت معظم المدن اللبنانية تفتقد الى ذلك. وكانت شوارعها منارة بالمصابيح (على الكاز) وشهدت حركة تطور لم تشهدها أي بلدة او قرية في الجنوب.

 
 
 

 
 
     إبحث في موقع بنت جبيل

 

Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic